ذات صلة

أحدث المقالات

الذكرى الرابعة لحرب أوكرانيا: فرص استثمارية كبرى تنتظر انتهاء الصراع

مرت أربع سنوات على اندلاع الحرب الأوكرانية-الروسية في فبراير...

تهديدٌ محسوب أم مقامرةٌ استراتيجية؟ شبح حربٍ طويلة يُخيّم على الشرق الأوسط

في خضم توتر متصاعد بين واشنطن وطهران، وأمام تصاعد...

بنكيران يعقّب على تصريحات بوريطة بشأن “مجلس السلام” في غزة ويثير سؤال الدلالات السياسية

في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بالتوتر، اختار الأمين العام...

الذكرى الرابعة لحرب أوكرانيا: فرص استثمارية كبرى تنتظر انتهاء الصراع

مرت أربع سنوات على اندلاع الحرب الأوكرانية-الروسية في فبراير 2022، ولا تزال نيرانها مشتعلة، حاملة في طياتها تحولاً عميقاً لصراع إقليمي إلى أزمة تعصف بالنظام الدولي بأسره. فهذه الحرب ليست مجرد حدث عابر، بل هي محطة مفصلية ذات تداعيات كبرى على الديناميكيات الجيوسياسية العالمية. لم تقتصر آثارها المدمرة على ساحات القتال، بل امتدت كصدى مدمر هز أركان الاقتصاد العالمي، وأحدث شرخاً عميقاً في سلاسل التوريد، وأعاد رسم خريطة التحالفات والصراعات الدولية. أربع سنوات، وهذه الحرب تلتهم ليس فقط الأرواح والبنى التحتية، بل أيضاً الطموحات الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية لدول بعيدة كل البعد عن ساحات القتال. وفي مقدمة هذه الدول، يأتي المغرب الذي وجد نفسه، رغماً عنه، في دائرة الخاسرين. كيف إذا تأثر المواطن المغربي العادي بهذه الحرب؟ وما هي الفرص الاستراتيجية التي تعطلت أو ضاعت بسبب استمرار هذا النزاع؟

في خضم هذه الأزمة، اتسم الموقف المغربي من الحرب بالحياد والتوازن. وقد قدرت روسيا هذا الحياد الذي تجلى في امتناع المغرب عن التصويت على عدة قرارات في الجمعية العامة للأمم المتحدة تدين العمليات العسكرية الروسية. إلا أن هذا الموقف وضع المغرب موضع مساءلة وضغوط متزايدة من قبل شركائه الغربيين التقليديين.

على الصعيد الاقتصادي، شكلت الحرب عائقاً كبيراً أمام تطور التبادل التجاري بين البلدين. فرغم أن المغرب لم ينضم رسمياً إلى نظام العقوبات الغربية ضد روسيا، إلا أن التأثير الناجم عن هذه العقوبات يشكل تحدياً يومياً ومعيقاً رئيسياً للمبادلات الثنائية. يعترف بذلك سفير روسيا في الرباط، فلاديمير بايباكوف، في مقابلة مع وكالة “ريا نوفوستي” الروسية، مؤكداً أن “العقوبات تسبب بلا شك صعوبات، خاصة فيما يتعلق بمعاملات الدفع” . هذا الاعتراف يعكس عمق الأزمة. ويضيف السفير أن “الدول الغربية تحاول استغلال هذه الظروف للحد من وجود روسيا في السوق المغربية”. تتحفظ البنوك المغربية على التعامل مع البنوك الروسية مخافة العقوبات الغربية. هذا التحفظ يبطئ التبادل التجاري ويرفع كلفته، وهو ما يفسر بقاء حجمه مستقراً عند ملياري دولار.

ورغم هذه التحديات التي تثقل كاهل العلاقات التجارية الثنائية بين الرباط وموسكو، فإن الطموحات المشتركة تظل واعدة. ففي قلب هذه الأزمة العالمية، تبرز العلاقة المغربية-الروسية كشراكة استراتيجية، لكنها تدفع ثمن استمرار الحرب من خلال فرص ضائعة أو مثعثرة كان يمكن أن تغير واقع الطاقة والتنمية في المغرب. فخلال الدورة الثامنة للجنة الحكومية المشتركة المنعقدة في موسكو، وقع المغرب وروسيا ثلاث اتفاقيات تعاون جديدة، تشمل مجالات الصيد البحري، وتبادل الوثائق والبيانات الجمركية، والتعاون وتبادل المعلومات في نظام التفضيلات الجمركية الموحد للاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وصف وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، هذه الدورة بأنها “فرصة لاستغلال الإمكانات الكاملة بين البلدين ونقل التعاون إلى آفاق جديدة وأوسع”.

الطموحات تتجاوز بكثير ما تم تحقيقه. فروسيا، صاحبة الخبرة الواسعة في مجال الطاقة النووية، كان بإمكانها التعاون مع المغرب في بناء محطات نووية مدنية، مما كان سيخفض فاتورة الكهرباء على المغاربة بشكل كبير، ويوفر طاقة نظيفة ومستدامة. لكن اتفاق التعاون النووي المدني بين البلدين لا يزال ينتظر التنفيذ الفعلي.

كما أعربت الشركات الروسية عن استعدادها للمشاركة في مشاريع الغاز المغربية الطموحة، وعلى رأسها محطة الغاز المسال بالجرف الأصفر ومشروع أنبوب الغاز الاستراتيجي الرابط بين المغرب ونيجيريا. هذا المشروع العملاق، الذي سيمتد على طول الساحل الأطلسي لربط آبار الغاز النيجيرية بدول غرب أفريقيا وصولاً إلى المغرب، كان يمكن أن يستفيد من الخبرة الروسية الهائلة في مد خطوط الأنابيب وتطوير حقول الغاز. وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، صرح بوضوح: “شركاتنا مهتمة بالمشاركة في هذه المشاريع. نحن مستعدون لتوريد الغاز الطبيعي المسال، وبناء خط الأنابيب والمحطة”. لكن الحرب أوقفت هذه الطموحات، وجعلت الاستثمارات الروسية الكبرى في المغرب رهينة للعقوبات الغربية والمخاطر الجيوسياسية.

كان من الممكن أيضاً أن يمتد التعاون إلى مشاريع النقل والخدمات اللوجستية، حيث يمكن للخبرة الروسية أن تساهم في تطوير البنية التحتية للموانئ المغربية، وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي إقليمي يربط أفريقيا بأوروبا. فروسيا تبحث عن منافذ بحرية استراتيجية، والمغرب يمتلكها على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

السلام الضائع وتكلفة استمرار الحرب

بعد أربع سنوات من الحرب الأوكرانية، يبقى السؤال الأهم: كم كلف استمرار هذه الحرب المغاربة والعالم؟ الجواب بسيط: الكثير. المواطن المغربي يدفع ثمناً غالياً من قدرته الشرائية بسبب حرب لا شأن له بها. ومشاريع استراتيجية كبرى كانت يمكن أن تغير واقع الطاقة والتنمية في المغرب تبقى حبيسة الأدراج بسبب استمرار النزاع.

وبينما يستمر المغاربة في دفع فاتورة غلاء لا ذنب لهم فيها، تظل أوكرانيا ساحة مفتوحة لحرب، تدفع فيها دماء أبنائها ثمناً لمصالح لا تخدم سوى صناعات الحرب في الغرب. أوكرانيا، التي تحظى بدعم غربي سخي، تبدو غير قادرة أو غير راغبة في دفع ثمن السلام، رغم الخسائر البشرية الفادحة والدمار الهائل. والمستفيد من استمرار الحرب هي بعض القوى الكبرى، إما لإضعاف روسيا أو لإنعاش صناعاتها الحربية.

أما المغرب، فيواصل السير على حبل مشدود بين الشرق والغرب، محاولاً الحفاظ على توازنه الدقيق بين استيراد النفط الروسي بأسعار مخفضة والاعتماد على الدعم الغربي في قضاياه الاستراتيجية. لكن مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتهديداته بفرض رسوم جمركية على الدول التي تشتري النفط الروسي، قد يجد المغرب نفسه مضطراً لاختيار جانب.

الفرصة ما زالت سانحة لبناء شراكة استراتيجية حقيقية بين المغرب وروسيا، شراكة تترجم الطموحات الكبيرة إلى مشاريع ملموسة على الأرض: محطات نووية لتوفير الكهرباء الرخيصة، وأنابيب غاز لتعزيز الأمن الطاقي، وبنية تحتية متطورة تخدم التنمية. لكن هذا كله يظل رهناً بإنهاء هذه الحرب التي طال أمدها، وعودة الاستقرار إلى النظام الدولي. فالسلام القادم، حين يحين، سيحتاج إلى شراكات متينة تستطيع بناء مستقبل أفضل للجميع.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img