تعكس الرؤية المصرية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران مقاربة استراتيجية تقوم على “الاحتواء الدبلوماسي” ورفض الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، وهي مقاربة تستند بوضوح إلى تصريحات رسمية صادرة عن مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية المصرية، فضلًا عن تحركات حكومية موازية على المستويين السياسي والاقتصادي.
فوفقًا لتصريحات رسمية، شدد عبد الفتاح السيسي على أن الموقف المصري “ثابت” في الدعوة إلى خفض التصعيد ووقف الحرب، مؤكدًا ضرورة إعطاء فرصة حقيقية للحلول السياسية بدلًا من التصعيد العسكري، مع إدانة أي اعتداءات تستهدف الدول العربية أو تهدد استقرارها.
ويعكس هذا الموقف ثنائية دقيقة في السياسة المصرية: رفض التصعيد من جهة، والحفاظ على توازن العلاقات مع مختلف الأطراف من جهة أخرى.
ربط الأمن الإقليمي العربي بالمصري
في السياق ذاته، تبنّت القاهرة خطابًا رسميًا يربط الأمن الإقليمي العربي بالأمن القومي المصري بشكل مباشر، حيث أكدت تحركات عبد الفتاح السيسي واتصالاته الإقليمية أن استهداف دول الخليج أو تهديد استقرارها يُعد خطًا أحمر بالنسبة لمصر، وهو ما يفسر التحركات الدبلوماسية المكثفة التي شملت تنسيقًا مباشرًا مع العواصم الخليجية، بهدف بناء موقف عربي موحد في مواجهة تداعيات الحرب.
وفي هذا الإطار، حرصت مصر على إدانة الضربات التي تهدد أمن الدول العربية، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران لتفادي التصعيد غير المحسوب.
القاهرة.. وسيط محتمل
أما على مستوى الدبلوماسية التنفيذية، فقد برز دور بدر عبد العاطي كأحد أبرز ملامح التحرك المصري، حيث أكدت وزارة الخارجية أن القاهرة مستعدة لاستضافة محادثات دولية بشأن إيران إذا كان ذلك سيسهم في خفض التوتر، مع التشديد على أن “كل شيء يعتمد على الدبلوماسية والتفاوض”. كما أوضحت التصريحات الرسمية أن مصر تجري اتصالات مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع امتداده إلى دول الخليج، وهو ما يعكس دور القاهرة كوسيط محتمل يتمتع بقنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المتصارعة.
وتُظهر التصريحات الرسمية أيضًا إدراكًا مصريًا عميقًا للانعكاسات الاقتصادية الخطيرة للحرب، حيث أكد بدر عبد العاطي أن التصعيد العسكري يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد المصري، لا سيما من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع إيرادات السياحة وقناة السويس، مشيرًا إلى أن إطالة أمد الحرب “تزيد التبعات والخسائر” على مصر والمنطقة . وقد دفع ذلك الحكومة المصرية إلى تفعيل غرف إدارة الأزمات واتخاذ إجراءات اقتصادية استثنائية، في محاولة لامتصاص الصدمات الناتجة عن اضطراب الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
استراتيجية من ثلاثة محاور
من زاوية تحليلية، تكشف هذه المواقف الرسمية عن استراتيجية مصرية متعددة الأبعاد تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: أولًا، منع توسع نطاق الحرب إقليميًا عبر الدعوة المستمرة لوقف إطلاق النار؛ ثانيًا، الحفاظ على التوازن في العلاقات الدولية من خلال الانخراط مع جميع الأطراف دون الانحياز الكامل؛ وثالثًا، حماية المصالح الاقتصادية الحيوية، خاصة ما يتعلق بقناة السويس وأمن الطاقة والغذاء. وتؤكد هذه الاستراتيجية ما أشارت إليه تقارير وتحليلات إقليمية من أن القاهرة تتحرك وفق “دبلوماسية متزنة” تهدف إلى إدارة الأزمة وليس التصعيد فيها .
ويمكن القول إن الرؤية المصرية للحرب لا تنطلق من منطق الاصطفاف العسكري، بل من تصور شامل للأمن الإقليمي قائم على التهدئة ومنع الانفجار، وهو ما يتجلى في تصريحات عبد الفتاح السيسي وبدر عبد العاطي التي تؤكد أن الحلول العسكرية ليست خيارًا مستدامًا، وأن المسار الوحيد القابل للحياة هو العودة إلى طاولة المفاوضات، في محاولة لحماية توازنات الشرق الأوسط ومنع انزلاقه إلى صراع مفتوح واسع النطاق.



