حين يصبح الصمت شريكاً في الفساد… من يحكم فعلاً: القانون أم النفوذ؟
في المقاهي، داخل سيارات الأجرة، وفي زوايا النقاش اليومي، لم يعد المغاربة يتحدثون عن الفساد باعتباره حدثاً استثنائياً، بل كأنه جزء من المشهد العادي للحياة العامة. تسمع مواطناً يقول بمرارة: “كل شيء يُكشف… ولا شيء يتغيّر”. جملة تبدو عابرة، لكنها تختصر أزمة أعمق بكثير من مجرد فضيحة أو تسريب أو اتهامات متداولة على منصات رقمية. إنها أزمة ثقة تتسلل ببطء إلى العلاقة بين المواطن والدولة، بين القانون والواقع، بين الشعارات الرسمية وما يحدث فعلاً خلف أبواب النفوذ.
أربعة ملاحظات كبرى تفرض نفسها اليوم قبل أن يبتلعها الزمن السياسي السريع، وقبل أن تتحول بدورها إلى مجرد ضوضاء أخرى في أرشيف النسيان المغربي.
أول ما يثير الانتباه، أننا أمام مفارقة سياسية وأخلاقية ثقيلة: بلد يرفع باستمرار شعارات “ربط المسؤولية بالمحاسبة” و”محاربة الفساد”، لكن هذه الشعارات تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تعيش داخل الخطب الرسمية فقط، لا داخل المؤسسات ولا في سلوك الدولة تجاه الملفات الحساسة. فبينما تستمر منصات إعلامية مثل “برلمانكم” في نشر وثائق ومعطيات توصف بالخطيرة حول شبهات استغلال نفوذ ونهب عقارات بطرق تدليسية واحتيالية، يخيّم صمت ثقيل يبعث على القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة.
المسألة هنا لا تتعلق بالدفاع عن الموقع المذكور أو الاصطفاف مع خطه التحريري أو حساباته السياسية، لأن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحرف نحو “من نشر؟”، بل نحو “ماذا نُشر؟”. ففي الدول التي تحترم فكرة المؤسسات، تصبح الوثيقة التي تتحدث عن شبهات فساد مدخلاً للتحقيق والتدقيق، لا مجرد مادة لتبادل الاتهامات أو تصفية الحسابات السياسية. أما حين يتحول التركيز إلى الجهة الناشرة بدل مضمون المعطيات، فذلك غالباً مؤشر على رغبة ضمنية في قتل الأسئلة الجوهرية وإغراق الرأي العام في معارك جانبية.
ثاني الملاحظات، أن خطورة ما يتم تداوله لا تكمن فقط في طبيعة الاتهامات، بل في الجهات التي يُقال إنها معنية بها. الحديث هنا ليس عن موظفين صغار أو أخطاء إدارية معزولة، بل عن شبهات تطال نافذين يتحركون داخل دواليب القرار ومراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي. وهنا يبدأ السؤال الذي يزعج المغاربة أكثر من أي شيء آخر: أين مؤسسات الرقابة؟ أين المجلس الأعلى للحسابات؟ أين النيابة العامة؟ أين الأحزاب التي بنت خطاباتها الانتخابية على الحرب ضد الفساد والريع واستغلال السلطة؟
في المجتمعات التي ما زالت تؤمن بفكرة العدالة، لا يُطلب من المؤسسات أن تُصدر أحكاماً مسبقة، بل أن تتحرك. أن تفتح تحقيقاً، أن تستمع، أن تدقق، أن توضح للرأي العام إن كانت الوثائق صحيحة أو مضللة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس وجود اتهامات، بل أن يشعر الناس أن الدولة لا ترى ولا تسمع إلا حين يتعلق الأمر بالضعفاء، بينما تصبح بعض الملفات مناطق محرمة لا يجوز الاقتراب منها مهما كانت المعطيات المتداولة بشأنها.
أما الملاحظة الثالثة، فهي أن هذا الضجيج الكبير حول نهب الأراضي واستغلال النفوذ لم ينتج حتى الحد الأدنى من التفاعل المؤسساتي أو السياسي. لا بلاغات توضيحية، لا مطالبات جادة بفتح تحقيق، لا لجان تقصي حقائق، لا حتى خطاب يطمئن الرأي العام بأن الدولة تأخذ الموضوع بجدية. وكأن الأمر يتعلق بإشاعة موسمية أو “ترند” عابر، لا بشبهات تمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في المغرب: العقار، والثروة، وعلاقة السلطة بالامتياز.
هذا الصمت ليس تفصيلاً بسيطاً. لأن الدول لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي تملكها، بل بقدرتها على إقناع الناس بأن القانون يُطبق على الجميع. وحين يغيب هذا الإحساس، تبدأ فكرة المساواة أمام العدالة في التآكل تدريجياً، ويتحول النفوذ في وعي الناس إلى سلطة أعلى من الدولة نفسها.
الأحزاب السياسية بدورها تبدو وكأنها اختارت الاختباء داخل منطقة الراحة. تلك الأحزاب التي ملأت الدنيا حديثاً عن الشفافية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، عادت لتسقط في صمت انتهازي مريب. لأنها تدرك في العمق أن معركة الفساد بالنسبة لكثير منها ليست معركة مبدئية، بل مجرد أداة ظرفية تُستعمل ضد الخصوم، ثم تُدفن فور اقتراب الشبهات من دوائر المصالح والتحالفات والنفوذ.
وهنا تظهر واحدة من أخطر التحولات التي يعيشها المجال السياسي المغربي: تحوّل الخطاب الأخلاقي إلى مجرد منتج انتخابي. كلمات كبيرة تُستهلك في الحملات والمنابر، ثم تختفي لحظة الامتحان الحقيقي. وكأن المطلوب من المواطن أن يصدق الشعارات، لا أن يراقب نتائجها على أرض الواقع.
أما الملاحظة الرابعة، وربما الأخطر، فهي أن الفساد لم يعد الصدمة الكبرى… بل أصبح الصمت عنه هو الصدمة الحقيقية. أن تتحول وثائق وتسريبات واتهامات ثقيلة إلى مجرد محتوى رقمي سريع الاستهلاك، يثير الجدل لساعات أو أيام ثم يختفي بلا أثر، فذلك يعني أن هناك اعتياداً جماعياً خطيراً يتشكل بهدوء. اعتياد يجعل الرأي العام يفقد تدريجياً ثقته في جدوى الكشف، وفي قدرة المؤسسات على التفاعل، وفي معنى العدالة نفسها.
عندما تصل أي دولة إلى مرحلة يصبح فيها الحديث عن الفساد بلا أثر، فالمشكلة لا تعود في وجود الفساد فقط، بل في انهيار القدرة المجتمعية والمؤسساتية على مقاومته. لأن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يُمارَس في الظل، بل ذلك الذي يُكشف علناً ثم يمر بلا حساب، وكأن النفوذ أصبح أقوى من القانون، وأقوى حتى من فكرة الدولة نفسها.
وفي النهاية، ربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم: هل توجد شبهات فساد أم لا؟ بل سؤال أكثر إزعاعاً وعمقاً: ماذا يحدث لدولة يصبح فيها كشف الفساد حدثاً عادياً… بينما يصبح تحريك العدالة أمراً استثنائياً؟