ذات صلة

أحدث المقالات

ترامب يشعل التوتر: 48 ساعة أمام إيران قبل “الجحيم”.. هل تندلع حرب شاملة في مضيق هرمز؟

دخلت الأزمة الأمريكية الإيرانية مرحلة بالغة الخطورة، بعد التصعيد...

تصريحات ترامب تُفجّر مفاجآت كبرى بشأن سيناريوهات نهاية الحرب

تشهد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تطورات متسارعة تعكس...

حين يتكلم دونالد ترامب… ترتبك الأسواق ويضيع العالم: خطاب بلا بوصلة يكشف مأزق القوة الأمريكية

في لحظةٍ بدا فيها العالم وكأنه يترقّب خطابًا فاصلاً لـدونالد ترامب، لم يكن الحدث في حدّ ذاته هو ما استوقف المراقبين، بل ذلك الفراغ الذي خلّفه الخطاب في الوعي السياسي العالمي. فبدل أن يأتي بوصفه إعلانًا للحسم أو حتى توضيحًا لمسار، تحوّل إلى مرآة تعكس ارتباكًا عميقًا داخل مركز القرار الأمريكي، وتكشف أن ما يُقدَّم كاستراتيجية ليس سوى إدارة للأزمة بمنطق اللحظة.

منذ الساعات التي سبقت الخطاب، كانت الأسواق المالية تتحرك وكأنها تترجم قلقًا غير معلن: ارتفاع في الأسهم، انخفاض نسبي في النفط، ثم انقلاب سريع بعد انتهاء الخطاب. هذا التذبذب لم يكن مجرد رد فعل اقتصادي، بل قراءة فورية لخطابٍ لم يحمل جديدًا بقدر ما عمّق الغموض. وهنا يتبدّى المعنى المضمَر: لم يعد خطاب القوة يُنتج طمأنينة، بل صار عامل اضطراب في ذاته.

في العمق، يكشف هذا المشهد عن تحوّل في طبيعة القرار السياسي داخل واشنطن. فالرئيس الذي يُفترض أن يقود حربًا برؤية واضحة، يبدو—وفق ما توحي به التصريحات المتناقضة—محاصرًا بسلسلة من “الرهانات الفاشلة”. الحديث عن تغيير النظام في إيران، ثم التراجع الضمني عنه، الإيحاء بوجود قنوات تواصل، ثم نفيها عمليًا، كل ذلك لا يعكس فقط ارتباك الخطاب، بل ارتباك الرؤية نفسها.

هذا الارتباك يتجاوز شخص دونالد ترامب ليطرح سؤالًا أعمق: هل ما نعيشه هو لحظة اختلال داخل منظومة القرار الأمريكي؟ فالمؤسسات التي لطالما قُدِّمت كضمانة للتوازن—من البنتاغون إلى مراكز التفكير—تبدو في هذا السياق إما مُهمَّشة أو عاجزة عن كبح اندفاع قرار سياسي يتغذى من منطق “الضربة السريعة” والربح السريع، كما حدث في تجارب سابقة مثل حرب العراق.

لكن الفارق اليوم أن السياق الدولي لم يعد كما كان. فصعود الصين، واستمرار التوتر مع روسيا، يجعل أي انخراط عسكري في الشرق الأوسط أقرب إلى مقامرة استراتيجية مفتوحة. وهنا، لا يعود السؤال: كيف ستنتهي الحرب؟ بل: هل تملك واشنطن أصلًا تصورًا لنهايتها؟

الخطاب الذي انتظره العالم كإعلان اتجاه، جاء ليؤكد عكس ذلك: أن الولايات المتحدة لم تعد تتحرك وفق “خطة كبرى”، بل وفق ردود أفعال متسارعة. التهديد بضرب منشآت الطاقة، على سبيل المثال، لا يُقرأ فقط كتصعيد عسكري، بل كإشارة إلى انسداد الخيارات، لأن مثل هذه الخطوة تعني عمليًا تعريض الخليج والعالم لهزة اقتصادية غير مسبوقة، في لحظة هشاشة أصلاً.

الأخطر في هذا السياق ليس فقط ما يُقال، بل ما لا يُقال. فالإعلام الغربي، رغم إشاراته إلى “تورط الحلفاء”، ما يزال مترددًا في تفكيك الدور الكامل لإسرائيل في دفع هذا المسار، وهو صمتٌ يعكس حدود النقد داخل المنظومة الإعلامية السائدة. وفي هذا الصمت، يتشكل جزء من الحقيقة الغائبة: أن القرار لم يعد أمريكيًا خالصًا، بل نتيجة تفاعل معقد بين أجندات متعددة.

أما على مستوى النتائج، فالمشهد يبدو أكثر قتامة. فالحرب التي قُدّمت كعملية “سريعة ونظيفة”، تتحول تدريجيًا إلى نموذج مكرر لأخطاء الماضي: تدمير ممكن، لكن دون قدرة على إعادة تشكيل الاستقرار. وهي معادلة خبرتها واشنطن من فيتنام إلى العراق، لكنها تعود لتقع فيها مجددًا، وكأن الذاكرة الاستراتيجية نفسها تعاني من خلل.

في النهاية، لا يمكن قراءة خطاب دونالد ترامب باعتباره حدثًا معزولًا، بل كعرضٍ لمرض أعمق يصيب بنية القوة الأمريكية: تضخم في القدرة العسكرية، يقابله تآكل في الرؤية السياسية. وبين الاثنين، يقف العالم على حافة قلق مفتوح، حيث لم يعد الخطر في الحرب نفسها، بل في غياب المعنى الذي يُفترض أن يبررها أو ينهيها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img