في كل ربيع، حين تتجه الأنظار إلى مهرجان كان السينمائي، لا يكون الحدث مجرد احتفال بالسينما، بل لحظة اختبار حقيقية لموازين القوة الرمزية داخل الصناعة العالمية. دورة 2026، الممتدة من 12 إلى 23 مايو، تكشف أكثر من مجرد قائمة أفلام؛ إنها تعكس تحوّلًا عميقًا في خريطة السرديات، حيث لم تعد السينما العربية تطرق أبواب الاعتراف، بل تدخل إلى قلب النقاش الجمالي والمهني بثقة محسوبة، وبصوت يتشكل ببطء لكنه يرسخ حضوره.
الأرقام، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد معطى تقني — أكثر من 2500 فيلم مرشح من 141 دولة — تخفي خلفها تحوّلًا نوعيًا في آليات الاختيار، كما أشار المندوب العام تييري فريمو، الذي وصف عملية الانتقاء بأنها “تحدٍ حقيقي”. لكن التحدي الأبرز لا يكمن في الكثرة، بل في إعادة تعريف ما يستحق أن يُروى. هنا تحديدًا، تتقدم السينما العربية، لا ككتلة جغرافية، بل كمختبر سردي يشتغل على الهامش: الهامش الاجتماعي، النفسي، وحتى الجمالي.
في قسم “نظرة ما”، الذي لطالما كان فضاءً للأصوات البديلة داخل مهرجان كان السينمائي، يبرز الفيلم اللبناني-الفلسطيني “البارحة العين ما نامت” للمخرج ركان مياسي كإشارة دالة على هذا التحول. الفيلم لا يراهن على الحدث بقدر ما يراهن على ما يتخفى خلفه: توتر داخلي، صمت ثقيل، وعلاقات مشدودة بخيوط غير مرئية. في هذا النوع من السينما، لا تُروى القصة بوضوح مباشر، بل تتسلل عبر التفاصيل، لتصنع أثرها في المسكوت عنه، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمصائر النساء داخل بنى اجتماعية مغلقة.
هذا التوجه ليس معزولًا، بل يجد صداه في المشاركة المغربية عبر فيلم “La Más Dulce” للمخرجة ليلى مراكشي، الذي يعكس دينامية جديدة داخل السينما المغربية، قائمة على الإنتاج المشترك والانفتاح على سرديات عابرة للحدود. حضور ممثلة مثل نسرين الراضي يكرّس هذا المسار، حيث لم تعد الوجوه المغربية مجرد تمثيل رمزي، بل جزء من مشروع فني يتقاطع فيه المحلي مع الكوني. الفيلم، في جوهره، لا يقدّم حكاية فقط، بل يقترح حساسية جديدة في التعامل مع العلاقات الإنسانية، حيث تصبح الهوية فضاءً للتفاعل لا للانغلاق.
وإذا كان الروائي يعكس هذا التحول في السرد، فإن الوثائقي العربي يذهب أبعد، نحو تفكيك الشكل نفسه. في قسم “نصف شهر المخرجين”، يقدّم سعيد حميش فيلمه “In Search of the Green Striped Bird”، كعمل يتجاوز حدود الوثائقي التقليدي، ليقترب من كتابة بصرية مفتوحة. هنا، لا تُبنى الحكاية بخط مستقيم، بل عبر شظايا من الصور والذاكرة، في تجربة تمنح المشاهد دورًا تأويليًا، وتعيد تعريف العلاقة بين الصورة والمعنى.
لكن ما يلفت في دورة 2026 ليس فقط حضور الأفلام، بل تحوّل الوجود العربي داخل مهرجان كان السينمائي إلى عنصر بنيوي في منظومة الصناعة. فالسجادة الحمراء لم تعد فضاءً للظهور العابر، بل امتدادًا لشبكة علاقات إنتاجية وثقافية، حيث تتحول اللقاءات الجانبية إلى مختبرات لعقد الشراكات، وتصبح الندوات منصات لطرح أسئلة تتجاوز الفيلم إلى شروط إنتاجه وتوزيعه.
في هذا السياق، تلعب مبادرات مثل مركز السينما العربية دورًا حاسمًا، ليس فقط في الترويج للأفلام، بل في إعادة تموقع السينما العربية داخل دوائر القرار السينمائي العالمي. لم يعد الأمر يتعلق بعرض فيلم في مهرجان، بل ببناء مسار متكامل: من التمويل إلى التوزيع، ومن النقد إلى الجمهور.
التحول الأعمق، ربما، يكمن في انتقال الخطاب السينمائي العربي من “البحث عن الاعتراف” إلى “إنتاج المعنى”. لم تعد السينما العربية تسعى فقط إلى أن تُرى، بل إلى أن تُفهم — وهذا فرق جوهري. إنها سينما تشتغل على التفاصيل، على التوترات غير المعلنة، وعلى الأسئلة التي لا تجد إجابات سهلة. بهذا المعنى، فإن حضورها في مهرجان كان السينمائي ليس حدثًا ظرفيًا، بل مؤشر على تحوّل طويل المدى، يعيد رسم موقعها داخل الخريطة العالمية.
في المحصلة، لا تقدّم دورة 2026 صورة صاخبة عن السينما العربية، بل صورة هادئة، متماسكة، تُبنى بالصبر والتراكم. إنها سينما تعرف أن قوتها لا تكمن في الضجيج، بل في قدرتها على سرد حكايات تبقى عالقة في الذاكرة، حتى بعد أن تنطفئ الأضواء وتُطوى السجادة الحمراء.