ذات صلة

أحدث المقالات

حين أصبح الغياب أقوى من الحضور: قمة نيروبي تكشف عزلة البوليساريو وتضع الجزائر أمام تحولات إفريقيا الجديدة

في قاعةٍ فخمة بنيروبي، حيث تُرفع أعلام الدول وتُعقد الصفقات وتُلتقط الصور الجماعية بابتسامات دبلوماسية محسوبة، كان الغياب أبلغ من الحضور. لم تكن جبهة البوليساريو موجودة في قمة فرنسا-إفريقيا، ولم يكن الأمر مجرد تفصيل بروتوكولي عابر داخل جدول المشاركين، بل تحوّل إلى إشارة سياسية كثيفة المعاني، أشبه برسالة صامتة تُقرأ بين السطور أكثر مما تُقال فوق المنصات. ففي عالم الدبلوماسية الحديثة، أحيانًا لا تُقاس التحولات بمن حضر، بل بمن لم يعد يُستدعى أصلًا.

قمة نيروبي، التي جمعت قادة ومسؤولين أفارقة ودوليين لمناقشة الشراكات الاقتصادية والتجارية بين فرنسا والقارة الإفريقية، جاءت في لحظة دولية شديدة الحساسية، حيث تتغير خرائط النفوذ، وتُعاد صياغة التحالفات وفق منطق المصالح والاستقرار أكثر من الشعارات التاريخية القديمة. وفي خضم هذا التحول، بدا غياب البوليساريو وكأنه انعكاس لتحول أعمق داخل إفريقيا نفسها؛ تحول لم يعد يمنح الأولوية للخطابات الإيديولوجية الجامدة، بل للأسئلة المرتبطة بالاستثمار، والأمن، والطاقة، وربط الموانئ، والممرات التجارية، والاستقرار الإقليمي.

المشهد لا يتعلق فقط بالموقف الفرنسي المعروف بدعمه لمبادرة الحكم الذاتي المغربية واعتبارها حلاً جديًا وواقعيًا، بل يكشف أيضًا تغيرًا تدريجيًا في المزاج السياسي الإفريقي. فكينيا، التي اختارت عدم توجيه الدعوة إلى الجبهة، لم تكن تتحرك فقط بمنطق المجاملة الدبلوماسية تجاه باريس أو الرباط، بل بمنطق قراءة التحولات الدولية الجديدة. الدول الإفريقية اليوم تعيش تحت ضغط اقتصادي هائل؛ ديون متراكمة، بطالة، منافسة دولية على الأسواق الإفريقية، وحاجة ملحة للاستثمارات والبنى التحتية. وفي ظل هذه المعادلات، بدأت العديد من العواصم الإفريقية تنظر إلى النزاعات المزمنة باعتبارها عبئًا على التنمية أكثر من كونها معارك مبدئية قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية.

لهذا لم يعد ملف الصحراء يُقرأ فقط داخل الأمم المتحدة أو ضمن أدبيات الحرب الباردة القديمة، بل أصبح يُقرأ أيضًا من زاوية “الكلفة السياسية والاقتصادية للاستمرار في النزاع”. إفريقيا الجديدة، التي تبحث عن التمويل والتكنولوجيا وربط الموانئ والقطارات والأسواق، تبدو أقل حماسًا للانخراط في صراعات استنزافية طويلة. ومن هنا تحديدًا تبرز دلالة قمة نيروبي؛ فهي لا تعكس فقط تراجع حضور البوليساريو، بل تعكس أيضًا صعود منطق براغماتي داخل القارة، يعتبر أن الواقعية السياسية أكثر فائدة من إعادة إنتاج الاصطفافات القديمة.

تصريحات السالك رحال، الناطق باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، لم تكن مجرد تعليق سياسي عابر، بل محاولة لتثبيت قراءة تقول إن المنتظم الدولي بات يميل نحو التعامل مع الملف من زاوية “الحل الممكن” بدل “الشعار التاريخي”. حديثه عن احترام الشرعية الدولية وكون فرنسا لا تعترف إلا بالكيانات المعترف بها أمميًا، يكشف كيف أصبحت المعركة اليوم قانونية ودبلوماسية أكثر من كونها خطابية. فالعالم المعاصر، الذي تُحكمه المؤسسات والاعترافات الدولية والشبكات الاقتصادية، لم يعد يتعامل بسهولة مع الكيانات غير المعترف بها أو مع المشاريع السياسية غير القابلة للتحقق على الأرض.

الأمر نفسه ينسحب على تصريحات سيدي السباعي، رئيس “شبيبة صحراويون من أجل السلام”، الذي ربط غياب البوليساريو بتحول أوسع داخل إفريقيا نحو “الواقعية السياسية”. فالكثير من الدول الإفريقية باتت تدرك أن أولويات شعوبها تغيرت. المواطن الإفريقي الذي يعاني من التضخم والبطالة والهجرة غير النظامية لا ينتظر بيانات أيديولوجية، بل ينتظر فرص شغل وكهرباء واستثمارات وممرات تنموية. لهذا أصبحت بعض العواصم الإفريقية ترى أن النزاعات الطويلة تُهدد فرص الاندماج الاقتصادي أكثر مما تخدم القضايا السياسية التي وُلدت في سياقات تاريخية مختلفة تمامًا عن واقع اليوم.

لكن في المقابل، يبدو النظام الجزائري أكثر تمسكًا بخيار الاستمرار في الدفاع عن حضور البوليساريو داخل المحافل القارية والدولية، مدعومًا أساسًا من جنوب إفريقيا وبعض الحلفاء التقليديين. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا تستمر الجزائر في هذا المسار؟ بل: ماذا يعني أن تجد الجزائر نفسها تدريجيًا في مواجهة مزاج إفريقي يتغير؟ هنا تتحول قمة نيروبي من مجرد حدث دبلوماسي إلى مرآة تكشف تحولات أعمق داخل القارة نفسها؛ تحولات تعيد ترتيب الأولويات بين منطق “النزاع” ومنطق “التنمية”.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن إفريقيا، التي كانت يومًا ساحة للصراعات الجيوسياسية والحروب بالوكالة، أصبحت اليوم تُدفع دفعًا نحو منطق الاقتصاد والاستقرار. العالم يتغير بسرعة، والدول التي لا تلتقط هذا التحول تجد نفسها معزولة داخل خطابات قديمة لا تُنتج نفوذًا ولا استثمارًا ولا شراكات.

في النهاية، لا تبدو الرسالة القادمة من نيروبي موجهة فقط إلى البوليساريو أو الجزائر، بل إلى إفريقيا كلها: هل تستطيع القارة أن تتحرر من إرث الصراعات الطويلة وتدخل فعلًا عصر البراغماتية السياسية والتنمية المشتركة؟ أم أن بعض الملفات ستظل أسيرة حسابات الماضي، حتى بينما يتحرك العالم بأكمله نحو خرائط جديدة لا تعترف إلا بمن يملك القدرة على الاندماج داخل المستقبل؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img