ذات صلة

أحدث المقالات

بين السمارة وقرار 2797… الصحراء المغربية تتحول من ملف نزاع إلى هندسة جديدة للتوازنات الدولية

في قاعة انتظارٍ بمطار دولي، كان مسافرٌ مغربي يتابع شاشة الأخبار الصغيرة المعلقة فوق رؤوس العابرين. بين إعلانٍ عن تأخر رحلة، وصورةٍ لصحراء مترامية الأطراف، ظهر اسم السمارة مجددًا. لم يكن الخبر مجرد حادث أمني عابر، بل بدا وكأنه تذكيرٌ بأن هذا النزاع الذي امتد لعقود لم يعد مجرد ملف دبلوماسي داخل أدراج الأمم المتحدة، بل تحول إلى مرآة تعكس شكل التوازنات الدولية الجديدة، وكيف تُدار مناطق النفوذ، وكيف تُبنى التحالفات، وكيف تتحول الجغرافيا أحيانًا إلى اختبارٍ طويل للصبر السياسي.

في حديث مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق الأوسط وإفريقيا، لم يكن التركيز فقط على وصف لقاءات أطراف نزاع الصحراء بأنها “خطوة إيجابية”، بل على الرسائل التي تحملها هذه اللغة السياسية الهادئة في توقيت إقليمي شديد الحساسية. فحين تتحدث واشنطن عن “شوط مهم” قطعه الملف، فهي لا تتحدث فقط عن قرار أممي أو لقاءات بروتوكولية، بل عن إعادة ترتيب تدريجية لموازين التأثير في شمال إفريقيا والساحل، حيث أصبحت ملفات الأمن والطاقة والهجرة والإرهاب مترابطة أكثر من أي وقت مضى.

قرار مجلس الأمن رقم 2797 لم يكن بالنسبة للقوى الكبرى مجرد وثيقة دبلوماسية جديدة، بل محاولة لإعادة تحريك ملف ظل لسنوات يدور داخل حلقة الجمود. الجديد في القرار ليس فقط تجديد ولاية بعثة “المينورسو”، بل الإصرار المتكرر على الموائد المستديرة التي تجمع المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. هذا الإصرار يعكس قناعة دولية بأن النزاع لم يعد قابلاً للإدارة عبر بيانات متبادلة أو مواجهات إعلامية، بل عبر مقاربة تحاول جرّ الجميع إلى طاولة واحدة، حتى وإن ظل الخلاف عميقًا.

لكن خلف هذه اللغة السياسية الناعمة، توجد طبقات أكثر تعقيدًا. فالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، لم يكتف بالدفاع التقليدي عن موقفه، بل بنى استراتيجية متعددة الأبعاد: دبلوماسية، اقتصادية، أمنية، وعسكرية. افتتاح عشرات القنصليات في مدن الصحراء، تصاعد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، توسع الاستثمارات في الأقاليم الجنوبية، ثم التحول إلى منصة إقليمية للتعاون الأمني والعسكري مع الغرب، كلها عناصر جعلت الرباط تتحرك من موقع “الدفاع” إلى موقع “إعادة تشكيل المشهد”.

حين يشيد بولس بمناورات “الأسد الإفريقي 2026”، فهو لا يتحدث فقط عن تدريبات عسكرية روتينية. هذه المناورات أصبحت بمثابة إعلان سنوي عن خريطة التحالفات الجديدة في إفريقيا. فالمغرب لم يعد بالنسبة لواشنطن مجرد حليف تقليدي، بل تحول إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تربط إفريقيا بالمتوسط والأطلسي والساحل. وفي عالم يعيش على إيقاع الحروب المفتوحة والتنافس على الممرات البحرية والنفوذ العسكري، تصبح الجغرافيا المغربية أكثر قيمة من أي وقت مضى.

وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على خيط التوازن مع الجزائر. لهذا لم يكن لافتًا فقط حديث بولس عن “العلاقات المهمة والاستراتيجية” مع الجزائر، بل طبيعة المجالات التي ركز عليها: مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني في الساحل. هنا يظهر الوجه الآخر للنزاع؛ فواشنطن تدرك أن المنطقة لم تعد تتحمل انفجارًا إضافيًا، خصوصًا في ظل تمدد الجماعات المسلحة، والانهيارات السياسية في الساحل، والتنافس الدولي المتزايد على إفريقيا بين أمريكا وروسيا والصين وقوى إقليمية أخرى.

أما الهجوم الذي استهدف السمارة، والذي وصفه بولس بـ”المؤسف”، فقد كشف هشاشة التوازن القائم. فالمدينة التي تقع بعيدًا عن خطوط الحرب التقليدية تحولت فجأة إلى عنوان دولي، ليس فقط بسبب القذائف، بل بسبب ما حمله الحدث من رسائل. في النزاعات الطويلة، لا تكون الضربات العسكرية مجرد عمليات ميدانية، بل رسائل سياسية ونفسية أيضًا. ولهذا جاء الموقف الأمريكي سريعًا وحادًا في الإدانة، لأن أي تصعيد ميداني اليوم يمكن أن يهدد المسار الذي تحاول القوى الدولية تثبيته بصعوبة.

اللافت أيضًا أن بولس تحدث عن “إجماع دولي أوروبي وعربي وإفريقي” ضد أي عمل يقوض التهدئة. هذه العبارة تكشف تغيرًا مهمًا في المزاج الدولي. فقبل سنوات، كانت قضية الصحراء تُقرأ غالبًا داخل إطار أممي ضيق، أما اليوم فأصبحت مرتبطة بمفاهيم الاستقرار الإقليمي، وتأمين الساحل، ومحاربة الإرهاب، وضمان أمن الاستثمارات وخطوط التجارة والطاقة. بمعنى آخر، لم يعد الملف يُنظر إليه فقط كقضية حدود أو تقرير مصير، بل كعنصر ضمن معادلة أمنية وجيوسياسية أوسع.

وفي خلفية كل ذلك، يبرز عامل آخر أكثر هدوءًا لكنه شديد التأثير: الاقتصاد. فالدول الكبرى لا تنظر فقط إلى الخرائط السياسية، بل إلى خرائط المعادن والطاقة والموانئ والممرات التجارية. ومع المشاريع المغربية الكبرى في الأطلسي والربط الإفريقي، ومع تنامي الحضور الاقتصادي المغربي في غرب إفريقيا، باتت الصحراء بالنسبة لكثير من العواصم جزءًا من رؤية اقتصادية مستقبلية تتجاوز البعد الرمزي للنزاع.

لكن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بمن يربح دبلوماسيًا، أو بمن يمتلك دعمًا أكبر داخل مجلس الأمن، بل بما إذا كان هذا النزاع الطويل قد تحول إلى نموذج جديد لفهم العالم نفسه. عالمٌ لم تعد فيه الحروب تُحسم بالكامل، ولا السلامات تُنجز بالكامل، بل تُدار الملفات داخله بمنطق “التحكم في التوتر” بدل إنهائه نهائيًا. وربما لهذا تبدو الصحراء اليوم أكثر من مجرد قضية إقليمية؛ إنها مختبرٌ مفتوح لفهم كيف تتحرك القوى الكبرى، وكيف تُصنع التحالفات، وكيف يمكن لمدينة مثل السمارة أن تتحول، في لحظة واحدة، من نقطة على الخريطة إلى رسالة سياسية يسمع صداها العالم كله.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img