ذات صلة

أحدث المقالات

السيادة أولًا.. كيف تبرر فرنسا معارضتها لاستمرار السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ لبنانية؟

السياسة الفرنسية تجاه لبنان.. بين الإرث التاريخي ومفهوم السيادة...

لغز البقاء السياسي لـ رجل الأمن والخوف نتنياهو.. كيف نجح في الهيمنة على إسرائيل لأكثر من 17 عامًا رغم الأزمات والحروب والمحاكمات؟

عندما عاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 2009، توقع كثير من المراقبين أن تكون ولايته مجرد محطة جديدة في الحياة السياسية الإسرائيلية المتقلبة. لكن بعد أكثر من عقد ونصف العقد، أصبح نتنياهو صاحب أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل الحديث، متجاوزًا مؤسس الدولة دافيد بن غوريون نفسه.

ويرى عدد من الباحثين في مراكز الدراسات الغربية أن استمرار نتنياهو في السلطة لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتاج تفاعل معقد بين التحولات الاجتماعية داخل إسرائيل، والتغيرات الإقليمية، وقدرته الشخصية على إدارة التحالفات السياسية، فضلًا عن إعادة تشكيل الخطاب السياسي الإسرائيلي حول قضايا الأمن والهوية.

الأمن أولًا.. السلاح السياسي الأكثر فعالية

يعتبر العديد من الباحثين أن العامل الأهم في نجاح نتنياهو يتمثل في قدرته على تقديم نفسه باعتباره “رجل الأمن” القادر على إدارة التهديدات التي تواجه إسرائيل.

ويشير الباحث الأمريكي مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن، إلى أن نتنياهو نجح في إقناع قطاع واسع من الإسرائيليين بأن البيئة الإقليمية المضطربة تتطلب قيادة تمتلك خبرة طويلة في ملفات الأمن والدبلوماسية.

كما يرى الباحث الأمريكي والتر راسل ميد أن نتنياهو استفاد من المخاوف المرتبطة بإيران والصراعات الإقليمية وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة في المنطقة، ليعزز صورته باعتباره الضامن الأساسي للأمن القومي الإسرائيلي.

في المقابل، يرى منتقدوه أن هذه الاستراتيجية ساهمت في تكريس “سياسة الخوف”، حيث أصبحت المخاطر الأمنية عنصرًا دائمًا في الحملات الانتخابية الإسرائيلية.

تفكك المعارضة أكثر من قوة نتنياهو

يرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن سر استمرار نتنياهو لا يكمن فقط في قوته السياسية، بل أيضًا في ضعف خصومه.

ويشير الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنياع إلى أن المعارضة الإسرائيلية عانت خلال معظم السنوات الماضية من الانقسامات الشخصية والأيديولوجية، وفشلت في إنتاج قيادة تمتلك الكاريزما والخبرة والقدرة التنظيمية التي يتمتع بها نتنياهو.

كما أظهرت التجربة السياسية بين عامي 2019 و2022 أن الأحزاب المناهضة لنتنياهو كانت قادرة على الاتحاد مؤقتًا لإبعاده عن السلطة، لكنها واجهت صعوبات كبيرة في الحفاظ على تماسكها بسبب التناقضات الداخلية.

التحولات الديموغرافية وصعود اليمين

يربط باحثون في معهد الديمقراطية الإسرائيلي ومراكز أبحاث أوروبية استمرار نتنياهو بتحولات عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي.

فخلال العقدين الماضيين ارتفع الوزن السياسي للتيارات القومية والدينية والمحافظة، وهي فئات تميل بصورة عامة إلى دعم الأحزاب اليمينية.

ويشير عالم الاجتماع الإسرائيلي أوري رام إلى أن إسرائيل شهدت انتقالًا تدريجيًا من مركز سياسي كان يميل إلى التوازن بين اليمين واليسار إلى مشهد يهيمن عليه اليمين القومي والمحافظ.

وقد نجح نتنياهو في استثمار هذه التحولات عبر بناء تحالفات مستقرة نسبيًا مع الأحزاب الدينية والقومية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من أي ائتلاف حكومي يقوده.

مهارة استثنائية في بناء التحالفات

يصف العديد من الباحثين نتنياهو بأنه أحد أكثر السياسيين مهارة في إدارة الائتلافات داخل النظام البرلماني الإسرائيلي.

ويرى الباحث الإسرائيلي دانييل إلعازار أن نتنياهو يمتلك قدرة غير عادية على التفاوض مع الأحزاب الصغيرة والمتوسطة، وتقديم تنازلات محسوبة تضمن بقاء الائتلاف الحكومي قائمًا لأطول فترة ممكنة.

كما يشير عدد من المحللين إلى أن خبرته الطويلة منحته فهمًا عميقًا لموازين القوى داخل الكنيست، وهو ما سمح له بتجاوز أزمات سياسية كانت كفيلة بإسقاط حكومات أخرى.

العلاقات الدولية كأداة لتعزيز الشرعية الداخلية

لعبت السياسة الخارجية دورًا مهمًا في تعزيز مكانة نتنياهو.

فقد أشادت مراكز أبحاث أمريكية مثل مؤسسة بروكينغز ومجلس العلاقات الخارجية بقدرته على بناء علاقات وثيقة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، إضافة إلى توسيع العلاقات مع قوى دولية وإقليمية مختلفة.

كما اعتبر مؤيدوه أن اتفاقات التطبيع العربية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة مثلت إنجازًا سياسيًا عزز صورته لدى قطاعات واسعة من الناخبين الإسرائيليين.

أما منتقدوه فيرون أن هذه النجاحات الخارجية لم تنعكس بالضرورة على حل المشكلات الداخلية أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

المحاكمات والأزمات لم تضعف قاعدته الانتخابية

أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في تجربة نتنياهو يتمثل في قدرته على الحفاظ على قاعدة انتخابية واسعة رغم اتهامات الفساد والمحاكمات السياسية التي واجهها.

ويرى الكاتب الأمريكي توماس فريدمان أن جزءًا من قوة نتنياهو يعود إلى نجاحه في إقناع مؤيديه بأن النخب السياسية والقضائية والإعلامية تستهدفه لأسباب سياسية.

في المقابل، يرى باحثون إسرائيليون أن هذا الخطاب ساهم في تعميق الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي، لكنه في الوقت نفسه عزز ولاء قاعدته الانتخابية.

هل يرتبط بقاؤه بشخصه أم بتحول أعمق في إسرائيل؟

يعتقد العديد من الباحثين أن ظاهرة نتنياهو تعكس تحولات أعمق من مجرد نجاح سياسي فردي.

فالمؤرخ الإسرائيلي بيني موريس يرى أن استمرار نتنياهو يعكس تغيرًا طويل المدى في أولويات الناخب الإسرائيلي الذي أصبح يمنح قضايا الأمن والهوية القومية وزنًا أكبر من القضايا الاقتصادية أو الاجتماعية.

أما الباحث الأمريكي إيان بريمر فيعتبر أن نتنياهو يمثل نموذجًا عالميًا لزعماء نجحوا في الاستفادة من موجات الشعبوية والاستقطاب السياسي التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين.

بعد 17 عامًا في السلطة

بعد أكثر من 17 عامًا في السلطة، لا يزال بنيامين نتنياهو يمثل إحدى أكثر الظواهر السياسية إثارة للجدل في العالم الديمقراطي. فبالنسبة لمؤيديه، يعود بقاؤه إلى خبرته الأمنية وقدرته على حماية المصالح الإسرائيلية وإدارة التحالفات المعقدة. أما منتقدوه فيرون أن استمرار حكمه يعكس حالة استقطاب سياسي عميقة وضعف البدائل المنافسة.

لكن معظم الباحثين يتفقون على نقطة واحدة: إن بقاء نتنياهو كل هذه السنوات لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتاج تفاعل بين شخصيته السياسية، والتحولات الديموغرافية، وتغير أولويات المجتمع الإسرائيلي، وطبيعة النظام السياسي الذي أتاح له إعادة إنتاج تحالفاته مرة بعد أخرى في مواجهة خصوم لم يتمكنوا حتى الآن من بناء بديل مستقر ومستدام.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img