أثار تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية في مايو 2026 جدلًا واسعًا بعد أن تناول أوضاع السودانيين الفارين من الحرب إلى مصر، متضمنًا اتهامات تتعلق بظروف المعيشة والتمييز والعقبات التي يواجهها بعض الوافدين السودانيين. إلا أن القاهرة سارعت إلى الرد عبر الهيئة العامة للاستعلامات، التي اعتبرت أن التقرير تضمن معلومات غير دقيقة وأغفل حقائق أساسية تتعلق بحجم الجهود المصرية المبذولة لاستضافة السودانيين منذ اندلاع الأزمة في السودان.
وأكدت الهيئة العامة للاستعلامات أن التقرير اعتمد على حالات فردية وشهادات محدودة دون تقديم صورة شاملة عن الواقع، كما تجاهل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الضخمة التي تحملتها الدولة المصرية في ظل استقبالها أعدادًا كبيرة من السودانيين خلال السنوات الأخيرة.
القاهرة: السودان ليس ملف لجوء بل علاقة شعبين
وفقًا للرؤية المصرية الرسمية، فإن التعامل مع السودانيين في مصر يختلف عن النماذج التقليدية للتعامل مع اللاجئين في العديد من دول العالم. وتؤكد السلطات المصرية باستمرار أن العلاقات التاريخية بين الشعبين المصري والسوداني جعلت القاهرة تتبنى سياسة تقوم على استقبال الأشقاء السودانيين وإتاحة الخدمات الأساسية لهم دون إنشاء مخيمات مغلقة أو عزلهم عن المجتمع.
وتشير بيانات رسمية مصرية إلى أن السودانيين المقيمين على الأراضي المصرية يتمتعون بإمكانية الاستفادة من قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة، كما يتمتعون بحرية الحركة والإقامة في مختلف المحافظات المصرية، وهي سياسة تختلف عن النماذج المتبعة في عدد من مناطق اللجوء حول العالم.
أرقام الاستضافة.. الحجة الرئيسية في الرد المصري
ركزت الهيئة العامة للاستعلامات في ردها على ما وصفته بـ”الحقائق الرقمية” التي تجاهلها تقرير الجارديان. فوفق البيانات الرسمية المصرية، استقبلت مصر منذ اندلاع الحرب في السودان مئات الآلاف من السودانيين الذين عبروا الحدود المصرية هربًا من النزاع الدائر في بلادهم.
وتؤكد القاهرة أن الخدمات المقدمة لهؤلاء الوافدين لم تقتصر على الإيواء أو تسهيل الدخول، بل شملت إتاحة التعليم الحكومي والرعاية الصحية والخدمات المجتمعية المختلفة، رغم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الدولة المصرية نفسها نتيجة تداعيات الأزمات العالمية والإقليمية.
ويرى مسؤولون مصريون أن أي تقييم موضوعي للسياسة المصرية يجب أن يأخذ في الاعتبار حجم الاستضافة مقارنة بالإمكانات الاقتصادية المتاحة، وليس التركيز فقط على التحديات الفردية أو المشكلات التي قد تواجه بعض الوافدين.
رفض الاتهامات المتعلقة بالتمييز والعنصرية
من أبرز النقاط التي تناولها الرد المصري رفض الاتهامات الواردة في تقرير الجارديان بشأن وجود سياسات ممنهجة للتمييز ضد السودانيين.
وتؤكد القاهرة أن المجتمع المصري استوعب عبر عقود طويلة ملايين الوافدين من دول عربية وأفريقية مختلفة دون تمييز مؤسسي، وأن أي حوادث فردية لا يمكن اعتبارها دليلًا على وجود سياسة رسمية أو توجه عام للدولة المصرية.
كما تشير الجهات الرسمية إلى أن القانون المصري لا يتضمن نصوصًا تميز بين المواطنين والوافدين على أساس العرق أو اللون أو الجنسية، وأن السلطات تتعامل مع أي تجاوزات فردية وفقًا للقانون.
تنظيم الإقامة وليس التضييق على الوافدين
تناول الرد المصري أيضًا الانتقادات المتعلقة بإجراءات الإقامة والتسجيل، موضحًا أن ما تقوم به الدولة يندرج ضمن عملية تنظيم أوضاع المقيمين الأجانب على الأراضي المصرية، وهي إجراءات تطبقها معظم دول العالم.
وتؤكد الحكومة المصرية أن تحديث بيانات الأجانب وإصدار بطاقات إقامة ذكية يهدف إلى تحسين الخدمات المقدمة وتنظيم أوضاع الإقامة وضمان حصول المقيمين على الخدمات بصورة أكثر كفاءة، وليس استهداف أي جنسية بعينها.
وترى القاهرة أن بعض التقارير الدولية تخلط بين إجراءات تنظيم الإقامة المشروعة وبين مزاعم التضييق على اللاجئين والمهاجرين، وهو ما تعتبره قراءة غير دقيقة للواقع القانوني والإداري.
الدور المصري في دعم استقرار السودان
تربط القاهرة بين استضافتها للسودانيين وجهودها السياسية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الأزمة السودانية. فقد أكدت تصريحات رسمية مصرية متكررة أن استقرار السودان يمثل جزءًا من الأمن القومي المصري، وأن القاهرة تعمل على دعم الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها.
وتشير تقارير رسمية مصرية إلى أن الجهود الإنسانية المصرية لا تقتصر على استقبال الوافدين داخل الأراضي المصرية، بل تمتد إلى تقديم المساعدات الإنسانية والطبية والإغاثية للسودانيين المتضررين من الحرب.
صورة غير مكتملة عن الواقع
من وجهة النظر المصرية، فإن تقرير الجارديان قدم صورة غير مكتملة عن واقع السودانيين في مصر، لأنه ركز على بعض الشهادات السلبية وأغفل حجم الخدمات والتسهيلات التي قدمتها الدولة المصرية منذ اندلاع الأزمة السودانية. وتؤكد القاهرة أن استضافتها لمئات الآلاف من السودانيين تمت في ظروف اقتصادية وإقليمية معقدة، وأن تقييم التجربة المصرية ينبغي أن يتم في ضوء الأرقام الرسمية والجهود الإنسانية والدبلوماسية التي بذلتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية.
وبينما تستمر النقاشات الدولية حول أوضاع اللاجئين والنازحين في المنطقة، تصر مصر على أن مقاربتها للملف السوداني تستند إلى اعتبارات إنسانية وتاريخية وقومية، وأن العلاقة بين الشعبين المصري والسوداني تتجاوز التعريفات التقليدية لملفات اللجوء والهجرة.



