ذات صلة

أحدث المقالات

كيف قرأت الصحافة الإسرائيلية التفاهم الأمريكي–الإيراني؟

لم تستقبل إسرائيل الإعلان عن التفاهم الأمريكي–الإيراني في يونيو...

إعادة توزيع الأدوار.. الشرق الأوسط يقرأ الرسالة الأمريكية من جديد

منذ نهاية الحرب الباردة، أصبح الوجود العسكري الأمريكي أحد...

كيف قرأت الصحافة الإسرائيلية التفاهم الأمريكي–الإيراني؟

لم تستقبل إسرائيل الإعلان عن التفاهم الأمريكي–الإيراني في يونيو 2026 باعتباره مجرد تطور دبلوماسي عابر، بل تعاملت معه باعتباره حدثًا قد يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط ويختبر طبيعة العلاقة الخاصة التي ربطت تل أبيب بواشنطن لعقود. وبينما تجنب كبار المسؤولين الإسرائيليين توجيه انتقادات مباشرة للإدارة الأمريكية في الأيام الأولى، كشفت الصحافة الإسرائيلية عن حالة واسعة من القلق السياسي والاستراتيجي، انعكست في افتتاحيات الصحف وتحليلات الكتاب وتقارير مراكز الأبحاث.

فقد رأت تقارير صحفية إسرائيلية أن الاتفاق لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي الإيراني، بل يمثل تحولًا في أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة، حيث باتت واشنطن تمنح أولوية لخفض التصعيد وتأمين الملاحة في الخليج بدلًا من استمرار المواجهة المفتوحة مع طهران. كما نقلت تحليلات دولية عن أجواء داخل إسرائيل اتسمت بالغضب من التفاهم، مع تحميل جانب من المسؤولية للحكومة الإسرائيلية بسبب محدودية تأثيرها في مسار المفاوضات.

هاجس الابتعاد الأمريكي

من أبرز القضايا التي تناولها المعلقون الإسرائيليون احتمال اتساع الفجوة بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية تجاه إيران. واعتبرت تحليلات تداولتها الصحافة الغربية، استنادًا إلى مواقف إسرائيلية، أن الاتفاق كشف لأول مرة منذ سنوات عن تباين واضح في الأولويات بين إدارة الرئيس الأمريكي والحكومة الإسرائيلية، بعدما فضلت واشنطن احتواء الأزمة عبر التفاوض، في حين واصلت إسرائيل التأكيد أن منع إيران من تطوير قدراتها الاستراتيجية يظل هدفًا ثابتًا بغض النظر عن أي تفاهمات سياسية.

وفي السياق نفسه، تحدثت تقارير عن قلق داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلية من أن يتحول الاتفاق إلى بداية مسار أمريكي أوسع لتقليص الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط، الأمر الذي قد يفرض على إسرائيل تحمل أعباء أمنية أكبر مستقبلاً.

مراكز الدراسات الإسرائيلية: الهدوء لا يعني انتهاء التهديد

في موازاة التغطية الإعلامية، ركزت تقديرات مراكز الدراسات الإسرائيلية على أن أي تفاهم مع إيران ينبغي تقييمه وفق نتائجه العملية لا وفق نصوصه السياسية. وانطلقت هذه التحليلات من فرضية أن الاتفاق قد يخفف احتمالات المواجهة المباشرة على المدى القصير، لكنه لا ينهي التحديات الأمنية التي تراها إسرائيل مرتبطة بإيران وشبكة حلفائها الإقليميين.

كما ركزت دراسات إسرائيلية على ضرورة استمرار التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على ما تصفه إسرائيل بحرية العمل العسكري إذا رأت أن مصالحها الأمنية مهددة، وهو ما يعكس استمرار الحذر داخل المؤسسة الأمنية رغم المسار الدبلوماسي الجاري.

نتنياهو بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج

احتلت شخصية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مساحة واسعة في التغطية الإعلامية. فقد رأت تحليلات أن التفاهم الأمريكي–الإيراني وضعه أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة لا يستطيع الدخول في مواجهة سياسية مفتوحة مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطًا داخلية تطالبه بعدم تقديم أي تنازل في الملف الإيراني.

وأشارت تقارير إلى أن نتنياهو حاول التأكيد في تصريحاته أن إسرائيل ستواصل العمل لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية “سواء وُجد اتفاق أم لم يوجد”، مع التشديد على استمرار السياسات الأمنية الإسرائيلية في الجبهات المختلفة.

الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة

رغم اختلاف توجهات الصحف الإسرائيلية، برزت قناعة مشتركة لدى عدد من المحللين بأن المنطقة تدخل مرحلة انتقالية قد تشهد إعادة توزيع للأدوار الإقليمية. وذهب بعض الكتاب إلى أن واشنطن أصبحت أكثر اهتمامًا بإدارة الأزمات عبر التفاهمات السياسية، بينما قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم أدواتها الدبلوماسية والعسكرية للحفاظ على نفوذها الاستراتيجي.

وفي المقابل، حذر محللون من المبالغة في تفسير الاتفاق باعتباره نهاية للصراع، معتبرين أنه يمثل إطارًا أوليًا لا يزال معرضًا لاختبارات عديدة، خصوصًا في الملفات المرتبطة بلبنان وسوريا وأمن الخليج والملاحة في مضيق هرمز.

سؤال يتجاوز تفاصيل الاتفاق

تكشف القراءة العامة للتغطية الإسرائيلية أن التفاهم الأمريكي–الإيراني لم يُنظر إليه باعتباره مجرد اتفاق ثنائي، بل باعتباره مؤشرًا على تحولات أوسع في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. وبينما تباينت التقديرات حول فرص نجاحه، فإن القاسم المشترك في معظم التحليلات الإسرائيلية كان القلق من أن تجد إسرائيل نفسها أمام بيئة استراتيجية جديدة تتطلب إعادة صياغة علاقتها مع واشنطن وإعادة تقييم أدواتها في التعامل مع إيران وتوازنات المنطقة. وفي هذا الإطار، بدا أن النقاش داخل إسرائيل انصب على سؤال يتجاوز تفاصيل الاتفاق نفسه: كيف تحافظ تل أبيب على مكانتها في شرق أوسط قد تعيد الدبلوماسية رسم بعض معادلاته؟

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img