ذات صلة

أحدث المقالات

غزة تمشي فوق الرماد – من يحكم القطاع عندما تتعب الحرب من نفسها؟

غزة.. مدينة تبحث عن السياسة بين أنقاض الحرب في الشرق...

الأمم المتحدة تعرب عن تقديرها لجهود مصر الإنسانية في استقبال اللاجئين والنازحين

كشفت إيلينا بانوفا، منسقة الأمم المتحدة المقيمة بمصر، عن...

لبنان يوقّع على حافة الذاكرة.. هل أنهى اتفاق واشنطن حرب الحدود أم فتح فصلًا جديدًا من تاريخها؟

حين تُوقَّع الاتفاقات في الشرق الأوسط، لا يكون السؤال الأول: ماذا كُتب على الورق؟ بل: ماذا بقي خارجها؟ فالمنطقة تعلمت، عبر عقود طويلة، أن النصوص الدبلوماسية لا تعيش مستقلة عن موازين القوى، وأن الخرائط العسكرية كثيرًا ما تُعيد تفسير البنود القانونية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الاتفاق الإطاري الذي وقعته إسرائيل ولبنان في واشنطن برعاية أمريكية في السادس والعشرين من يونيو 2026، بوصفه أكثر من مجرد وثيقة لتنظيم وقف الأعمال العدائية، وأقل من معاهدة سلام كاملة. فقد وصفه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأنه “الخطوة الأولى”، وهي عبارة تبدو بسيطة، لكنها تكشف أن الطريق ما زال طويلًا وأن الاتفاق ذاته يدرك حدود قدرته على تغيير الواقع.

ليست أهمية الاتفاق في بنوده وحدها، وإنما في توقيته. فقد جاء بعد أشهر من المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وحزب الله، وفي لحظة إقليمية تشهد إعادة رسم موازين القوى بالتوازي مع التفاهمات الأمريكية الإيرانية. ولهذا ترى مراكز بحث غربية، من بينها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)ومجلس العلاقات الخارجية (CFR)، أن الاتفاق يمثل محاولة أمريكية لربط المسارات الأمنية في المشرق ضمن رؤية أوسع لخفض بؤر الاشتعال، وليس مجرد معالجة ملف الحدود اللبنانية الإسرائيلية بمعزل عن بقية أزمات المنطقة.

وإذا قرأنا النصوص التي كُشف عنها رسميًا، نجد أن الاتفاق يقوم على معادلة واضحة: تعزيز سيادة الدولة اللبنانية تدريجيًا عبر بسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الجنوب، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي مرتبط بالتحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، مع إنشاء آلية تنسيق عسكرية ثلاثية برعاية الولايات المتحدة لمتابعة التنفيذ. هذه الصيغة تعكس محاولة أمريكية لتحويل الأمن من معادلة مواجهة مباشرة إلى منظومة ترتبط بمراحل تنفيذية وشروط متبادلة. لكنها في الوقت نفسه تجعل نجاح الاتفاق مرهونًا بملفات هي الأكثر تعقيدًا في لبنان، وفي مقدمتها مستقبل سلاح حزب الله.

وهنا تبدأ العقدة الحقيقية. فالاتفاق يتحدث عن سيادة الدولة اللبنانية، بينما يرى حزب الله أن سلاحه جزء من معادلة الردع ضد إسرائيل، وليس ملفًا داخليًا قابلًا للتفاوض. ولذلك جاء رفض الحزب سريعًا، واعتبر الاتفاق تجاوزًا لثوابت “المقاومة”، بينما شهدت بيروت احتجاجات مناصرة له، الأمر الذي يؤكد أن الوثيقة الموقعة في واشنطن لا تزال بعيدة عن تحقيق إجماع لبناني. وترى تحليلات أمريكية وإسرائيلية أن هذا الرفض ليس تفصيلًا سياسيًا، بل هو العامل الذي سيحدد مصير الاتفاق خلال الأشهر المقبلة، لأن أي تفاهم لا يحظى بحد أدنى من القبول الداخلي سيواجه صعوبة كبيرة في التطبيق.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الاتفاق باعتباره إنجازًا استراتيجيًا أكثر منه تسوية حدودية. فقد أكدت التصريحات الإسرائيلية أن الهدف النهائي هو ضمان عدم عودة التهديد العسكري من الجنوب اللبناني، وأن الانسحاب الكامل سيظل مرتبطًا بمدى تنفيذ الالتزامات المتعلقة بنزع السلاح. وتذهب دراسات إسرائيلية إلى أن تل أبيب تسعى إلى استثمار نتائج الحرب الأخيرة في تحويل الإنجازات العسكرية إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد، بما يحد من قدرة حزب الله على إعادة بناء بنيته العسكرية في الجنوب. غير أن هذه الرؤية تصطدم بحقيقة أن التجارب السابقة أثبتت أن السيطرة الأمنية لا تتحول تلقائيًا إلى استقرار سياسي.

وتبدو الولايات المتحدة، من جهتها، وكأنها تحاول إعادة تعريف دورها في الإقليم. فبدلًا من إدارة الأزمات يومًا بيوم، تسعى إدارة الرئيس الأمريكي إلى إنتاج أطر سياسية تُخفف من الحاجة إلى التدخل العسكري المباشر. ولهذا ربطت واشنطن الاتفاق اللبناني الإسرائيلي بمسار أوسع يشمل ترتيبات الأمن الإقليمي، وإعادة تنظيم العلاقة مع إيران، وتقليص فرص اندلاع مواجهات متزامنة على أكثر من جبهة. وترى مراكز بحث أمريكية أن واشنطن تعتبر نجاح هذا الاتفاق اختبارًا لقدرتها على بناء نظام إقليمي جديد يعتمد على التفاهمات المرحلية بدلًا من الحروب المفتوحة.

أما إيران، فهي الطرف الغائب على طاولة التوقيع، الحاضر في كل سطر من سطور الاتفاق. فالوثيقة لم تذكر طهران بالاسم إلا قليلًا، لكن جوهرها يرتبط بإعادة رسم حدود النفوذ الإيراني في لبنان. ولهذا اعتبرت صحف إسرائيلية وغربية أن الاتفاق يمثل محاولة لتقليص الدور الذي يمارسه حزب الله باعتباره أحد أهم أذرع إيران الإقليمية. وفي المقابل، ترى مراكز دراسات عربية أن أي تصور لإخراج إيران من المعادلة اللبنانية بصورة كاملة يفتقر إلى الواقعية، لأن النفوذ الإيراني في لبنان لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح جزءًا من التوازنات السياسية والاجتماعية التي تشكلت خلال عقود.

ومن هنا يمكن فهم الحذر اللبناني الرسمي. فقد أكد المسؤولون اللبنانيون أن الاتفاق يهدف في النهاية إلى استعادة السيادة الكاملة وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، مع التمسك بمرجعيات الأمم المتحدة والقرارات الدولية، وهو خطاب يعكس محاولة الجمع بين ضرورات التهدئة وعدم الظهور بمظهر المتنازل عن الثوابت الوطنية.

لكن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات لا تُختبر يوم توقيعها، بل يوم تنفيذها. ولم تمض سوى ساعات على إعلان الاتفاق حتى شهد الجنوب اللبناني غارات إسرائيلية جديدة، في مؤشر واضح إلى أن الوقائع الميدانية ما زالت تسبق الوعود السياسية، وأن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة توقف الاشتباك الاستراتيجي بين الطرفين. وقد اعتبرت تقارير إعلامية دولية أن هذه التطورات تكشف هشاشة المرحلة الانتقالية، وأن أي حادث أمني قد يعيد المنطقة إلى مربع التصعيد إذا غابت آليات التنفيذ الفعالة.

وبالمجمل، قد يكون الاتفاق الإطاري محطة مهمة في تاريخ العلاقات اللبنانية الإسرائيلية، لكنه ليس نهاية الصراع. إنه محاولة لإدارة التوازنات أكثر من كونه حلًا جذريًا لها. فالشرق الأوسط لا يتغير بوثيقة واحدة، ولا تُعاد صياغة خرائط النفوذ بتوقيع واحد. وما حدث في واشنطن قد يكون بداية مسار جديد إذا نجح في بناء الثقة بين الأطراف، لكنه قد يتحول أيضًا إلى محطة عابرة إذا بقيت البنادق أسرع من الدبلوماسية. وبين الاحتمالين، يقف لبنان مرة أخرى في قلب معادلة الشرق الأوسط؛ دولة تبحث عن سيادتها الكاملة، وإقليم يعيد ترتيب أوراقه تحت أنظار القوى الكبرى.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img