ذات صلة

أحدث المقالات

جدل إسباني حول مونديال 2030… هل تُستعمل سبتة لإعادة فتح ملف حُسم مؤسساتياً؟

معركة مونديال 2030 في إسبانيا تتجاوز كرة القدم… لكنها،...

انتخابات إسرائيل 2026.. هل يقرر الإسرائيليون مصير نتنياهو أم شكل الدولة نفسها؟

في صباح 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لن يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس حكومة فحسب. سيكون السؤال أوسع بكثير: أي إسرائيل يريد الناخبون أن يروا بعد سنوات الحرب والاستقطاب؟

هل تبقى الدولة التي تقوم، نظريًا، على توازن بين المؤسسات المنتخبة والقضاء والإعلام والمجتمع المدني، أم تتجه بصورة أعمق نحو دولة يغلب عليها اليمين القومي والديني، حيث تصبح الحكومة أكثر قوة في مواجهة المؤسسات التي تستطيع تقييدها؟

هذا هو السؤال الذي يضعه تحليل الكاتب ديفيد إي. روزنبرغ في مجلة فورين بولسي في قلب المعركة الانتخابية. لكن التطورات التي شهدتها إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة تجعل السؤال أكثر إلحاحًا؛ فالمعركة لم تعد تدور فقط حول بنيامين نتنياهو، بل حول توزيع السلطة داخل الدولة وحدودها وطبيعة العلاقة بين الأمن والديمقراطية والدين والسياسة.

وقد أصبح موعد الانتخابات رسميًا في 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بعد قرار الكنيست حل نفسه في يوليوز (يوليو/ تموز)، في أول انتخابات إسرائيلية تُجرى في موعدها منذ عام 1988، بحسب صحيفة تايمز أوف إسرائيل ووكالة رويترز.

نتنياهو أمام انتخابات مختلفة

ظل نتنياهو طوال سنواته السياسية قادرًا على تحويل الانتخابات إلى استفتاء على شخصيته باعتباره السياسي الأكثر خبرة في التعامل مع التحديات الأمنية.

لكن هذه المرة تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا.

فالحرب التي كان يفترض أن تعيد ترميم صورة “نتنياهو رجل الأمن” تركت خلفها أسئلة عن هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والحرب الطويلة في غزة، والقتال مع حزب الله، والمواجهة مع إيران، فضلًا عن الانقسام الداخلي بشأن مستقبل الجيش والقضاء.

وتشير رويترز إلى أن الانتخابات المقبلة ستكون الأولى منذ هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) والحروب التي تلته في غزة ولبنان وإيران، بينما تظهر استطلاعات متتالية تقدمًا لمنافسي نتنياهو، رغم أن ذلك لا يعني امتلاك المعارضة طريقًا مضمونًا إلى تشكيل الحكومة.

وهنا تكمن المفارقة: قد يخسر نتنياهو الانتخابات السياسية من دون أن يخسر اليمين السلطة.

فالانتخابات الإسرائيلية لا تقوم على انتخاب رئيس الحكومة مباشرة، وإنما على انتخاب 120 عضوًا في الكنيست وفق نظام التمثيل النسبي. ولذلك فإن الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد لا يصبح تلقائيًا الحزب الحاكم؛ بل يبدأ سباق تشكيل ائتلاف قادر على تأمين أغلبية برلمانية.

وهذا يجعل نتيجة الانتخابات أقل بساطة مما توحي به استطلاعات “من تفضل رئيسًا للوزراء؟”.

إيزنكوت.. خصم من داخل المؤسسة الأمنية

في الجهة المقابلة، ظهر رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت بوصفه المنافس الأبرز لنتنياهو.

المفارقة هنا أن آيزنكوت ليس سياسيًا يساريًا تقليديًا يطرح قطيعة مع عقيدة الأمن الإسرائيلية، بل جنرال سابق يحاول مخاطبة الناخب من داخل مفهوم الأمن نفسه.

وقد استقال آيزنكوت من حكومة نتنياهو في يونيو (حزيران) 2024، منتقدًا إدارة الحرب في غزة، ثم أسس حزب “يشَر”، الذي يقدم نفسه باعتباره مشروعًا لاستعادة الوحدة والمساءلة وإصلاح مؤسسات الدولة.

وتقول وكالة أسوشيتد برس إن خلفية آيزنكوت العسكرية وشعبيته بين الناخبين الذين فقدوا الثقة بحكومة نتنياهو تمنحانه فرصة حقيقية، فيما تشير إلى أن خسارة ابنه خلال الحرب تضيف بعدًا شخصيًا إلى صورته باعتباره رجلًا دفع ثمن الحرب مثل كثير من الإسرائيليين.

وفي استطلاع للقناة 12 نشرته تايمز أوف إسرائيل، قال 43% من المشاركين إنهم يفضلون آيزنكوت رئيسًا للوزراء مقابل 34% لنتنياهو. لكن الأرقام نفسها تكشف المشكلة: الفوز في استطلاع تفضيل الشخص لا يساوي الفوز بأغلبية برلمانية.

والأهم أن استطلاعًا آخر للقناة 13 أشار إلى إمكانية حصول كتلة المعارضة الصهيونية بقيادة آيزنكوت على 61 مقعدًا، وهي عتبة الأغلبية البرلمانية، وإن كانت نتائج الاستطلاعات تتغير بسرعة مع اقتراب موعد الانتخابات.

المعركة الحقيقية: من يملك مفاتيح الدولة؟

هنا ينتقل الصراع من الأشخاص إلى المؤسسات.

فمشروع الإصلاح القضائي الذي أطلقته حكومة نتنياهو في 2023 لم يكن مجرد خلاف تقني حول تعيين القضاة. لقد كان، في جوهره، صراعًا على السؤال: من يراقب من؟

الحكومة والائتلاف اليميني يقولان إن السلطة القضائية اكتسبت نفوذًا أكبر من اللازم وإن الإصلاح يعيد القرار إلى المؤسسات المنتخبة.

أما خصوم المشروع فيرون أن تقليص صلاحيات المحكمة العليا وإعادة تشكيل آليات اختيار القضاة يهددان واحدة من أهم أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية.

وفي يوليوز (يوليو/ تموز) الماضي، عادت الأزمة إلى الواجهة عندما تحدت حكومة نتنياهو حكمًا للمحكمة العليا بشأن هيئة تنظيم الإعلام. وقال وزيران، هما ياريف ليفين وشلومو كارهي، إن الحكومة لن تحترم القرار، وهو ما اعتبرته المعارضة وخبراء قانونيون تهديدًا مباشرًا لسيادة القانون.

ولم يكن ذلك حدثًا معزولًا.

ففي يونيو (حزيران) 2026، حذرت المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف-ميارا من تراجع ديمقراطي في إسرائيل، مركزة على استقلال القضاء وعلى ما وصفته بتجاهل السلطة التنفيذية لقرارات المحاكم، وفق ما نقلته عرب نيوز عن وكالة فرانس برس.

وبالتالي، فإن الانتخابات المقبلة قد تكون عمليًا استفتاءً على ميزان القوى بين الحكومة والمؤسسات الرقابية.

الحريديم.. الحلقة التي تهدد بتفجير الائتلاف

لكن هناك قضية أخرى لا تقل أهمية عن القضاء: الخدمة العسكرية لليهود الحريديم.

هذا الملف تحول إلى اختبار لفكرة المساواة نفسها داخل المجتمع الإسرائيلي.

ففي الوقت الذي يحتاج فيه الجيش إلى مزيد من الجنود بسبب الحروب المتعددة، تطالب الأحزاب الحريدية بالحفاظ على إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

وفي ماي (مايو/ أيار)، أوضح مسؤول كبير في الجيش أمام لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست أن النقص في القوى البشرية يبلغ نحو 12 ألف جندي، بينهم ما بين 6 آلاف و7500 مقاتل.

وفي المقابل، مرر الكنيست في يوليوز (يوليو/ تموز) قوانين تمنح حماية سياسية وقانونية أكبر لإعفاء الحريديم من التجنيد، في خطوة اعتبرتها وكالة أسوشيتد برس محاولة واضحة للحفاظ على دعم الأحزاب الدينية للائتلاف الحاكم قبل الانتخابات.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الحساسية.

فالحكومة تحتاج الحريديم للبقاء في السلطة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج الجيش إلى مزيد من القوى البشرية. ولذلك تحولت قضية الإعفاء من التجنيد إلى صراع بين الضرورات الأمنية والهوية الدينية والحسابات الانتخابية.

ولم تتوقف المواجهة عند القانون؛ فقد علقت المحكمة العليا مؤقتًا تنفيذ قانون يمنع اعتقال بعض المتهربين من الخدمة، مطالبة الدولة بتفسير أسباب عدم إلغائه.

هل تتغير إسرائيل أم يتغير نتنياهو فقط؟

هذه هي النقطة الأكثر أهمية في قراءة الانتخابات.

فلو خرج نتنياهو من السلطة، لن يعني ذلك بالضرورة أن إسرائيل ستنتقل إلى اليسار أو حتى إلى الوسط السياسي التقليدي.

آيزنكوت نفسه ليس داعية للانسحاب الكامل من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ولا يقدم نفسه بوصفه رجل سلام بالمعنى التقليدي.

بل إن برنامجه يركز على تقوية الجيش، وتوسيع التجنيد، والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واستعادة الثقة بالمؤسسات. وأكد عند إطلاق حملته أنه يريد تشكيل حكومة “وحدة” وأن تشمل الخدمة العسكرية أو الوطنية قطاعات واسعة من المجتمع.

وهذا يعني أن البديل المحتمل لنتنياهو قد يكون يمينًا أمنيًا أكثر اعتدالًا، لا يسارًا جديدًا.

وهنا تصبح فكرة “إسرائيل الليبرالية مقابل إسرائيل المحافظة” أكثر تعقيدًا من مجرد تقسيم انتخابي بين يمين ويسار.

كما قد يكون الخلاف الحقيقي بين نموذجين: نموذج يرى الأمن مبررًا لتعزيز السلطة المركزية، ونموذج يرى أن الأمن القوي يحتاج أيضًا إلى مؤسسات قوية ومستقلة.

غزة والضفة.. الاختبار الخارجي للانتخابات

لن تستطيع الحكومة المقبلة، أيًا كان اسم رئيسها، الهروب من غزة.

فالحرب أعادت تشكيل علاقة إسرائيل بالعالم، وعمقت الخلافات الداخلية حول أهداف الحرب ونهايتها، كما جعلت مسألة اليوم التالي في القطاع جزءًا أساسيًا من النقاش السياسي.

وفي تحليل روزنبرغ السابق في فورين بولسي، أشار الكاتب إلى أن نتنياهو يواجه مشكلة انتخابية مرتبطة بنتائج الحرب على إيران وغزة ولبنان، وأنه قد يستفيد سياسيًا من استمرار الأزمات إذا أعاد ترميم صورته باعتباره الزعيم الأكثر قدرة على حماية إسرائيل.

أما الحكومة التي قد يقودها آيزنكوت، فستواجه ضغطًا من المؤسسة الأمنية لإعادة ترتيب الأولويات، لكنها لن تستطيع ببساطة الانتقال إلى حل الدولتين أو تقديم تنازلات واسعة للفلسطينيين.

لذلك، فإن التغيير المحتمل قد يكون في إدارة الصراع أكثر من إنهاء الصراع.

الضفة الغربية ستكون اختبارًا آخر

في الضفة الغربية، ستجد أي حكومة جديدة نفسها أمام ملف المستوطنات وعنف المستوطنين.

وتشير رويترز إلى أن حكومة نتنياهو الحالية تضم قوى قومية ودينية مرتبطة بقضايا الاستيطان واليمين المتشدد، في حين يخوض خصومها الانتخابات بخطاب يركز بدرجة أكبر على إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمؤسسات.

لكن حتى وصول حكومة أكثر اعتدالًا لا يعني بالضرورة وقف الاستيطان بصورة كاملة.

فالسياسة الإسرائيلية تجاه الضفة أصبحت خلال العقود الماضية أكثر تعقيدًا من أن تتغير بمجرد تبدل رئيس الوزراء.

وهذا يقود إلى استنتاج مهم: الانتخابات قد تغير سرعة الاتجاه الإسرائيلي، لكنها لن تغير بالضرورة اتجاهه التاريخي في ليلة واحدة.

هل يستطيع نتنياهو قلب الطاولة؟

التاريخ السياسي لنتنياهو يقول نعم.

فالرجل الذي نجا من أزمات سياسية وقانونية وأمنية متكررة يعرف كيف يحول نقاط ضعفه إلى أدوات انتخابية.

إذا تمكن من تقديم نفسه أمام الناخبين باعتباره الرجل الذي واجه إيران، وأدار الحرب، وحافظ على أمن إسرائيل، فقد يستعيد جزءًا من الناخبين الذين ابتعدوا عنه.

وتشير رويترز إلى أن نتنياهو، رغم تراجع الثقة به، لا يزال يتمتع بميزة مهمة تتمثل في خبرته الطويلة وقدرته على إدارة التحالفات، بينما لا تملك المعارضة حتى الآن طريقًا مضمونًا لتشكيل حكومة.

كما أن الانقسام داخل المعارضة يمثل فرصة حقيقية أمامه.

فالمنافسة بين آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لابيد وأفيغدور ليبرمان تعني أن الناخب المناهض لنتنياهو لا يملك بالضرورة عنوانًا واحدًا.

وهذه مشكلة جوهرية في النظام الإسرائيلي: إسقاط نتنياهو أسهل نظريًا من بناء حكومة بديلة مستقرة.

إسرائيل أمام مفترق طرق

في النهاية، لا تبدو انتخابات 27 أكتوبر (شرين الأول) المقبلة مجرد معركة بين نتنياهو وآيزنكوت.

إنها مواجهة بين رؤيتين للدولة، وربما بين مرحلتين من تاريخها السياسي.

الرؤية الأولى تقول إن إسرائيل تحتاج إلى حكومة أكثر قوة، وأكثر تشددًا في الأمن، وأكثر قربًا من التيارات الدينية والقومية، وأن الظروف الإقليمية لا تسمح بمؤسسات تضع قيودًا كبيرة على السلطة.

والرؤية الثانية لا ترفض القوة العسكرية، لكنها تريد إعادة بناء الحواجز المؤسسية التي تمنع تركيز السلطة، واستعادة استقلال القضاء، وإعادة تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة، وتقليص الامتيازات الدينية عندما تتعارض مع متطلبات الأمن والمساواة.

ولهذا وصف محلل في تشاتام هاوس الانتخابات المقبلة بأنها قد تكون من أكثر الانتخابات أهمية في تاريخ إسرائيل، مشيرًا إلى أن قضايا غزة والضفة وإيران ولبنان والعلاقة مع الولايات المتحدة كلها ستدخل إلى صندوق الاقتراع.

والأهم أن الكنيست الحالي أنهى ولايته كاملة، وهو أمر نادر في السياسة الإسرائيلية؛ إذ تشير بيانات تايمز أوف إسرائيل إلى أن هذه ستكون أول مرة منذ عقود ينجح فيها البرلمان في إكمال مدته القانونية.

لذلك، عندما تفتح صناديق الاقتراع في أكتوبر (تشرين الأول)، لن يكون السؤال فقط: هل يبقى نتنياهو؟

بل إن السؤال الأعمق سيكون: هل تبقى إسرائيل كما عرفها الإسرائيليون، أم أن سنوات الحرب والاستقطاب والدين والأمن بدأت تنتج دولة مختلفة؟

وهذه المرة، قد لا يكون اسم رئيس الوزراء هو أهم ما ستقرره صناديق الاقتراع، بل حدود السلطة نفسها، ومكانة المؤسسات، وشكل الدولة التي ستخرج من سنوات الحرب.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img