لم تترك موجة العبور الجماعي الأخيرة إلى سبتة وراءها أزمة حدودية عابرة، بل أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقة المغربية الإسبانية: مصير القاصرين المغاربة غير المصحوبين. فبينما عاد معظم البالغين الذين دخلوا المدينة إلى المغرب، ظل القاصرون في قلب المأزق، لأن وضعهم القانوني مختلف، ولأن وجودهم في سبتة لا يمكن حسمه بالطريقة نفسها التي تُدار بها أوضاع البالغين. وتشير المعطيات المتداولة في أعقاب الأزمة إلى بقاء أعداد كبيرة من القاصرين تحت رعاية السلطات الإسبانية، في وقت أعلنت فيه الرباط استعدادها للتعاون في تحديد هوياتهم واستعادتهم، استناداً إلى توجيهات ملكية للوزارتين المكلفتين بالداخلية والخارجية للمساعدة في عملية التعرف عليهم وإعادتهم.
لكن عبداللطيف وهبي، وزير العدل المغربي، لم يقدم المسألة في حديثه مع قناة «دويتشه فيله» باعتبارها خلافاً تقنياً حول إجراءات الهجرة، وإنما دفع بها إلى مستوى مختلف تماماً: مستوى مسؤولية الدولة عن أبنائها. هنا تتغير زاوية النظر إلى القضية؛ فالمغرب، وفق الرواية التي قدمها الوزير، لا يطالب إسبانيا بالتخلص من عبء بشري أصبح ثقيلاً على سبتة، ولا يبحث عن مخرج إداري لأزمة أحدثها العبور الجماعي، وإنما يقول إن القاصرين المغاربة الذين ثبتت هويتهم وجنسيتهم يجب أن يعودوا إلى أسرهم وبلدهم، وأن الدولة المغربية مستعدة لتحمل مسؤوليتها تجاههم. ولهذا كانت عبارته عن أن القاصر «له حقوق وليس لديه واجبات» أكثر من توصيف قانوني؛ إنها محاولة لإخراج الطفل من منطق المسؤولية عن فعل العبور ووضعه داخل منطق الحماية والرعاية.
هذه النقطة هي مفتاح الخطاب المغربي كله. فالرباط تريد أن تمنع تحول فعل القاصر إلى مبرر دائم لبقائه خارج بلده، وأن تميز بين مسؤولية الطفل عن دخوله إلى سبتة وبين مسؤولية الدولة والأسرة عن مستقبله. وبذلك يصبح السؤال، من وجهة النظر المغربية، ليس لماذا دخل القاصر؟ بل لماذا يبقى بعيداً عن أسرته بعد أن تتأكد هويته وجنسيته، ولماذا تتحول إعادته إلى مسار طويل تتداخل فيه الموافقات الإدارية والاعتبارات القضائية والإجراءات القانونية؟ وهبي يضع المسألة بهذه الطريقة لأن الطفل، في التصور الذي يدافع عنه، ليس مهاجراً بالغاً اختار مشروعه الفردي، بل قاصراً لا يملك أصلاً الأهلية الكاملة لاتخاذ قرار مصيري بشأن مستقبله.
غير أن الجانب الإسباني لا يستطيع التعامل مع هذه المطالبة بمجرد قرار سياسي، وهذه هي النقطة التي تجعل الملف أكثر تعقيداً مما يوحي به الخطاب السياسي من الجانبين. فالقانون الإسباني يفرض دراسة وضع كل قاصر على حدة، كما أن إعادة القاصر لا تصبح تلقائية بمجرد إثبات الجنسية المغربية. والاتفاق المغربي الإسباني الموقع سنة 2007 بشأن التعاون في مجال منع الهجرة غير النظامية للقاصرين وحمايتهم وإعادتهم المنسقة يهدف بالفعل إلى تسهيل عودتهم إلى أسرهم أو إلى مؤسسة حماية في المغرب، لكنه يربط هذه العملية باحترام القانون الإسباني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل. لذلك فإن العقدة الحقيقية ليست غياب إطار للتعاون، بقدر ما هي كيفية تطبيقه على الأرض من دون أن يتحول الإجراء القانوني إلى آلية لتعليق العودة إلى أجل غير محدد.
وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي: نتمسك بأراضينا ونريد حل الإشكال مع إسبانيا بالحوار
للمزيد زوروا https://t.co/tk5IBjauaM pic.twitter.com/IPgJ9ngPU8— NOW الشرق (@AsharqNOW) August 11, 2026



