غزة.. مدينة تبحث عن السياسة بين أنقاض الحرب
في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب عندما يصمت السلاح، بل عندما تستعيد السياسة قدرتها على إنتاج توازن جديد. وغزة اليوم تقف عند هذه العتبة الصعبة؛ فبعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب المتواصلة وما تخللها من هدن هشة ومفاوضات متقطعة، لم يعد السؤال الأهم هو من يربح المعركة، بل من يستطيع إدارة اليوم التالي.
المشهد داخل القطاع لم يعد مجرد مواجهة بين إسرائيل وحركة حماس، بل أصبح عقدة سياسية وإقليمية ودولية تتداخل فيها حسابات الأمن الإسرائيلي، ومستقبل الحركة الفلسطينية، والدور العربي، والاستراتيجية الأمريكية، وحتى مستقبل القضية الفلسطينية نفسها. وتجمع أغلب مراكز الدراسات الغربية على أن غزة تحولت إلى اختبار لقدرة القوى الإقليمية والدولية على إنتاج تسوية سياسية قابلة للحياة، وليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.
حماس.. سلطة تحت ضغط الحرب
تكاد معظم الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الغربية تتفق على أن حركة حماس خرجت من الحرب أكثر إنهاكًا من أي وقت مضى، لكنها لم تخرج من المشهد السياسي. فبرغم الخسائر البشرية والعسكرية الكبيرة، لا تزال الحركة تمتلك حضورًا تنظيميًا داخل القطاع، كما أنها ما زالت طرفًا رئيسيًا في أي مفاوضات تتعلق بوقف إطلاق النار أو مستقبل إدارة غزة.
وتشير تقارير رويترز إلى أن إسرائيل واصلت استهداف البنية الأمنية والإدارية التابعة للحركة، بما في ذلك مراكز الشرطة وبعض الهياكل المدنية، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص قدرة الحركة على إعادة بناء مؤسسات الحكم. غير أن هذا المسار لم يؤد حتى الآن إلى ظهور بديل فلسطيني قادر على ملء الفراغ السياسي.
ولهذا يرى باحثون في مؤسسات مثل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومجلس العلاقات الخارجية (CFR) أن المشكلة لم تعد تقتصر على إضعاف حماس، بل أصبحت مرتبطة بالسؤال الأصعب: من يحكم غزة إذا تراجعت سلطة الحركة؟
إسرائيل.. بين الأمن وإدارة الفراغ
في المقابل، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية لا تزال تنظر إلى القطاع من زاوية أمنية بالدرجة الأولى.
فبحسب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي وتقارير إعلامية إسرائيلية نقلتها رويترز، اتجهت إسرائيل إلى توسيع نطاق سيطرتها الميدانية داخل القطاع، مع إعلان هدف رفع مساحة المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش إلى نحو 70%، باعتبارها “مناطق عازلة” لمنع تكرار هجمات مستقبلية.
لكن عدداً من مراكز الدراسات الإسرائيلية حذر من أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة إنتاج استقرار سياسي. فكلما اتسعت السيطرة الميدانية، ازدادت كلفة إدارتها، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا أو دبلوماسيًا.
وتشير تحليلات صحف إسرائيلية إلى أن تل أبيب تواجه معضلة حقيقية؛ فهي لا ترغب في عودة حماس إلى وضعها السابق، لكنها لا تبدو مستعدة أيضًا لتحمل مسؤولية إدارة مليوني فلسطيني لفترة طويلة.
السلطة الفلسطينية.. الغائب الحاضر
من بين أكثر الأسئلة تداولًا في الأوساط الدبلوماسية الغربية: هل تستطيع السلطة الفلسطينية العودة إلى غزة؟
الواقع أن الإجابة لا تزال معقدة.
فالدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تخفي تأييدها لفكرة دور أكبر للسلطة الفلسطينية في إدارة القطاع ضمن إطار إصلاحات سياسية وأمنية. لكن هذا الطرح يصطدم بجملة من العقبات، أبرزها الانقسام الفلسطيني الداخلي، ورفض بعض القوى الفلسطينية لأي ترتيبات تُفرض من الخارج، فضلًا عن التحفظات الإسرائيلية بشأن شكل السلطة وصلاحياتها.
وترى مراكز بحثية أمريكية أن نجاح أي صيغة يتطلب توافقًا فلسطينيًا أولًا، ثم توافقًا عربيًا وإقليميًا، قبل أن يتحول إلى مشروع قابل للتنفيذ.
مصر.. الوسيط الذي يحاول منع انهيار المعادلة
في كل مرة يعود فيها الحديث عن غزة، تعود القاهرة إلى قلب المشهد.
فوفقًا لما نقلته رويترز وتقارير إعلامية دولية، استضافت مصر خلال يونيو جولة جديدة من الاتصالات مع حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى، في محاولة للحفاظ على اتفاقات وقف إطلاق النار والانتقال إلى مراحل جديدة من التفاوض.
وتستند الرؤية المصرية إلى أن الحل الأمني وحده لن يحقق استقرارًا دائمًا، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تقترن بإعادة الإعمار، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتمكين المؤسسات الفلسطينية من القيام بدورها، بما يحول دون تحول القطاع إلى بؤرة دائمة للتوتر.
الأزمة الإنسانية.. السياسة في مواجهة المأساة
بعيدًا عن خرائط السياسة، يعيش القطاع واحدة من أصعب مراحله الإنسانية.
فرويترز وصفت واقع السكان بأنه استمرار لمعاناة واسعة، حيث يقيم معظم النازحين في خيام أو مبانٍ متضررة، مع نقص حاد في المياه النظيفة والخدمات الأساسية، بينما تستمر آثار الحرب على البنية التحتية والصحة العامة.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن مستقبل السياسة، لأن استمرار الانهيار الإنساني يحد من فرص نجاح أي تسوية، ويزيد من احتمالات عودة التوتر والعنف.
اليوم التالي.. لا أحد يملك الخطة الكاملة
ربما يكون التعبير الأكثر تداولًا في مراكز الدراسات اليوم هو “اليوم التالي”.
لكن المفارقة أن الجميع يتحدث عنه، بينما لا يمتلك أحد تصورًا مكتملًا له.
الولايات المتحدة تبحث عن ترتيبات تمنع عودة الحرب وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار.
إسرائيل تركز على الضمانات الأمنية.
الفصائل الفلسطينية تتمسك بشروطها السياسية.
والدول العربية تحاول منع انهيار القطاع وتحويله إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.
لكن هذه الرؤى لم تلتق بعد في نقطة واحدة.
غزة.. السياسة أصعب من الحرب
ربما أثبتت السنوات الماضية أن الحروب تستطيع تغيير الخرائط، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة المستقبل.
فغزة اليوم ليست مجرد أرض تعرضت لدمار هائل، بل عقدة سياسية تختبر قدرة الشرق الأوسط على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التسويات.
وتكاد غالبية مراكز الدراسات تتفق على أن مستقبل القطاع لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل قدرة الأطراف المختلفة على إنتاج معادلة سياسية جديدة تجمع بين الأمن والشرعية وإعادة الإعمار.
ولهذا تبدو غزة، في هذه اللحظة، مدينة لا تبحث فقط عن هدنة، بل عن فكرة جديدة للحكم، وعن نظام سياسي يمنح سكانها فرصة للخروج من دائرة الحرب المستمرة. وحتى يتحقق ذلك، سيظل القطاع يقف بين مشروعين متنافسين: مشروع يريد إدارة الصراع، وآخر يحاول، ولو ببطء، البحث عن نهاية له.



