ذات صلة

أحدث المقالات

هل دخلت المواجهة الأمريكية – الإيرانية مرحلة “الحرب بلا وسطاء”؟

هناك سؤالًا يتجاوز توصيف المعركة الجارية بين الولايات المتحدة...

اليمين الفرنسي يعلن التمرد… 250 ألف تأشيرة للجزائريين تتحول إلى أزمة حكم

يبدو أن الأزمة الفرنسية الجزائرية لم تعد مجرد أزمة...

حين يصبح البرلمان مُشرِّعًا بالاسم فقط… هل انتقل مركز صناعة القانون في المغرب إلى الحكومة؟

في الأنظمة الديمقراطية، يُنظر إلى البرلمان باعتباره المؤسسة التي...

هل دخلت المواجهة الأمريكية – الإيرانية مرحلة “الحرب بلا وسطاء”؟

هناك سؤالًا يتجاوز توصيف المعركة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، إلى محاولة فهم ما إذا كانت المنطقة قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة، تتراجع فيها الدبلوماسية الإقليمية أمام منطق القوة العسكرية. غير أن القراءة السياسية تشير إلى أن الحديث عن أن هذه الحرب صارت بلا وسطاء قد يكون أقرب إلى توصيف تعثر الوساطة منه إلى إعلان وفاتها، لأن طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط تجعل إنهاء قنوات الاتصال أكثر صعوبة من إنهاء المعارك نفسها.

الحرب تغيّر أولويات إيران أكثر مما تغيّر أهدافها

تكشف التطورات الأخيرة أن إيران أعادت ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. فبدل أن يكون الصراع مع إسرائيل هو العنوان الأول، كما كان في الخطاب السياسي الإيراني لعقود، باتت المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وتأمين أوراق الضغط في الممرات البحرية تحتل موقع الصدارة.

هذا التحول لا يعني تخلي طهران عن خطابها التقليدي، لكنه يعكس انتقالها من سياسة بناء النفوذ عبر الوكلاء إلى سياسة حماية النفوذ القائم في ظل ضغوط عسكرية وسياسية متزايدة.

مضيق هرمز.. من ورقة تفاوض إلى ساحة صراع

أحد أهم الاستنتاجات السياسية مما يجري حاليًا يتمثل في أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر اقتصادي، بل أصبح جزءًا من معادلة السيادة والردع.

وتشير تقارير وتحليلات متعددة إلى أن الخلاف حول تفسير التفاهمات الأمريكية – الإيرانية، ولا سيما ما يتعلق بحرية الملاحة ودور إيران في المضيق، أسهم في إعادة التصعيد بعد فترة من التهدئة الهشة.

وبذلك، لم يعد الخلاف يدور فقط حول البرنامج النووي أو العقوبات، بل حول من يمتلك حق رسم قواعد الأمن في الخليج.

هل انتهى عصر الوسطاء؟

يبدو أن الوسطاء الإقليميين باتوا في موقف بالغ الصعوبة، لكن الواقع السياسي يبدو أكثر تعقيدًا.

فالوساطة لا تنجح عندما تكون العلاقات جيدة، بل عندما تصبح الأزمة مكلفة لجميع الأطراف. لذلك، فإن دولًا مثل سلطنة عُمان وقطر، وربما باكستان وتركيا بدرجات متفاوتة، ما زالت تملك قنوات اتصال يصعب الاستغناء عنها، حتى لو تقلص هامش حركتها مؤقتًا.

والتاريخ الحديث للصراع الأمريكي – الإيراني يبين أن كل جولة تصعيد كبرى كانت تنتهي بعودة الاتصالات غير المباشرة، لأن البديل غالبًا يكون حربًا مفتوحة يصعب التحكم في نتائجها.

إعادة تشكيل الإقليم.. لا مجرد إدارة أزمة

تكشف الحرب الحالية عن مشروعين متنافسين لإعادة ترتيب الشرق الأوسط.

الأول، تقوده الولايات المتحدة مع شركائها الإقليميين، ويقوم على تعزيز دور الدولة الوطنية، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، وتأمين الممرات البحرية، وربط الأمن الإقليمي بشبكة من التحالفات السياسية والعسكرية.

أما المشروع الثاني، فتسعى إيران من خلاله إلى الحفاظ على شبكة نفوذها الإقليمية، باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في أمنها القومي، وترى أن خسارة هذه الشبكة تعني انتقال الضغوط إلى الداخل الإيراني.

ومن هنا، فإن الصراع يتجاوز كونه مواجهة عسكرية، ليصبح منافسة على شكل النظام الإقليمي المقبل.

لبنان والعراق وسوريا.. ساحات اختبار

تشير التطورات إلى أن مستقبل هذه الدول لم يعد شأنًا داخليًا فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة التوازن بين واشنطن وطهران.

فالجهود الرامية إلى تعزيز مؤسسات الدولة في لبنان والعراق، وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة، تُنظر إليها في إيران بوصفها محاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي، بينما تراها الولايات المتحدة وحلفاؤها مدخلًا لإرساء استقرار طويل الأمد.

هل الحرب مفتوحة أم محسوبة؟

رغم اتساع رقعة الاشتباك الحالية، فإن المؤشرات لا توحي بأن الطرفين يسعيان إلى حرب شاملة.

فالولايات المتحدة تحاول زيادة الضغط العسكري لإجبار إيران على العودة إلى التفاوض بشروط جديدة، بينما تستخدم طهران أدوات الردع البحري والإقليمي لرفع كلفة هذا الضغط. وتذهب تقديرات مراكز أبحاث غربية إلى أن الطرفين ما زالا يتحركان ضمن منطق التصعيد المحسوب، رغم تزايد مخاطر الانزلاق نتيجة سوء التقدير أو توسع الجبهات.

حديث يعكس حجم التوتر أكثر من وصف الواقع

بالتالي فإن الحديث عن “حرب بلا وسطاء” يعكس حجم التوتر أكثر مما يصف الواقع النهائي. فالوسطاء قد يبتعدون عن الواجهة في لحظات التصعيد، لكنهم غالبًا يعودون عندما يكتشف المتحاربون أن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التفاوض.

ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الوساطة قد انتهت، بل من سيكون قادرًا على إنتاج صيغة سياسية جديدة تعيد التوازن بين المصالح الأمريكية والهواجس الأمنية الإيرانية، وتحول دون انتقال الشرق الأوسط من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة إنتاجها بصورة أكثر عنفًا واتساعًا.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img