من الصعب قراءة خريطة الشرق الأوسط اليوم دون أن التوقف طويلًا عند العراق. فالدولة التي تقع بين الخليج وبلاد الشام، وبين إيران وتركيا، لم تعد مجرد دولة جوار للقوى الإقليمية، بل تحولت إلى إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في المنطقة. وإذا كانت طهران تنظر إلى العراق باعتباره عمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه، فإن إسرائيل تراه الحلقة الأكثر تأثيرًا في شبكة النفوذ الإيراني الممتدة من إيران حتى شرق البحر المتوسط.
وتُجمع أحدث تقديرات مراكز الدراسات الغربية والإقليمية على أن بغداد لم تعد تقف على هامش الصراع، وإنما أصبحت أحد ميادينه الرئيسية، وهو ما يفسر حرص جميع الأطراف على تجنب انهيار الدولة العراقية، مع استمرار التنافس على النفود داخلها.
العراق.. عقدة الجغرافيا التي صنعت السياسة
يرى باحثون أن الجغرافيا هي التي وضعت العراق في قلب هذه المعادلة. فحدوده الطويلة مع إيران، وموقعه بين الخليج وسوريا والأردن وتركيا، جعلاه ممرًا حيويًا لحركة التجارة والطاقة، وفي الوقت نفسه ساحة ذات أهمية استراتيجية لأي ترتيبات أمنية في الشرق الأوسط.
وأشار مركز تشاتام هاوس إلى أن الحرب الإقليمية الأخيرة كشفت حجم هشاشة العراق أمام أي تصعيد بين إيران وإسرائيل، إذ امتدت آثار المواجهة إلى الاقتصاد العراقي وإمدادات الطاقة والتجارة البحرية، بينما وجد المدنيون أنفسهم يدفعون ثمن صراع يتجاوز حدود بلادهم.
النفوذ الإيراني.. العمق الذي تتمسك به طهران
لا يختلف كثير من الباحثين على أن العراق يمثل أهم دوائر النفوذ الإيراني خارج الحدود الإيرانية منذ عام 2003. ويرى محللون أن هذا النفوذ لا يقتصر على العلاقات السياسية، وإنما يمتد إلى الروابط الاقتصادية والدينية والأمنية.
لكن التطورات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال عام 2026 دفعت العديد من مراكز الدراسات إلى الاعتقاد بأن طهران أصبحت أكثر حرصًا على حماية نفوذها العراقي باعتباره أحد أهم عناصر الردع الإقليمي بعد تراجع فاعلية بعض أدواتها الأخرى.
وأكد الباحث توماس جونو في تحليل نشره تشاتام هاوس أن إيران تسعى إلى إعادة بناء منظومة ردع جديدة بعد الحرب الأخيرة، مع التركيز بصورة أكبر على الخليج ومحيطه، بينما يبقى العراق جزءًا أساسيًا من هذا التصور الأمني الإيراني.
إسرائيل.. العراق بوابة النفوذ الإيراني
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى العراق من زاوية مختلفة تمامًا. فعدد من مراكز الدراسات الإسرائيلية والغربية يعتبر أن أي توسع للنفوذ الإيراني داخل العراق ينعكس بصورة مباشرة على البيئة الأمنية الإسرائيلية، سواء عبر خطوط الإمداد أو من خلال الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران.
وأوضحت دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أدى إلى توسيع رقعة المواجهة لتشمل عدة ساحات، وكان العراق من أكثرها حساسية بسبب وجود مصالح أمريكية وجماعات مسلحة مرتبطة بإيران في الوقت نفسه.
الدولة العراقية بين ضغوط الداخل والخارج
المعضلة الكبرى، بحسب العديد من الباحثين، ليست فقط في الصراع الإيراني الإسرائيلي، وإنما في قدرة الدولة العراقية على الحفاظ على استقلال قرارها وسط هذا التنافس.
وخلال ندوة نظمها تشاتام هاوس، أكد باحثون أن العراق يقف أمام اختبار بالغ التعقيد، إذ يتعين عليه في آن واحد حماية سيادته، ومنع أراضيه من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، والحفاظ على توازن علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران والدول العربية.
ويرى هؤلاء أن هشاشة البنية السياسية، إلى جانب تشابك الملفات الأمنية، تجعل أي تصعيد إقليمي ينعكس سريعًا على الداخل العراقي.
الاقتصاد.. الحلقة الأكثر هشاشة
ولا يقف تأثير التنافس الإقليمي عند البعد الأمني فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط.
وكشف تحليل نشره تشاتام هاوس أن أي اضطراب في الخليج أو في طرق الملاحة ينعكس مباشرة على إيرادات العراق، كما أن استمرار التوتر يهدد واردات الطاقة وسلاسل الإمداد، ويزيد الضغوط على الموازنة العامة والخدمات الأساسية.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار العراق في الاعتماد شبه الكامل على النفط يجعله أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية، وهو ما يدفع المؤسسات الدولية إلى المطالبة بتسريع برامج تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
هل يستطيع العراق أن يتحول من ساحة صراع إلى جسر للحوار؟
يرى عدد من المحللين أن الفرصة لا تزال قائمة أمام بغداد للقيام بدور مختلف، مستفيدًا من علاقاتها مع جميع الأطراف الإقليمية. فقد سبق للعراق أن استضاف جولات حوار إقليمي، الأمر الذي عزز صورته كمنصة للحوار أكثر من كونه ساحة للمواجهة.
غير أن نجاح هذا الدور يبقى مرتبطًا بقدرة الدولة العراقية على ترسيخ مؤسساتها، وتعزيز احتكارها لاستخدام القوة، وتطوير سياسة خارجية متوازنة تحافظ على علاقاتها مع جميع الشركاء دون الانخراط في محاور متصارعة.
التحدي الأكبر أمام بغداد
تكاد معظم مراكز الدراسات تتفق على أن مستقبل العراق لن تحدده بغداد وحدها، بل ستؤثر فيه أيضًا طبيعة العلاقة بين إيران وإسرائيل، ومستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة، وشكل النظام الأمني الإقليمي الذي يتبلور تدريجيًا بعد موجات التصعيد الأخيرة.
ولذلك، يبدو العراق اليوم أشبه بجسر معلق فوق نهر شديد الاضطراب؛ فهو لا يستطيع مغادرة موقعه الجغرافي، ولا يملك رفاهية الانحياز الكامل لأي طرف. وبين حسابات طهران الأمنية، والمخاوف الإسرائيلية، والمصالح الأمريكية، يبقى التحدي الأكبر أمام بغداد هو تحويل موقعها من ساحة تنافس إلى مساحة توازن، لأن استقرار العراق لم يعد شأنًا عراقيًا فحسب، بل أصبح أحد المفاتيح الرئيسية لاستقرار الشرق الأوسط بأسره.



