هُناك أسئلة لا تموت في الشرق الأوسط. قد تختفي لبعض الوقت تحت ركام الحروب أو ضجيج المفاوضات، لكنها سرعان ما تعود إلى الواجهة. ومن بين هذه الأسئلة سؤال النفوذ الإيراني في المنطقة. فبعد الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني في يونيو 2026 الجاري، لم يكن السؤال الأكثر تداولاً في العواصم العربية أو مراكز الدراسات الغربية هو مصير البرنامج النووي الإيراني أو مستقبل العقوبات فقط، بل كان سؤالاً آخر أكثر التصاقاً بوقائع المنطقة: ماذا سيحدث لشبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقود الأربعة الماضية؟
يصعب فهم هذه المسألة من خلال النظر إلى الاتفاق وحده. فالتفاهم الذي جرى بين واشنطن وطهران جاء بعد أشهر من التوتر العسكري غير المسبوق، وبعد مرحلة أدرك فيها الطرفان أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل مخاطر لا يمكن السيطرة عليها. لكن الاتفاق، وفق ما أظهرته التصريحات الرسمية والتقديرات الأولية لمراكز الدراسات الأمريكية والأوروبية، لم يتناول بصورة نهائية مستقبل النفوذ الإيراني في الدول العربية، بل ركز أساساً على وقف التصعيد وفتح مسار تفاوضي جديد بشأن الملفات الأمنية والنووية والإقليمية.
لهذا تبدو قراءة مستقبل التمدد الإيراني أكثر تعقيداً من مجرد ربطه بنجاح الاتفاق أو فشله.
مشروع نفوذ بُني خلال عقود
حين يتحدث الباحثون الغربيون والعرب عن النفوذ الإيراني، فإنهم لا يتحدثون عن ظاهرة نشأت بالأمس. فإيران أمضت سنوات طويلة في بناء شبكة من العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية في عدد من دول الشرق الأوسط.
وقد استفادت طهران خلال مراحل مختلفة من فراغات السلطة التي نشأت نتيجة الحروب والأزمات الداخلية والتدخلات الخارجية. وفي العراق وسوريا ولبنان واليمن، تشكلت مع الوقت منظومات نفوذ متفاوتة الأحجام والأشكال، لكنها جميعاً ارتبطت بالرؤية الإيرانية للأمن القومي، والتي تقوم على فكرة نقل خطوط الدفاع إلى خارج الحدود الإيرانية.
وتشير دراسات صادرة عن مراكز مثل Chatham House وInternational Crisis Group وCarnegie Endowment for International Peace إلى أن هذا النفوذ لم يكن مجرد مشروع أيديولوجي، بل أصبح جزءاً من منظومة الردع الإيرانية في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.
ومن هنا تأتي أهمية السؤال المطروح اليوم: هل تستطيع إيران التخلي بسهولة عن أوراق استثمرت فيها لعقود؟
ما الذي سيتغير بعد اتفاق يونيو 2026؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن الاتفاق لن يُغير أهداف إيران الاستراتيجية، لكنه قد يُغير أدوات تحقيق هذه الأهداف.
ففي السنوات الماضية، كان التصعيد الإقليمي أحد الوسائل المستخدمة لتعزيز أوراق التفاوض الإيرانية. أما اليوم، فإن التفاهم مع واشنطن يفتح الباب أمام مقاربة مختلفة تقوم على الحفاظ على النفوذ القائم مع تقليل مستويات المواجهة المباشرة.
وتشير تحليلات عدد من الخبراء الأمريكيين إلى أن طهران قد تجد مصلحة في الانتقال من سياسة توسيع النفوذ إلى سياسة تثبيت النفوذ. أي التركيز على حماية المكاسب التي تحققت بدلاً من البحث عن ساحات جديدة للتوسع.
وهذا التحول، إذا حدث فعلاً، لن يكون ناتجاً عن تغير أيديولوجي، بل عن حسابات واقعية تتعلق بالكلفة الاقتصادية والسياسية والأمنية.
العراق.. الاختبار الأول
في العراق تظهر ملامح هذه المعادلة بوضوح.
فالعراق يمثل بالنسبة لإيران أكثر من مجرد دولة مجاورة. إنه عمق استراتيجي وساحة تداخل معقدة للمصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية.
لكن العراق نفسه تغير خلال السنوات الأخيرة. فهناك تنامٍ في التيارات السياسية التي تدعو إلى تعزيز الهوية الوطنية العراقية وتقليص تأثير القوى الخارجية أياً كان مصدرها. كما أن الدولة العراقية تسعى إلى تحقيق توازن في علاقاتها الإقليمية والدولية.
ولهذا يتوقع عدد من الباحثين أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات إيرانية للحفاظ على نفوذها داخل العراق عبر الأدوات السياسية والاقتصادية أكثر من الاعتماد على أدوات الضغط التقليدية.
سوريا.. هل تتحول طهران من النفوذ العسكري إلى النفوذ الاقتصادي؟
أما في سوريا، فإن المشهد يبدو مختلفاً.
فإيران دفعت أثماناً كبيرة للحفاظ على حليفها السوري خلال سنوات الحرب. لكنها تواجه اليوم تحدياً جديداً يتمثل في كيفية تحويل النفوذ العسكري إلى نفوذ مستدام اقتصادياً وسياسياً.
وتشير دراسات أوروبية إلى أن عملية إعادة الإعمار، إذا تسارعت مستقبلاً، قد تخلق توازنات جديدة داخل سوريا تجعل النفوذ الاقتصادي أكثر أهمية من النفوذ العسكري المباشر.
وفي هذا السياق، قد تجد إيران نفسها مضطرة إلى التكيف مع بيئة أكثر تعقيداً تشارك فيها قوى إقليمية ودولية متعددة.
لبنان.. النفوذ في مواجهة الأزمات
في لبنان، تبدو الصورة أكثر حساسية.
فلبنان يعيش أزمة اقتصادية ومؤسساتية عميقة منذ سنوات. وفي الوقت نفسه يشكل إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة.
لكن الأزمة اللبنانية أظهرت أيضاً حدود القوة التقليدية. فالنفوذ السياسي أو العسكري لا يكفي وحده لمعالجة الانهيار الاقتصادي أو استعادة ثقة المجتمع الدولي.
ولهذا يرى عدد من المحللين أن المرحلة المقبلة قد تدفع مختلف الأطراف اللبنانية، بما فيها القوى القريبة من إيران، إلى البحث عن صيغ أكثر براغماتية للتعامل مع التحديات الداخلية.
اليمن.. بين التسوية والاستنزاف
أما في اليمن، فإن التحدي الرئيسي يتمثل في مستقبل العملية السياسية.
فإذا استمرت جهود التهدئة والتسوية، فإن البيئة الإقليمية الجديدة قد تشجع على تحويل الصراع من ساحة مواجهة مفتوحة إلى مسار تفاوضي طويل.
وفي هذه الحالة سيكون على إيران أن توازن بين رغبتها في الحفاظ على نفوذها وبين الحاجة إلى دعم ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً.
هل يحد الاتفاق من النفوذ الإيراني؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر تداولاً في المنطقة.
لكن الإجابة ليست بنعم أو لا.
فالتاريخ الحديث يظهر أن النفوذ الإقليمي لا يختفي عادةً بسبب اتفاق سياسي واحد. كما أنه لا يستمر بالزخم نفسه في ظل تغير الظروف.
ما يبدو أكثر ترجيحاً، وفق تقديرات العديد من مراكز الدراسات، هو أن النفوذ الإيراني سيدخل مرحلة إعادة تموضع.
بمعنى أن طهران ستحاول الحفاظ على ركائز حضورها الإقليمي، لكنها ستكون أكثر حرصاً على تجنب الصدامات التي قد تهدد المكاسب التي حققتها أو تعرقل أي انفتاح اقتصادي محتمل بعد الاتفاق.
العامل العربي
لكن مستقبل النفوذ الإيراني لن يتحدد في طهران وواشنطن فقط.
فهناك عامل عربي متزايد الأهمية.
تشير دراسات عربية وغربية عديدة إلى أن قدرة الدول العربية على تعزيز مؤسساتها الوطنية وتحقيق التنمية الاقتصادية وبناء منظومات تعاون إقليمي ستكون عاملاً حاسماً في تحديد شكل التوازنات المستقبلية.
فالنفوذ الخارجي غالباً ما يزداد في البيئات التي تعاني من الفراغ أو الانقسام. أما الدول المستقرة والقادرة على تلبية احتياجات مواطنيها فتتمتع عادةً بمناعة أكبر تجاه التدخلات الخارجية.
بين التراجع والتحول
يصعب الحديث اليوم عن تراجع كامل للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. كما يصعب الحديث عن تمدد جديد بالوتيرة نفسها التي شهدتها المنطقة في العقدين الماضيين.
الأرجح أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة.
مرحلة تحاول فيها إيران حماية نفوذها وإعادة ترتيبه، بينما تحاول الدول العربية تعزيز أدوارها الوطنية والإقليمية، وتسعى القوى الدولية إلى إدارة تنافسها دون الانزلاق إلى مواجهات واسعة.
وهنا تكمن أهمية التفاهم الأمريكي الإيراني الأخير. فهو لم يحسم معركة النفوذ في الشرق الأوسط، لكنه فتح فصلاً جديداً منها. فالصراع على النفوذ لم ينتهِ، لكنه بدأ يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وأقل صخباً.
وفي الشرق الأوسط، غالباً ما تكون التحولات الهادئة أكثر تأثيراً من الأحداث التي تتصدر العناوين الكبرى.



