حين تتعطل السياسة، يعود الخبراء إلى الطاولة. وحين يصبح العالم أكثر اقتراباً من حافة الهاوية، تبحث القوى الكبرى عن أماكن هادئة تتحدث فيها بعيداً عن ضجيج المنابر والخطابات. لهذا لا يبدو اختيار الدار البيضاء لاستضافة اجتماع خبراء الدول الخمس المالكة للسلاح النووي مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، بل إشارة سياسية تحمل من الدلالات أكثر مما تكشفه البيانات الرسمية. ففي زمن تتسارع فيه الحروب وتتصاعد فيه الأزمات الدولية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى التنافس الأمريكي الصيني، يصبح مجرد استمرار الحوار بين القوى النووية الكبرى حدثاً يستحق التوقف عنده.
إعلان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف عن انعقاد اجتماع لخبراء الدول الخمس النووية المعترف بها في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية – روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين – بالمغرب قبل أسابيع، جاء ليكشف جانباً من الدبلوماسية الصامتة التي تتحرك بعيداً عن الأضواء. فالعالم الذي يتابع يومياً صور الحروب والتوترات والعقوبات والتهديدات المتبادلة، لا يرى عادة الاجتماعات التقنية التي تُعقد في الخلفية لمنع الانفجار الكبير أو على الأقل لتفادي سوء التقدير الذي قد يقود إليه.
الأهمية الحقيقية لهذا الاجتماع لا تكمن فقط في الأطراف المشاركة فيه، بل في توقيته. فمنذ سنوات لم تعرف العلاقات بين القوى الكبرى هذا المستوى من انعدام الثقة. الحرب في أوكرانيا أعادت إلى الواجهة مفردات الحرب الباردة، والتوتر في الشرق الأوسط أعاد الملف النووي الإيراني إلى قلب المعادلات الدولية، فيما يتوسع التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين على أكثر من جبهة. في مثل هذه البيئة، تصبح أي قناة تواصل بين الدول النووية الخمس بمثابة صمام أمان للنظام الدولي، حتى وإن كانت نتائجها محدودة أو غير قادرة على إنتاج اتفاقات كبرى في المدى القريب.
لكن ما الذي يجعل المغرب تحديداً مكاناً مناسباً لمثل هذا اللقاء؟ الجواب لا يرتبط فقط بالاستقرار الأمني أو بالبنية التحتية الدبلوماسية التي راكمتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بصورة المغرب كطرف لا يدخل في الاستقطابات الحادة التي تشق النظام الدولي اليوم. فالدول الكبرى عندما تبحث عن فضاء للحوار لا تبحث فقط عن قاعة اجتماعات، بل عن بيئة تمنح المشاركين شعوراً بأن النقاش يمكن أن يجري بعيداً عن الضغوط والرسائل السياسية المباشرة. ومن هذه الزاوية، يبدو أن المغرب بات يرسخ موقعه تدريجياً كأرضية للحوار الدولي في ملفات تتجاوز محيطه الإقليمي المباشر.
ولعل ما يضفي على المشهد بعداً رمزياً إضافياً أن الدار البيضاء ليست مدينة عادية في الذاكرة الجيوسياسية العالمية. ففي سنة 1943 احتضنت مؤتمر أنفا الشهير الذي جمع قادة الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية لرسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب. وبعد أكثر من ثمانية عقود، تعود المدينة نفسها لتستقبل ممثلين عن أقوى الدول العسكرية في العالم، لكن هذه المرة ليس لتخطيط انتصار عسكري، بل لمحاولة إبقاء خطوط التواصل مفتوحة بين دول تمتلك القدرة على تدمير الكوكب عدة مرات.
ومع ذلك، فإن ما قاله ريابكوف يكشف أيضاً حدود هذه اللقاءات. فالمسؤول الروسي لم يُخفِ تشاؤمه بشأن إمكانية تحقيق اختراقات حقيقية في الظروف الحالية، معتبراً أن التوترات السياسية والعسكرية القائمة تجعل فرص التوصل إلى تفاهمات استراتيجية واسعة أمراً بالغ الصعوبة. وهذا الاعتراف في حد ذاته يعكس حجم الأزمة التي يعيشها النظام الدولي. فحين تصبح القوى النووية قادرة على الاجتماع لكنها عاجزة عن الاتفاق، فإن المشكلة لا تتعلق بغياب الحوار، بل بغياب الثقة التي تشكل أساس أي تسوية مستدامة.
من زاوية أخرى، يكشف الاجتماع عن حقيقة غالباً ما تغيب عن النقاش العام. فالعالم لا يُدار فقط عبر القمم الرئاسية والخطابات الرسمية، بل أيضاً عبر شبكات معقدة من الخبراء والدبلوماسيين والتقنيين الذين يعملون في الظل لمنع الأزمات من الانفلات الكامل. وبينما ينشغل الرأي العام بتتبع المواجهات السياسية المعلنة، تستمر هذه اللقاءات في محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل بين القوى المتنافسة، لأن البديل عن الحوار بين الدول النووية ليس مجرد خلاف دبلوماسي، بل خطر يطال البشرية بأكملها.
وربما لهذا السبب يتجاوز خبر اجتماع الدار البيضاء قيمته الخبرية المباشرة. فالقصة ليست فقط أن خبراء القوى النووية التقوا في المغرب، بل أن العالم بلغ مرحلة أصبح فيها استمرار الحديث بين الخصوم إنجازاً بحد ذاته. وبينما تتكاثر بؤر التوتر وتتراجع مساحات التوافق، يبرز سؤال أعمق من الاجتماع نفسه: هل ما تزال المؤسسات الدولية قادرة على إدارة أخطر الملفات في العالم، أم أننا دخلنا زمناً أصبحت فيه الدبلوماسية تحاول فقط تأجيل الأزمات بدل حلها؟ وإذا كان مجرد الجلوس إلى الطاولة يحتاج اليوم إلى كل هذا الجهد، فكيف سيكون الطريق نحو بناء سلام عالمي حقيقي في عالم يتسلح أكثر مما يتحاور؟