قروض بـ638 مليون أورو للبنيات التحتية… هل يشتري المغرب المستقبل أم يؤجل فاتورة الحاضر؟
حين يُعلن المغرب، في أقل من أسبوع، عن تعبئة ما يقارب 638 مليون أورو من مؤسسات مالية دولية وإقليمية وأبناك وطنية، فإن القراءة السطحية قد تتوقف عند الرقم، وتربطه مباشرة بتنامي المديونية الخارجية. لكن القراءة العميقة تكشف أن الخبر الحقيقي لا يكمن في حجم القروض، وإنما في طبيعة المشاريع التي ستبتلع هذه الأموال، وفي الرسائل التي تحملها الجهات الممولة، وفي الرؤية الاقتصادية التي تتحرك خلف هذا الخيار المالي.
فالديون، في الاقتصاد الحديث، ليست كلها عبئاً، كما أنها ليست كلها استثماراً. والفرق بينهما تحدده الوجهة التي تنتهي إليها الأموال. فإذا كانت القروض تُستهلك في تغطية النفقات الجارية أو سد العجز الآني، فإنها تتحول إلى عبء مؤجل على الأجيال المقبلة. أما إذا وُجهت إلى بناء أصول إنتاجية قادرة على خلق الثروة ورفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية، فإنها تصبح جزءاً من دورة استثمارية يفترض أن تمول نفسها مستقبلاً عبر النمو الذي تولده.
ومن هذه الزاوية، تبدو المشاريع الثلاثة التي حظيت بالتمويل تحمل قاسماً مشتركاً واضحاً؛ فهي لا تتعلق بالاستهلاك العمومي، ولا بتمويل كتلة الأجور أو برامج الدعم، بل تستهدف ثلاث ركائز أصبحت اليوم عنوان القوة الاقتصادية للدول: الطاقة، والنقل، واللوجستيك.
فتمويل البنك الدولي لمحطة التخزين الكهرومائي بإفحصة لا يقتصر على إنشاء منشأة تقنية جديدة، بل يلامس واحدة من أكبر الإشكالات التي تواجه الاقتصادات التي تراهن على الطاقات المتجددة، وهي القدرة على تخزين الكهرباء وإعادة ضخها عند الحاجة. فكلما ارتفعت حصة الطاقة الشمسية والريحية، برزت الحاجة إلى منظومات تخزين ذكية تضمن استقرار الشبكة الكهربائية وتقلل من اللجوء إلى الوقود الأحفوري. وهنا يتحول المشروع من مجرد محطة للطاقة إلى عنصر سيادي في أمن المغرب الطاقي، وإلى ركيزة لجذب الصناعات التي أصبحت تشترط توفر كهرباء نظيفة ومستقرة قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
أما التمويل الذي خصصه البنك الإفريقي للتنمية لتطوير محور القنيطرة-مراكش، فهو لا يعكس فقط استمرار تحديث السكك الحديدية، بل يندرج ضمن إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمملكة. فالخطوط فائقة السرعة لم تعد مجرد وسيلة لنقل المسافرين، وإنما أصبحت أداة لإعادة توزيع الاستثمار، وتقليص الفوارق الزمنية بين المراكز الاقتصادية، وخلق فضاءات إنتاج جديدة حول محطات النقل الكبرى. ومن هذا المنطلق، فإن المشروع يتجاوز رهان كأس العالم 2030، ليؤسس لبنية تحتية ستحدد شكل الاقتصاد المغربي لعقود مقبلة.
ويكتسب هذا الورش بعداً إضافياً عندما يُقرأ في سياق التحولات العالمية التي تجعل من سرعة التنقل وكفاءة سلاسل التوريد عاملاً حاسماً في قرارات الشركات متعددة الجنسيات. فالمستثمر لم يعد يبحث فقط عن يد عاملة أقل كلفة، بل عن منظومة لوجستيكية متكاملة تقلص الزمن بين المصنع والأسواق العالمية.
وفي الاتجاه نفسه، يأتي استكمال تمويل المحطة الشرقية لميناء الناظور غرب المتوسط ليكشف أن المغرب لا يبني ميناءً إضافياً فحسب، بل يوسع شبكة مراكزه البحرية على الضفة الجنوبية للمتوسط. فبعد أن رسخ ميناء طنجة المتوسط مكانته بوصفه منصة عالمية للتجارة، يبدو أن المملكة تراهن على خلق منظومة موانئ مترابطة قادرة على استيعاب التحولات التي تعرفها حركة التجارة الدولية، خصوصاً في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتزايد أهمية الممرات البحرية القريبة من أوروبا وإفريقيا.
لكن القراءة “بين السطور” تقود إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: لماذا يتسابق المقرضون الدوليون إلى تمويل هذه المشاريع تحديداً؟
الجواب لا يرتبط فقط بثقة المؤسسات المالية في الاقتصاد المغربي، بل أيضاً بإدراكها أن المملكة أصبحت تمثل إحدى المنصات الصاعدة في معادلة إعادة توزيع الاستثمارات العالمية. فالمؤسسات المالية لا تمنح مئات الملايين بدافع المجاملة، بل لأنها تراهن بدورها على نجاح هذه المشاريع وقدرتها على خلق قيمة اقتصادية تضمن استرداد التمويلات، وهو ما يجعل القرض، في جانب منه، تصويتاً دولياً على جدوى النموذج الاقتصادي الذي يتبناه المغرب.
غير أن هذه القراءة المتفائلة لا تلغي جانباً آخر لا يقل أهمية. فحتى القروض الاستثمارية تحمل في طياتها مخاطر إذا لم تحقق المشاريع الممولة العائدات المنتظرة، أو إذا تأخرت آجال الإنجاز، أو تجاوزت الكلفة التقديرات الأصلية، أو لم تنعكس على النمو الحقيقي وفرص الشغل والإيرادات الضريبية. فالدين المنتج يمكن أن يتحول إلى عبء إذا تعطلت دورة الاستثمار أو أخفقت السياسات العمومية في تحويل البنية التحتية إلى قيمة اقتصادية مضافة.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يختزل في سؤال: “هل ارتفع حجم الدين؟”، بل في سؤال أكثر استراتيجية: “هل ترتفع بالموازاة قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة؟”. لأن معيار النجاح ليس حجم الاقتراض، وإنما حجم العائد الذي يولده هذا الاقتراض بعد سنوات.
وتكشف هذه التمويلات أيضاً عن تحول في فلسفة الدولة المغربية، التي أصبحت تعتبر البنية التحتية ليست مجرد خدمات عمومية، وإنما أدوات للتموقع الجيو-اقتصادي في عالم يتغير بسرعة. فالرهان لم يعد فقط على تعبيد الطرق أو بناء السكك أو توسيع الموانئ، بل على تحويل المغرب إلى منصة إقليمية للطاقة النظيفة، والصناعة، والخدمات اللوجستيكية، وربط أوروبا بإفريقيا عبر شبكة متكاملة من الممرات الاقتصادية.
وفي العمق، فإن هذه القروض لا تروي فقط قصة تمويل مشاريع، بل تحكي قصة دولة تخوض سباق الزمن لإعادة تموقعها داخل الاقتصاد العالمي، في لحظة تتنافس فيها الدول على احتضان الصناعات الجديدة، واستقطاب الاستثمارات، والتحكم في سلاسل الإمداد والطاقة.
ويبقى السؤال الذي سيحسم الجدل مستقبلاً ليس: كم اقترض المغرب؟ بل: كم أنتجت هذه القروض من ثروة، وكم خلقت من فرص شغل، وكم رفعت من قدرة الاقتصاد على تمويل نفسه؟ فهناك فقط يمكن التمييز بين دين يبني المستقبل، ودين يؤجل الأزمة.