ذات صلة

أحدث المقالات

من طنجة تبدأ الرسالة… لماذا يطرق السفير الأمريكي أبواب رجال الأعمال المغاربة الآن؟

لم يكن استقبال السفير الأمريكي لدى المملكة المغربية، ديوك...

ما بعد الدخان.. هل يتعلم الشرق الأوسط فن الهدوء أم يستريح قبل الحرب التالية؟

في السياسة، لا يكون الهدوء دائمًا علامة على انتهاء...

الطريق إلى السلام لا يمر بالحدود وحدها.. ماذا بعد تفاهمات لبنان وإسرائيل؟

لا يعرف الشرق الأوسط نزاعات قصيرة العمر. فالحروب هنا...

من طنجة تبدأ الرسالة… لماذا يطرق السفير الأمريكي أبواب رجال الأعمال المغاربة الآن؟

لم يكن استقبال السفير الأمريكي لدى المملكة المغربية، ديوك بوكان، لعدد من كبار الفاعلين الاقتصاديين ورؤساء المقاولات المغاربة داخل المفوضية الأمريكية بطنجة مجرد لقاء بروتوكولي يندرج ضمن أجندة السفارات المعتادة. ففي عالم الدبلوماسية الاقتصادية، لا تختار العواصم الكبرى توقيت تحركاتها ولا أماكنها بشكل اعتباطي، بل تبعث من خلالها رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز ما يرد في البلاغات الرسمية. ومن هنا، فإن اجتماع طنجة يبدو أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية المغربية الأمريكية، عنوانها الاستثمار قبل السياسة، والاقتصاد باعتباره اللغة الأكثر تأثيراً في رسم التحالفات الدولية.

اختيار مدينة طنجة يحمل في حد ذاته أكثر من دلالة. فالمدينة ليست مجرد قطب صناعي ولوجستي صاعد، بل تمثل البوابة الأطلسية والمتوسطية التي أعادت رسم خريطة الاقتصاد المغربي خلال العقدين الأخيرين. والأهم من ذلك أن اللقاء احتضنته المفوضية الأمريكية بطنجة، وهي أقدم بعثة دبلوماسية أمريكية خارج الولايات المتحدة، بما يجعل المكان نفسه جزءاً من الرسالة. فواشنطن لا تستحضر التاريخ هنا من باب الاحتفال بالماضي، وإنما لتقول إن أقدم علاقة دبلوماسية في تاريخها لا تزال قابلة لإنتاج مصالح جديدة تناسب اقتصاد القرن الحادي والعشرين.

وعندما يحرص السفير الأمريكي على الاجتماع برئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، فإن الرسالة لا تتوجه إلى المقاولات المغربية وحدها، بل أيضاً إلى المستثمر الأمريكي. فالمملكة أصبحت بالنسبة لواشنطن منصة إنتاج وتصدير نحو إفريقيا وأوروبا في آن واحد، بفضل بنيتها التحتية الحديثة، واتفاقياتها التجارية الواسعة، واستقرارها السياسي، وموقعها الجغرافي الذي جعل منها حلقة وصل بين ضفتي الأطلسي والمتوسط. لذلك، فإن الحديث عن “فتح آفاق جديدة للشراكة” لا يقتصر على رفع حجم المبادلات التجارية، بل يتعلق بإعادة تموقع الشركات الأمريكية داخل سلاسل القيمة العالمية انطلاقاً من المغرب.

لكن القراءة الأعمق تكشف أن هذا الحراك الاقتصادي يتجاوز الاقتصاد نفسه. فمنذ سنوات، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً أمنياً فقط، بل أصبح شريكاً في مشاريع التكنولوجيا المتقدمة، والصناعات المستقبلية، والطاقة، والبنيات التحتية، والذكاء الاصطناعي. وهذه القطاعات ليست مجرد استثمارات تجارية، وإنما أدوات لإعادة تشكيل النفوذ الاقتصادي في منطقة تعرف تنافساً متزايداً بين الولايات المتحدة والصين والقوى الدولية الأخرى. ولذلك، فإن تكثيف اللقاءات مع الفاعلين الاقتصاديين المغاربة يعكس رغبة أمريكية واضحة في تثبيت حضورها داخل الاقتصاد المغربي قبل أن تشتد المنافسة الدولية على الأسواق الإفريقية.

وإذا كان السفير الأمريكي قد اختار التأكيد، عبر حسابه الرسمي، على متانة العلاقات التاريخية التي تربط البلدين منذ أكثر من قرنين، فإن هذا الخطاب يحمل بدوره أكثر من مستوى للقراءة. ففي الظاهر، هو استحضار للتاريخ المشترك، أما في العمق فهو توظيف ذكي للرأسمال الرمزي للعلاقة المغربية الأمريكية من أجل منح الشرعية السياسية لتوسيع التعاون الاقتصادي. فالعلاقات التي تأسست على الاعتراف المبكر باستقلال الولايات المتحدة أصبحت اليوم تُترجم إلى شراكات في الاستثمار والابتكار والصناعة، بما يجعل التاريخ رصيداً اقتصادياً أكثر منه مجرد ذاكرة دبلوماسية.

ولا يمكن فصل هذا اللقاء عن الاحتفاء بمرور 250 سنة على العلاقات المغربية الأمريكية، وهي مناسبة اختارت واشنطن والرباط تحويلها من حدث رمزي إلى منصة لإطلاق مشاريع جديدة. فخلال الأشهر الأخيرة، كثفت الإدارة الأمريكية رسائلها حول الاستثمار في المغرب، وافتتحت قنصليتها الجديدة بالدار البيضاء باعتبارها إحدى أكبر منشآتها الدبلوماسية في إفريقيا، كما شددت على توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع المملكة، في مؤشر واضح على أن العلاقة الثنائية دخلت مرحلة مختلفة عنوانها الاقتصاد المنتج أكثر من المجاملات الدبلوماسية.

أما ما لا يقال مباشرة في هذا المشهد، فهو أن الولايات المتحدة تدرك أن المغرب يتجه إلى لعب دور محوري خلال السنوات المقبلة، سواء من خلال التحولات الصناعية التي يشهدها، أو عبر المشاريع الأطلسية الكبرى، أو استعداداته لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. وكلها أوراش تجعل المملكة نقطة جذب للاستثمارات العالمية، وهو ما يفسر حرص واشنطن على ترسيخ حضور شركاتها داخل هذه الدينامية قبل أن تتحول المنافسة الاقتصادية إلى سباق دولي مفتوح.

في النهاية، فإن لقاء طنجة لم يكن مجرد اجتماع بين سفير ورجال أعمال، بل كان إعلاناً دبلوماسياً بصيغة اقتصادية. فحين تتحرك السفارات نحو رجال الأعمال أكثر من السياسيين، فهذا يعني أن موازين القوة أصبحت تُقاس بحجم الاستثمارات، وقدرة الاقتصادات على إنتاج النفوذ، وليس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة. ومن هذه الزاوية، تبدو الرسالة الأمريكية واضحة: المستقبل بين الرباط وواشنطن لن يُكتب فقط في وزارات الخارجية، بل أيضاً داخل المصانع، ومراكز الابتكار، والموانئ، ومجالس إدارة الشركات. وهناك تحديداً، حيث تُصنع القوة الاقتصادية، يُعاد اليوم رسم الفصل الجديد من واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية في العالم.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img