ليست كل المشاركات الدولية تُقاس بعدد الكلمات التي تُلقى من على المنصات، ولا بعدد الصور التذكارية التي تُلتقط في قاعات المؤتمرات. ففي العلاقات الدولية، توجد تفاصيل صغيرة تحمل أحياناً دلالات أكبر من البيانات الرسمية نفسها. وعندما يُكلَّف ممثل للمغرب برئاسة وفود ثلاثين دولة خلال ندوة دولية بالصين، فإن الحدث لا يتوقف عند حدود بروتوكول تنظيمي، بل يتحول إلى مؤشر سياسي يستحق القراءة من زاوية أعمق: لماذا المغرب؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ وما الذي تقوله بكين للعالم من خلال هذه الإشارة؟
فالندوة الدولية، التي انعقدت في جمهورية الصين الشعبية تحت عنوان “الطريق إلى التحديث: الدروس المستفادة من النظرية والممارسة الصينية في مجال القضاء على الفقر”، لم تكن مجرد لقاء أكاديمي لتبادل التجارب التنموية، بل جاءت في سياق دولي تتنافس فيه القوى الكبرى على تصدير نماذجها في التنمية والحوكمة، بعدما أصبحت معركة النفوذ العالمي تُخاض بالاقتصاد والتكنولوجيا والتجارب الاجتماعية أكثر مما تُخاض بالقوة العسكرية وحدها.
وفي هذا السياق، تبدو مشاركة المغرب ذات دلالة تتجاوز مجرد الحضور. فالمملكة أصبحت خلال السنوات الأخيرة تحضر في أغلب المبادرات الدولية بوصفها دولة تمتلك تجربة خاصة في التنمية البشرية، والإصلاحات المؤسساتية، والتعاون جنوب-جنوب، وهي عناصر جعلتها تتحول تدريجياً من دولة تتلقى الخبرات إلى دولة يُنظر إليها باعتبارها شريكاً قادراً على نقل التجارب وتقاسمها مع بلدان أخرى، خاصة في إفريقيا.
لكن أكثر ما يستوقف في هذه المشاركة ليس فقط تمثيل المغرب، وإنما تكليف ممثله برئاسة وفود ثلاثين دولة مشاركة. ففي الأعراف الدبلوماسية، مثل هذه المسؤوليات لا تُمنح عادةً بصورة عشوائية، وإنما تُبنى على معايير تتعلق بالمصداقية والقدرة على إدارة الحوار، والقبول الدولي، والثقة التي تمنحها الدولة المنظمة للشخصية التي ستدير هذا التنوع الكبير من الوفود.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل كانت الصين تختار شخصاً، أم كانت تختار صورة دولة؟
الراجح أن الرسالة تتجاوز البعد الشخصي إلى الاعتراف بمكانة المغرب داخل شبكة العلاقات الدولية الجديدة التي تعمل بكين على بنائها. فمنذ سنوات، أصبحت المملكة إحدى أكثر الدول العربية والإفريقية حضوراً في المبادرات الصينية الكبرى، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، التي لا تنظر إليها الصين باعتبارها مشروعاً اقتصادياً فقط، بل باعتبارها أيضاً منصة لإعادة تشكيل موازين التعاون الدولي. وهنا يبرز المغرب كشريك يتمتع باستقرار سياسي ومؤسساتي، وبقدرة على الجمع بين العمق الإفريقي والانفتاح الأوروبي والعلاقات المتوازنة مع القوى الكبرى، وهي معادلة نادرة في البيئة الدولية الحالية.
وفي العمق، فإن اختيار موضوع القضاء على الفقر يحمل هو الآخر دلالات سياسية. فالصين تقدم نفسها اليوم للعالم باعتبارها صاحبة إحدى أكبر التجارب في إخراج مئات الملايين من دائرة الفقر، وتسعى إلى تحويل هذه التجربة إلى نموذج عالمي بديل للنماذج الغربية التقليدية في التنمية. لذلك، فإن استضافة مسؤولين وخبراء من مختلف القارات ليست مجرد عملية عرض لإنجازات داخلية، وإنما جزء من سياسة القوة الناعمة الصينية التي تقوم على تصدير الخبرة إلى جانب تصدير الاستثمار.
أما المغرب، فقد دخل هذا النقاش من موقع مختلف. فالمملكة راكمت بدورها تجربة خاصة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والإصلاحات الاجتماعية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، والاستثمارات الكبرى في البنيات التحتية، وهي ملفات جعلت المؤسسات الدولية تعتبر التجربة المغربية واحدة من أكثر التجارب توازناً في المنطقة، رغم استمرار تحديات الفوارق المجالية ومحاربة الهشاشة.
واللافت أن اللقاءات التي جرت مع كبار المسؤولين الصينيين لم تكن مجرد مجاملات بروتوكولية، بل تندرج ضمن دينامية أوسع تشهدها العلاقات المغربية الصينية منذ رفعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، والتي توسعت لتشمل الصناعة، والاستثمار، والطاقة، والبنيات التحتية، والتكنولوجيا، والصحة، والفلاحة، والتعليم، إضافة إلى المشاريع الصناعية الكبرى التي جعلت المغرب إحدى أبرز الوجهات الصينية في إفريقيا.
غير أن القراءة “بين السطور” تكشف بعداً آخر لا يظهر في البلاغات الرسمية. فالصين، وهي تعيد ترتيب أولوياتها الخارجية، تحتاج إلى شركاء يتمتعون بالاستقرار والقدرة على لعب دور إقليمي، بينما يحتاج المغرب إلى تنويع شراكاته الاقتصادية والاستراتيجية بعيداً عن منطق الارتهان لمحور واحد. لذلك، فإن العلاقة بين الرباط وبكين لم تعد قائمة فقط على تبادل المصالح التجارية، وإنما أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للعلاقات الدولية في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التعددية القطبية.




