لم تكن المواجهة المرتقبة بين المنتخبين المغربي والفرنسي في ربع نهائي كأس العالم مجرد محطة رياضية جديدة في مسار البطولة، بل تحولت منذ الإعلان عنها إلى حدث اجتماعي وسياسي وهوياتي يختبر واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل أوروبا: علاقة الجاليات المهاجرة بأوطانها الأصلية، وحدود الاندماج، وإشكالية الانتماء المزدوج. فحين يلتقي “أسود الأطلس” و”الديوك”، لا تتواجه مدرستان كرويتان فقط، بل تنفتح أسئلة ظلت كامنة لعقود حول الهوية والذاكرة والولاء، لتعود كرة القدم مرة أخرى إلى لعب دورها باعتبارها مرآة للمجتمعات أكثر من كونها مجرد لعبة.
فمن ظاهر الخطاب الإعلامي تبدو القضية بسيطة؛ جالية مغربية تقيم في فرنسا تعيش حيرة عاطفية بين البلدين. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الأمر يتجاوز بكثير ثنائية “من ستشجع؟”. فالسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو: لماذا تتحول مباراة في كرة القدم، كلما تعلق الأمر بالمغرب وفرنسا، إلى امتحان علني للهوية بالنسبة لملايين المواطنين من أصول مغربية؟
لقد أعادت وسائل الإعلام الفرنسية طرح السؤال التقليدي الذي رافق كل مواجهة بين المنتخبين منذ مونديال قطر 2022: هل تشجع فرنسا أم المغرب؟ لكنه سؤال يبدو في ظاهره بريئاً، بينما يحمل في عمقه افتراضاً ضمنياً مفاده أن الفرد مطالب باختيار أحد الانتماءين، وكأن الهوية لا تقبل التعدد، أو أن المواطنة تقتضي إلغاء الذاكرة.
وهنا تكمن المفارقة.
فأغلب الشهادات الصادرة عن فرنسيين من أصول مغربية لم تتحدث عن صراع بين وطنين، بل عن تكامل بين فضاءين شكلا حياتهم معاً؛ وطن منحهم الجذور، وآخر وفر لهم فضاء العيش والعمل والدراسة. ولذلك جاء التشبيه المتكرر بين “الأب والأم” معبراً عن استحالة الفصل العاطفي بين الطرفين، وليس عن وجود أزمة ولاء كما يحاول البعض تصويرها.
لكن ما يثير الانتباه أكثر هو أن أغلب التصريحات، رغم حرصها على التأكيد على احترام فرنسا، انتهت إلى النتيجة نفسها: القلب مع المغرب.
وهنا يبدأ التحليل الحقيقي.
فالانتماء الرياضي لا يخضع دائماً لمنطق الجنسية، بل لمنطق الذاكرة الجماعية. فالعلم الذي يرفعه أبناء الجالية، والأغاني التي يرددونها، وصور المدن المغربية التي يحتفظون بها في وجدانهم، كلها عناصر تعيد إنتاج شعور بالانتماء لا تستطيع الوثائق الإدارية أن تلغيه. ولذلك فإن دعم المنتخب المغربي لا يعني رفض فرنسا، بقدر ما يعكس استمرار الرابط الثقافي والوجداني مع الوطن الأم، حتى لدى الأجيال التي ولدت خارج حدوده.
وفي هذا السياق، تكتسب شهادة سائق الشاحنة المغربي المقيم بفرنسا دلالة تتجاوز بعدها الشخصي. فإعلانه أنه يحتفظ بالعلم المغربي داخل شاحنته استعداداً لتعليقه بعد الفوز المحتمل لا يعبر فقط عن فرحة رياضية منتظرة، بل يكشف كيف تتحول كرة القدم إلى مساحة رمزية يسمح فيها المهاجر لنفسه بإظهار هوية قد يخفيها في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تفرض ضرورات الاندماج أحياناً قدراً من التحفظ في التعبير عن الخصوصية الثقافية.
أما حديثه عن دور الأسرة في غرس حب المغرب لدى الأبناء، فيفتح باباً آخر للنقاش يتعلق بانتقال الهوية بين الأجيال. فالمعركة الحقيقية ليست داخل الملاعب، وإنما داخل البيوت، حيث يتقرر ما إذا كانت الأجيال الجديدة ستحتفظ بعلاقتها الرمزية مع بلد الأصل أم ستذوب بالكامل داخل المجتمع المضيف.
وهنا يظهر الدور الذي لعبه المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة.
فالنجاحات الرياضية المتتالية لم تعد تمنح المغاربة في الداخل فقط شعوراً بالفخر، بل أعادت أيضاً تشكيل علاقة ملايين أبناء المهجر بوطنهم. لقد تحول المنتخب إلى أحد أقوى أدوات القوة الناعمة المغربية، وأصبح وسيلة لإعادة وصل الأجيال الجديدة بالمغرب بطريقة ربما لم تحققها الخطابات السياسية أو البرامج الثقافية بنفس القوة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو تصريحات مسؤولي الجمعيات المغربية في فرنسا مجرد تعبير عن تشجيع منتخب وطني، وإنما تعكس وعياً بأن كرة القدم أصبحت إحدى أهم وسائل المحافظة على الهوية الجماعية داخل مجتمعات الهجرة. فالتجمع في “دار المغرب”، ورفع الأعلام، ومتابعة المباريات بشكل جماعي، كلها ممارسات تصنع شعوراً بالانتماء المشترك أكثر مما تصنعه المنافسة الرياضية نفسها.
ومن اللافت أيضاً أن المتحدثين استحضروا الجاليات المغربية في كندا والولايات المتحدة، حيث يتكرر المشهد نفسه رغم اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية. وهذه المقارنة تحمل رسالة واضحة مفادها أن الارتباط بالمغرب لا يرتبط بنظام قانوني أو بجنسية معينة، بل بثقافة وهوية تنتقل عبر الأسرة واللغة والذاكرة والرموز الوطنية.
أما الفنان الكوميدي جمال الدبوز، فقد وجد نفسه مرة أخرى أمام السؤال الذي يلاحق معظم الشخصيات العامة ذات الجنسية المزدوجة. امتناعه عن اختيار أحد المنتخبين، وتمنيه نهائياً يجمع المغرب وفرنسا، لم يكن مجرد محاولة للهروب من الإحراج، بل كان في حد ذاته موقفاً سياسياً واجتماعياً يرفض اختزال الهوية في خيار ثنائي حاد. إنه يعكس واقع ملايين المواطنين الذين يرفضون أن يُطلب منهم الاختيار بين جزءين من ذواتهم.
لكن خلف هذه الصورة الإنسانية، تختبئ قضية أعمق كثيراً.
فكلما برز المنتخب المغربي في المحافل الدولية، عاد النقاش داخل فرنسا حول الاندماج والانتماء والولاء الوطني، وكأن نجاح المغرب يعيد فتح ملفات لم تُحسم بعد داخل المجتمع الفرنسي نفسه. ولذلك فإن الضجيج الذي يسبق مثل هذه المواجهات لا يرتبط بنتيجة المباراة فقط، بل بما قد تكشفه المدرجات والشوارع والاحتفالات من مؤشرات حول علاقة الجالية المغربية ببلد الإقامة.
ومن هنا، فإن المباراة المقبلة ستختبر أكثر من جاهزية اللاعبين.
إنها ستختبر قدرة الرياضة على تحويل الاختلاف إلى احتفال مشترك بدل أن يصبح مادة للاستقطاب، كما ستختبر نضج الخطاب الإعلامي في التعامل مع مفهوم الهوية المركبة، بعيداً عن الأسئلة التي تختزل الإنسان في اختيار واحد بين وطنين.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة التي يحملها هذا اللقاء أبعد من كرة القدم نفسها.
فالمغاربة المقيمون في فرنسا لا يعيشون أزمة انتماء بقدر ما يعيشون ثراء انتمائين؛ أحدهما يمنحهم الجذور، والآخر يمنحهم فضاء الحياة. لكن عندما تُعزف النشيد الوطني المغربي، وتدخل الكرة دائرة العاطفة، يصبح من الطبيعي أن ينتصر القلب لذاكرته الأولى، دون أن يعني ذلك خسارة الوطن الذي احتضنهم.
ولهذا، فإن مباراة المغرب وفرنسا ليست مجرد تسعين دقيقة، بل لحظة تكشف أن الهوية الإنسانية أكثر تعقيداً من أن تختزل في سؤال واحد: “من تشجع؟” بل ربما يكون السؤال الأكثر دقة هو: كيف يستطيع الإنسان أن يحب وطنين في الوقت نفسه، دون أن يخون أياً منهما؟