ذات صلة

أحدث المقالات

من طنجة تبدأ الرسالة… لماذا يطرق السفير الأمريكي أبواب رجال الأعمال المغاربة الآن؟

لم يكن استقبال السفير الأمريكي لدى المملكة المغربية، ديوك...

من نينغشيا إلى الرباط… حين يتحول القضاء على الفقر إلى لغة دبلوماسية جديدة بين المغرب والصين

ليست كل المؤتمرات الدولية مجرد منصات لتبادل الكلمات، كما أن كل خطاب يُلقى في المحافل الدولية لا يُقاس فقط بما يتضمنه من عبارات دبلوماسية، بل بما يحمله من رسائل سياسية هادئة، وبما يكشفه من اتجاهات جديدة في العلاقات بين الدول. ومن هذا المنطلق، جاءت مشاركة نائب رئيس مجلس النواب، محمد والزين، في الندوة الدولية التي احتضنها إقليم نينغشيا بجمهورية الصين الشعبية يومي 8 و9 يوليوز 2026، لتتجاوز إطار حضور بروتوكولي في لقاء حول التنمية، وتتحول إلى محطة تعكس طبيعة التحول الذي تعرفه الشراكة المغربية الصينية، وانتقالها من منطق التعاون الاقتصادي التقليدي إلى فضاءات أوسع تتعلق بتبادل النماذج التنموية وصناعة الخبرة المشتركة.

فالندوة، التي اختارت عنوان “الطريق إلى التحديث: الدروس المستفادة من النظرية والممارسة الصينية في مجال القضاء على الفقر”، لم تكن مجرد مناسبة لاستعراض التجربة الصينية التي نجحت في انتشال مئات الملايين من دائرة الفقر، بل شكلت فضاءً لإعادة تعريف مفهوم التنمية في عالم يعيش على وقع أزمات اقتصادية واجتماعية متلاحقة. وهنا يبرز البعد الحقيقي للمشاركة المغربية؛ إذ لم يكتف محمد والزين بعرض التجربة الوطنية، بل قدمها باعتبارها جزءاً من رؤية تنموية متكاملة، تجعل الإنسان محور السياسات العمومية، وتربط التنمية بالاستقرار الاجتماعي والكرامة الإنسانية.

ولعل اختيار الوفود المشاركة أن يتحدث ممثل المغرب باسمها يحمل دلالة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية. ففي الأعراف الدولية، لا تُمنح الكلمة الجامعة اعتباطاً، وإنما تعكس مستوى الثقة والمكانة التي يحظى بها المتحدث داخل الفضاء الذي يجمع المشاركين. وهو ما يضيف بعداً رمزياً للمشاركة المغربية، ويؤشر إلى تنامي الحضور السياسي والدبلوماسي للمملكة داخل المنتديات الدولية التي لم تعد تقتصر على الملفات السياسية، بل أصبحت تشمل قضايا التنمية والحوكمة والتحول الاقتصادي.

وفي قراءته للتجربة الصينية، لم يتوقف نائب رئيس مجلس النواب عند الأرقام أو الإنجازات التقنية، بل سلط الضوء على العنصر الحاسم في نجاحها: الإرادة السياسية المصحوبة برؤية استراتيجية بعيدة المدى، وحكامة قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة. وهي رسالة غير مباشرة مفادها أن محاربة الفقر ليست رهينة الإمكانيات المالية وحدها، وإنما ترتبط أولاً بوجود مشروع دولة يمتلك الاستمرارية والقدرة على التنفيذ.

وفي المقابل، جاءت الإشارة إلى التجربة المغربية باعتبارها امتداداً لهذا الفهم؛ إذ استحضر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتبارها أحد أكبر المشاريع الاجتماعية التي أعادت تعريف علاقة الدولة بالفئات الهشة، قبل أن يربطها بالأوراش الكبرى التي تشهدها المملكة اليوم، وعلى رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، والدعم الاجتماعي المباشر، والإصلاحات الهادفة إلى تقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولم يكن الهدف من هذا العرض تقديم حصيلة حكومية، بقدر ما كان تثبيت صورة المغرب كدولة اختارت الاستثمار في الإنسان باعتباره المدخل الحقيقي للتنمية.

غير أن القراءة بين السطور تكشف بعداً آخر أكثر عمقاً. فالمغرب، وهو يعرض نموذجه أمام دولة بحجم الصين، لا يقدم نفسه كبلد يبحث عن وصفات جاهزة، وإنما كشريك يمتلك تجربة خاصة، وقادر في الوقت نفسه على الاستفادة من التجارب الدولية وتبادل الخبرات معها. إنها دبلوماسية جديدة لا تقوم على منطق “المتلقي” و”المانح”، بل على شراكة متكافئة بين نموذجين مختلفين، يجمعهما الإيمان بأن التنمية هي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ومن زاوية أوسع، تعكس هذه المشاركة اتساع أجندة العلاقات المغربية الصينية. فبعد سنوات ارتبط فيها التعاون بالاستثمارات والبنيات التحتية والطاقة والصناعة، بدأت العلاقات الثنائية تدخل مجالات أكثر حساسية وتأثيراً، من قبيل السياسات الاجتماعية، ومحاربة الفقر، والتنمية البشرية، والحوكمة. وهذا التحول يعني أن الشراكة بين الرباط وبكين لم تعد تقتصر على الاقتصاد، بل أصبحت تمس جوهر السياسات العمومية وصناعة الإنسان.

كما أن توقيت هذه الندوة يكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها النظام الدولي، حيث أصبحت نماذج التنمية موضوع تنافس بين القوى الكبرى، وأصبحت الدول تبحث عن شركاء يقدمون حلولاً عملية أكثر من الشعارات الإيديولوجية. وفي هذا السياق، يبدو المغرب حريصاً على تنويع شراكاته الدولية، والاستفادة من مختلف التجارب الناجحة دون أن يتخلى عن خصوصيته الوطنية أو عن اختياراته الاستراتيجية.

أما الدعوة التي ختم بها محمد والزين كلمته، والرامية إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات في مجال التنمية ومحاربة الفقر، فهي في ظاهرها دعوة للتنسيق، لكنها في عمقها تعبير عن فلسفة دبلوماسية جديدة تعتبر أن مواجهة الفقر لم تعد مسؤولية داخلية للدول، بل أصبحت قضية عالمية تستوجب بناء شبكات تعاون تتجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات السياسية.

وهكذا، فإن المشاركة المغربية في نينغشيا لا تختزل في كلمة ألقيت داخل قاعة مؤتمر، بل تعكس مساراً أوسع تتحرك فيه الدبلوماسية المغربية، حيث أصبحت التنمية البشرية، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفقر، أدوات للقوة الناعمة، تماماً كما أصبحت الاستثمارات والاتفاقيات الاقتصادية أدوات للتأثير الدولي. ومن هنا، فإن الرسالة الأبرز التي خرجت بها هذه الندوة هي أن المغرب لم يعد يكتفي بعرض تجربته أمام العالم، بل بات يقدم نفسه كشريك في صياغة النقاش الدولي حول مستقبل التنمية، في علاقة متنامية مع الصين تقوم على تبادل الخبرة، واحترام الخصوصيات، وبناء شراكة استراتيجية تتجاوز الاقتصاد إلى الإنسان نفسه.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img