ذات صلة

أحدث المقالات

بين “لاسيل سان كلو” وباريس الجديدة… هل يُعاد تأسيس الشراكة المغربية الفرنسية على أنقاض إرث 1955؟

بعد ما يقارب سبعة عقود على لحظة “لاسيل سان كلو” سنة 1955، تبدو العلاقات المغربية الفرنسية وكأنها تعود اليوم إلى نقطة إعادة التأسيس، لكن بشروط مختلفة تمامًا، وبموازين قوى لم تعد فيها باريس هي المركز الوحيد، ولا الرباط مجرد هامش في معادلات المتوسط. بين التاريخ والراهن، يتحرك ملف شائك ومعقد من التحالفات، كأنه يعاد تفكيكه وإعادة تركيبه من جديد، على إيقاع بطيء لكنه حاسم، تتداخل فيه الدبلوماسية بالدفاع، والسياسة بالاقتصاد، والرمزية التاريخية بحسابات الجغرافيا الاستراتيجية.

المباحثات التي جمعت في باريس بين عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، وكاترين فوتران، وزيرة الجيوش والمحاربين القدامى، لا يمكن قراءتها باعتبارها لقاءً تقنيًا عابرًا في معرض “يوروساتوري” للصناعات الدفاعية، بقدر ما تبدو حلقة ضمن سلسلة طويلة من إعادة ضبط الإيقاع السياسي بين البلدين. فالموضوع لم يعد مجرد تعاون عسكري كلاسيكي، بل انتقال تدريجي نحو إعادة تعريف مفهوم “الشراكة الاستراتيجية” ذاته، في زمن تتراجع فيه المعادلات القديمة وتُعاد فيه هندسة التحالفات.

في الخلفية، تتحرك دينامية سياسية أوسع، تتقدمها زيارة الدولة المرتقبة لـمحمد السادس إلى فرنسا، وما يرافقها من حديث متزايد داخل دوائر القرار عن إمكانية صياغة معاهدة جديدة، تتجاوز إرث اتفاقية “لاسيل سان كلو” التي وُقعت في منتصف الخمسينيات، حين كان العالم يعيش على إيقاع نهاية الاستعمار وبداية تشكل الدول الحديثة. اليوم، لا يتعلق الأمر فقط بإعادة تحديث إطار قانوني قديم، بل بمحاولة بناء هندسة جديدة للعلاقة، أكثر تعقيدًا، وأشد التصاقًا بمنطق المصالح المتبادلة بدل منطق الوصاية التاريخية.

لقاء باريس الأخير يكشف هذا التحول بوضوح. فالقضايا التي طُرحت لم تعد محصورة في صفقات السلاح أو التعاون التقني، بل امتدت إلى ما هو أعمق: نقل التكنولوجيا، تطوير الصناعات الدفاعية، بناء قدرات محلية، وإعادة تموضع المغرب داخل سلسلة الإنتاج العسكري بدل الاكتفاء بدور الزبون. هذا التحول في اللغة ليس تفصيلاً دبلوماسيًا، بل مؤشر على انتقال تدريجي من علاقة “اقتناء” إلى علاقة “تصنيع مشترك”، وهو ما يعكس بدوره تغيرًا في فلسفة الدولة المغربية تجاه مفهوم السيادة الاستراتيجية.

في هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل إقليمي لم يعد يعرّف نفسه فقط من خلال موقعه الجغرافي، بل من خلال قدرته على إعادة تشكيل هذا الموقع إلى منصة عبور بين فضاءات متداخلة: من الساحل إلى الأطلسي، ومن المتوسط إلى غرب إفريقيا. هذا التحول يمنحه قدرة تفاوضية مختلفة، ويضعه في موقع يسمح له بإعادة صياغة علاقاته مع شركائه التقليديين، ومن بينهم فرنسا، على أساس جديد أكثر توازنًا.

في المقابل، تبدو فرنسا نفسها أمام لحظة إعادة تموضع صعبة. فالتراجع النسبي لنفوذها في بعض مناطق إفريقيا، خصوصًا في فضاء الساحل، جعلها تبحث عن شركاء أكثر استقرارًا وموثوقية. وهنا يبرز المغرب ليس فقط كدولة شريكة، بل كمنصة جيوسياسية يمكن من خلالها إعادة ربط باريس بجزء من عمقها الإفريقي المفقود، في وقت تتغير فيه خرائط النفوذ التقليدية بسرعة غير مسبوقة.

لكن خلف هذا التقاطع في المصالح، هناك أيضًا حسابات أعمق تتجاوز البعد الثنائي. فملف الدفاع، الذي بدا في لقاء لوديي–فوتران في واجهة النقاش، يرتبط مباشرة بتحولات الأمن الإقليمي، من شمال إفريقيا إلى منطقة الساحل، وصولاً إلى التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني والهجرة غير النظامية وتوازنات الطاقة. بمعنى آخر، لم يعد الحديث عن “تعاون عسكري” منفصلًا عن مفهوم الأمن الشامل، الذي يدمج الاقتصاد بالتكنولوجيا بالاستقرار السياسي.

من جهة المغرب، يتقاطع هذا المسار مع تحول داخلي واضح في فلسفة بناء القوة. فالتحديث العسكري لم يعد مجرد تحديث للعتاد، بل مشروعًا أوسع يشمل التكوين، البحث العلمي، الصناعات الدفاعية، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية. هذا التوجه يعكس رغبة في الانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المنتج، ولو بشكل تدريجي، داخل منظومة أمنية دولية شديدة التعقيد.

أما من جهة باريس، فإن هذا التحول المغربي يُقرأ كفرصة أكثر منه مجرد ملف تعاون. فالمغرب بالنسبة لفرنسا ليس فقط شريكًا ثنائيًا، بل بوابة محتملة لإعادة بناء حضورها في إفريقيا، في لحظة تعيد فيها القارة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي والأمني بين قوى متعددة، بعضها تقليدي وبعضها صاعد. لذلك، فإن أي معاهدة مرتقبة لن تكون مجرد وثيقة دبلوماسية، بل محاولة لإعادة تعريف موقع فرنسا داخل فضاء دولي يتغير بسرعة.

غير أن ما يمنح هذا المسار ثقله الحقيقي هو الطابع التراكمي للتحضير له. فانعقاد اللجنة العليا المشتركة المرتقب في الرباط، ثم الزيارة الملكية المنتظرة، ليست سوى محطات في مسار أطول من إعادة صياغة العلاقة. وكل محطة من هذه المحطات تُستخدم كاختبار لمدى قدرة الطرفين على الانتقال من منطق التصريحات إلى منطق الالتزامات، ومن إدارة العلاقات إلى هندسة شراكة طويلة الأمد.

في العمق، يبدو أن ما يجري لا يتعلق فقط بعلاقة ثنائية بين دولتين، بل بإعادة تعريف موقع كل منهما داخل النظام الدولي نفسه. المغرب الذي يعيد بناء أدوات قوته بهدوء، وفرنسا التي تعيد البحث عن دورها خارج ظل التراجع النسبي لنفوذها التقليدي، يلتقيان اليوم عند نقطة تقاطع دقيقة، حيث تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد مباشر لمعادلات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا.

وهنا تحديدًا يطرح السؤال نفسه بإلحاح مختلف: هل نحن أمام تحديث لعلاقة تاريخية ممتدة منذ 1955، أم أمام لحظة قطيعة ناعمة تُعاد فيها كتابة قواعد اللعبة من جديد تحت عنوان “شراكة استراتيجية”، لكنها في الواقع تُخفي تحولات أعمق في ميزان القوة والموقع والدور؟

بين باريس والرباط، لا يبدو أن الإجابة قد حُسمت بعد، لكن المؤكد أن لغة العلاقات لم تعد هي نفسها، وأن ما كان يُدار سابقًا في كواليس الدبلوماسية، أصبح اليوم جزءًا من هندسة استراتيجية كبرى تُعاد صياغتها على مرأى من التاريخ، لا خارجه.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img