ذات صلة

أحدث المقالات

محمد الداودي يقرأ الحكومة من العيون: التمثيلية السياسية للأقاليم الجنوبية واختبار الإصلاح في الرياضة المغربية

التمثيلية الحكومية بين المشاركة الانتخابية والإنصاف السياسي لا تنطلق مداخلة...

من الوعود الاجتماعية إلى اختبار التنفيذ.. المنصوري تعرض برنامج الحكومة وتضع الصحراء المغربية في قلب الرهانات المقبلة

لم تجعل فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المغربية، من توسيع البرامج والاستثمارات عنواناً كافياً لنجاح الولاية الحكومية الجديدة، بل وضعت أمام مجلسي البرلمان معياراً أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمغاربة: ما الذي ستغيّره السياسات العمومية فعلياً في فرص الشغل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والسكن، وظروف العيش داخل مختلف مناطق المملكة؟

هذا التحول في لغة تقديم البرنامج الحكومي، خلال الجلسة المشتركة المنعقدة الاثنين 19 أكتوبر 2026، يكتسب أهميته من طبيعة الانتظارات التي تواجه الحكومة الجديدة. فالمطلوب لا يقتصر على مواصلة الأوراش القائمة أو إطلاق برامج إضافية، بل يشمل تحسين مردودية ما يُنفق من المال العام، وتقليص المسافة بين القرارات الحكومية والنتائج التي يلمسها المواطن. وقد ربطت المنصوري هذه الأولويات بضرورة الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى الارتقاء بجودة الخدمات، ومن قياس حجم الاستثمارات إلى تقييم مردوديتها، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها.

وتأتي هذه الرسائل في أول محطة دستورية كبرى للحكومة التي عُيّنت يوم 16 أكتوبر الجاري، بعد تكليف المنصوري بتشكيلها في 29 شتنبر. فالفصل 88 من الدستور يجعل عرض البرنامج أمام البرلمان مرحلة أساسية في مسطرة تنصيب الحكومة، على أن يخضع البرنامج للمناقشة داخل المجلسين، ثم للتصويت في مجلس النواب. وبذلك، لا يتعلق الأمر فقط بإعلان التوجهات العامة للولاية، بل بتقديم أساس سياسي وبرنامجي ستُقاس عليه مسؤولية الجهاز التنفيذي خلال السنوات المقبلة.

القدرة الشرائية والخدمات.. الأولويات التي يصعب تأجيل نتائجها

وضعت المنصوري التشغيل والقدرة الشرائية في مقدمة الرهانات الاجتماعية، وربطتهما بتحسين الصحة والتعليم وإمكانية الحصول على السكن وتقليص الفوارق المجالية. وهي ملفات تتقاطع في حياة الأسر المغربية؛ ففرصة العمل لا تُقاس بمجرد إحداث منصب، بل أيضاً باستقراره ودخله، كما أن توسيع التغطية الصحية لا يحقق الغاية كاملة إذا ظلت جودة العلاج أو سهولة الولوج إليه متفاوتتين بين المناطق والفئات الاجتماعية.

ولذلك، فإن حديث رئيسة الحكومة عن توجيه موارد الدولة نحو الأولويات التي يلمس المواطن أثرها المباشر يضع التنفيذ أمام اختبار متعدد المستويات. فالنتائج في مجال التشغيل تحتاج إلى فرص اقتصادية مستدامة، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية يستدعي موارد بشرية وتجهيزات وتدبيراً فعالاً، بينما يرتبط السكن بالقدرة المالية للأسر وبعرض العقار وشروط التمويل. أما العدالة المجالية، فتتجاوز توزيع المشاريع جغرافياً إلى ضمان استفادة السكان من خدمات وفرص متقاربة، بصرف النظر عن مكان إقامتهم.

ويظل الفارق قائماً بين إعلان هذه الأولويات وتحديد الوسائل التي ستجعلها قابلة للقياس. فالمعطيات الواردة في العرض تحدد اتجاه العمل الحكومي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حجم التحسن المنتظر أو توقيته. وستتوقف دقة التقييم على ما سيُعلن من أهداف رقمية، وآجال للتنفيذ، واعتمادات مالية، ومؤشرات تسمح بمقارنة النتائج بالالتزامات.

لا يتعلق الأمر بالتفصيل التقني وحده. فحين تختار الحكومة جعل المردودية معياراً لتقييم الاستثمار العمومي، فإنها تضع نفسها أمام ضرورة تفسير ما تحقق وما تعثر، وتحديد المسؤوليات عن الفارق بين الموارد المرصودة والنتائج المسجلة.

اقتصاد مغربي أمام تحولات دولية متسارعة

قدمت المنصوري تشخيصاً دولياً يقوم على تراجع الاستقرار، وتصاعد المنافسة، وتأثير التوترات الجيوسياسية في طرق التجارة والطاقة، واتجاه السياسات الحمائية إلى إعادة توطين سلاسل الإنتاج. كما ربطت التحول الرقمي والتقدم الصناعي بتغير طبيعة المهن ومصادر خلق القيمة المضافة، ونبهت إلى الضغوط المناخية المتزايدة على الموارد المائية والفلاحة والأمن الغذائي.

هذه العناصر ليست منفصلة عن الأولويات الاجتماعية التي تصدرت العرض. فالاضطرابات في التجارة والطاقة قد تنعكس على كلفة الإنتاج والأسعار، والتحولات الصناعية تعيد رسم شروط المنافسة على الاستثمارات وفرص الشغل، فيما يظل الماء عاملاً مؤثراً في النشاط الفلاحي وفي توازن المجالات القروية. وبذلك، تصبح السياسة الاقتصادية مطالبة بالتعامل مع النمو بوصفه مساراً يحتاج إلى قدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية، لا مجرد تحقيق مؤشرات إيجابية في ظرفية معينة.

وأشارت رئيسة الحكومة إلى مؤهلات المغرب، وفي مقدمتها القرب من الأسواق الأوروبية، والامتداد الإفريقي، والموقع الأطلسي، والاستقرار المؤسساتي، وتطور البنيات الأساسية، وتوفر قاعدة صناعية. وهي عناصر يمكن أن تعزز جاذبية المملكة للاستثمارات وتدعم صادراتها، غير أن تحويلها إلى فرص اقتصادية فعلية يظل مرتبطاً بقدرة المقاولات على المنافسة، وتكوين الكفاءات، وتطوير الابتكار، وتوفير شروط الإنتاج والتصدير.

فالموقع الجغرافي يمنح المغرب أفضلية، لكنه لا يحسم وحده المنافسة على الاستثمارات. كما أن استقطاب مشاريع صناعية جديدة لا يضمن تلقائياً توسيع أثرها على سوق الشغل أو توزيع منافعها على نطاق اجتماعي ومجالي واسع. ويتطلب ذلك معرفة مدى ارتباط الاستثمارات الجديدة بالمقاولات المحلية، وحجم القيمة المضافة التي تنتجها داخل البلاد، وفرص العمل التي توفرها، ومدى قدرتها على نقل الخبرة والتكنولوجيا.

والمنصوري، حين تحدثت عن مسؤولية الحكومة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في تحويل المؤهلات الوطنية إلى فرص للنمو وخلق الثروة، وضعت هذه المهمة ضمن مسؤولية مشتركة. لكن توزيع المسؤولية لا يلغي الدور المركزي للدولة في تهيئة شروط الاستثمار، وتبسيط المساطر، وتوفير البنيات والخدمات، وضمان تنافسية الاقتصاد، مع حماية التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

الصحراء المغربية.. السيادة والتنمية ضمن توجه واحد

في الملف الوطني، جددت رئيسة الحكومة التأكيد على مركزية الوحدة الترابية، وربطت مواصلة الدفاع عن سيادة المملكة ومصالحها بحشد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بالتوازي مع تسريع تنمية الأقاليم الجنوبية.

وتوقفت عند التطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن الدولي، ووصفتها بأنها محطة مهمة في مسار القضية. غير أن تقدير الأثر الدبلوماسي لأي قرار يقتضي الرجوع إلى نصه الرسمي ومضمونه الدقيق، والتمييز بين ما يتضمنه من مقتضيات وما يمكن استخلاصه من دلالات سياسية. ولا يكفي وصف التطور بأنه محطة مهمة وحده لتحديد مآلات الملف أو اعتبار مسار التسوية قد حُسم نهائياً.

أما على مستوى التوجه الحكومي، فقد جمعت المنصوري بين مواصلة الدفاع عن السيادة المغربية وتسريع وتيرة التنمية في الأقاليم الجنوبية. ويعكس هذا الربط تصوراً يعتبر التنمية جزءاً من تثبيت الاندماج الوطني وتعزيز موقع المملكة في محيطها الإقليمي، وليس مجرد ملف اقتصادي منفصل عن قضية الوحدة الترابية.

وقدمت الأقاليم الجنوبية باعتبارها مجالاً استراتيجياً لامتداد المغرب نحو عمقه الإفريقي وفضائه الأطلسي. وهذا البعد يكتسب وزناً في ضوء ما يتيحه الموقع من إمكانات للتبادل التجاري والربط اللوجستيكي وتطوير الأنشطة الاقتصادية. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج مستدامة يستدعي استمرار الاستثمار في البنيات الأساسية، وتعزيز الخدمات العمومية، وتوسيع فرص العمل، وضمان استفادة السكان بالأقاليم الجنوبية للمملكة من ثمار التنمية.

ويبقى التحدي العملي في تحديد ما ستضيفه الولاية الجديدة إلى ما أُنجز بالفعل، وكيف ستُترجم الأولويات المعلنة إلى مشاريع وموارد وآجال واضحة، بما يسمح بتقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب أثرها في تعزيز الاندماج الترابي.

الثوابت الوطنية والسياسة الخارجية

وضعت المنصوري برنامج الحكومة ضمن مرجعيات تشمل الدين الإسلامي السمح، والملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية، والوحدة الوطنية والترابية، والاختيار الديمقراطي، وصيانة التعدد الثقافي واللغوي، واحترام الحقوق والحريات، وتعزيز تكافؤ الفرص. كما أكدت مركزية التوجيهات الملكية في تحديد مرجعيات العمل الحكومي وأولوياته.

ويعني هذا التأطير أن البرنامج المعروض لا يقدم نفسه باعتباره مجموعة من التدابير القطاعية فقط، بل باعتباره عملاً حكومياً يتحرك ضمن الثوابت الدستورية والوطنية للمملكة، مع مواصلة الإصلاحات والأوراش القائمة.

وفي ما يخص القضية الفلسطينية، أكدت رئيسة الحكومة تمسك المغرب بموقفه الداعم للقضية الفلسطينية والقدس الشريف، وبالتسوية السلمية القائمة على حل الدولتين باعتبارها السبيل إلى سلام عادل ودائم. ويضع هذا الموقف القضية الفلسطينية ضمن الملفات التي تواصل المملكة التعبير عن ثوابتها بشأنها، في انسجام مع توجهاتها المعلنة في السياسة الخارجية.

لكن عرض المرجعيات والمواقف يظل مختلفاً عن قياس كيفية تنزيلها. فالمطلوب في العمل الحكومي هو أن تنعكس المبادئ المعلنة على القرارات والسياسات والبرامج، مع احترام الاختصاصات الدستورية والمؤسساتية لكل جهة.

من تقديم البرنامج إلى المساءلة البرلمانية

تبدأ المرحلة التالية من المسطرة الدستورية بمناقشة البرنامج الحكومي داخل مجلسي البرلمان، قبل التصويت عليه في مجلس النواب وفق الفصل 88 من الدستور. وستوفر هذه المناقشات فرصة لفحص الالتزامات المعلنة، ومطالبة الحكومة بتوضيح أهدافها ووسائل تنفيذها، ومناقشة قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.

ويأتي ذلك في وقت تتقاطع فيه مطالب تحسين القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات العمومية مع رهانات الاستثمار والتنافسية والتكيف مع التحولات المناخية والدولية. وستكون الحكومة مطالبة بالتوفيق بين هذه الملفات ضمن موارد مالية محدودة بحكم طبيعتها، وباختيارات تحدد ترتيب الأولويات وتوزيع الاعتمادات.

عرضت المنصوري اتجاهات العمل الحكومي خلال السنوات الخمس المقبلة، وحددت المجالات التي تريد أن تجعلها في صدارة الأداء التنفيذي. أما الحكم على قدرة هذه التوجهات على تغيير حياة المغاربة، فسيحتاج إلى ما ستقدمه الحكومة من التزامات قابلة للقياس، وما ستخصصه لها من موارد، وما سيظهر في التنفيذ من نتائج يمكن للبرلمان والرأي العام متابعتها ومساءلة المسؤولين عنها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img