لم يعد السؤال الرئيسي في الشرق الأوسط اليوم هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى طاولة التفاوض، بل ما إذا كانت المفاوضات الجارية قادرة على منع جولة جديدة من المواجهة العسكرية. فقد دخل الصراع الأمريكي – الإيراني مرحلة شديدة الحساسية، تجمع بين تهدئة هشة على الأرض ومواجهة سياسية واستراتيجية محتدمة خلف الأبواب المغلقة.
وتشير غالبية التحليلات الصادرة عن وكالة الأنباء البريطانية رويترز ومراكز الدراسات الغربية إلى أن الملف النووي الإيراني أصبح مرة أخرى العقدة المركزية التي ستحدد مستقبل العلاقة بين الطرفين خلال الأشهر المقبلة. فقد كشفت رويترز أن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب تحول إلى “ورقة القوة الأهم” في المفاوضات الحالية، إذ ترى واشنطن أن التخلص من هذا المخزون يمثل شرطًا أساسيًا لأي اتفاق دائم، بينما تعتبره طهران ضمانة استراتيجية لا يمكن التفريط بها بسهولة.
معركة اليورانيوم.. جوهر الأزمة الحالية
وفقًا لما نقلته رويترز عن مصادر إيرانية مطلعة، فإن القيادة الإيرانية الجديدة أبلغت المؤسسات المعنية بوضوح أن اليورانيوم المخصب يجب أن يبقى داخل الأراضي الإيرانية، وهو ما يمثل تحديًا مباشرًا لأحد أبرز المطالب الأمريكية. وأكدت المصادر أن التوجه السائد داخل دوائر صنع القرار في طهران يقوم على أن إخراج هذا المخزون إلى الخارج سيجعل إيران أكثر عرضة للضغوط أو الهجمات مستقبلًا.
في المقابل، شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأيام الماضية على أن الولايات المتحدة لن تقبل بقاء هذا المخزون تحت السيطرة الإيرانية، بل تعتزم العمل على استعادته أو تدميره ضمن أي اتفاق نهائي. وأشارت رويترز إلى أن هذا الملف بات يمثل الخط الأحمر الأهم للإدارة الأمريكية الحالية، خصوصًا بعد التقديرات التي تفيد بأن جزءًا كبيرًا من المخزون الإيراني نجا من الضربات العسكرية السابقة.
ويرى عدد من الباحثين في مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية والأوروبية أن الخلاف حول اليورانيوم لم يعد مجرد خلاف فني متعلق بالبرنامج النووي، بل أصبح قضية ترتبط بمفهوم الردع والهيبة الوطنية لدى الطرفين. فواشنطن تعتبر التنازل الإيراني اختبارًا لجدية طهران، بينما تنظر إيران إلى الاحتفاظ بالمخزون باعتباره ضمانة أمنية في مواجهة أي ضغوط مستقبلية.
تهدئة هشة وتهديدات عسكرية مستمرة
ورغم استمرار المسار التفاوضي، فإن لغة التهديد لم تختفِ من المشهد. فقد نقلت رويترز عن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث تأكيده أن القوات الأمريكية مستعدة لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران إذا فشلت المفاوضات الجارية في التوصل إلى اتفاق مقبول. وأضاف أن الجيش الأمريكي يحتفظ بقدرات عسكرية كافية في المنطقة تمكنه من تنفيذ ضربات جديدة عند الضرورة.
ويعكس هذا التصريح ما يصفه خبراء الأمن الدولي بسياسة “العصا والجزرة” التي تتبعها واشنطن حاليًا؛ إذ تحاول الإدارة الأمريكية استثمار الضغوط العسكرية السابقة للحصول على تنازلات استراتيجية خلال المفاوضات، دون الانزلاق مجددًا إلى حرب مفتوحة قد تكون مكلفة سياسيًا واقتصاديًا.
وتشير تقديرات مراكز الأبحاث الغربية إلى أن الولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة جديدة مع إيران لن تكون مشابهة للمواجهات السابقة، خاصة في ظل استمرار امتلاك طهران لقدرات صاروخية وطائرات مسيرة وشبكات نفوذ إقليمية قادرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي وحركة الملاحة البحرية.
هل تراجعت أهداف واشنطن؟
واحدة من أبرز النقاط التي تناولتها الصحف الدولية خلال الأيام الأخيرة تتعلق بالتحول الملحوظ في الأهداف الأمريكية. فقد نشرت صحيفة الغارديان تحليلًا اعتبر أن الإدارة الأمريكية انتقلت تدريجيًا من أهداف واسعة النطاق كانت تشمل إضعاف النظام الإيراني بصورة جذرية وتقليص قدراته الاستراتيجية، إلى هدف أكثر محدودية يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي وضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية.
ويرى محللون غربيون أن هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا داخل واشنطن لصعوبة فرض حلول قصوى على إيران، خاصة بعد أن أظهرت الأحداث الأخيرة قدرة طهران على الصمود السياسي والعسكري والاحتفاظ بأوراق تفاوضية مهمة.
وفي هذا السياق، يعتقد خبراء العلاقات الدولية أن المفاوضات الحالية تشبه إلى حد بعيد العودة إلى منطق الاتفاق النووي لعام 2015، وإن كان بصيغة مختلفة وأكثر تشددًا من الجانب الأمريكي. فجوهر النقاش ما زال يدور حول مستويات التخصيب وآليات الرقابة الدولية ومستقبل العقوبات الاقتصادية.
طهران تناور وواشنطن تبحث عن ضمانات
اللافت في الموقف الإيراني أن طهران تحاول الموازنة بين إظهار المرونة والحفاظ على خطوطها الحمراء. فقد نقلت رويترز عن مسؤولين إيرانيين أن الجمهورية الإسلامية لم توافق حتى الآن على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وأن هذه القضية لم تُحسم ضمن التفاهمات الأولية الجاري بحثها مع واشنطن.
ويرى باحثون في مراكز الدراسات الآسيوية والروسية أن إيران تتبع استراتيجية تفاوضية تقوم على كسب الوقت وتعظيم المكاسب الاقتصادية الممكنة، خصوصًا فيما يتعلق بتخفيف العقوبات وعودة صادرات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على ضمانات يمكن تقديمها داخليًا باعتبارها إنجازًا استراتيجيًا يمنع تحول إيران إلى دولة على عتبة السلاح النووي. ولذلك تبدو المفاوضات الحالية وكأنها صراع بين رؤيتين مختلفتين للأمن الإقليمي أكثر من كونها مجرد خلاف حول برنامج نووي.
المرحلة المقبلة: تسوية تاريخية أم أزمة جديدة؟
إجمالًا، تشير معظم التقديرات الصادرة عن وكالات الأنباء الدولية والخبراء الاستراتيجيين إلى أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة. فهناك مؤشرات واضحة على رغبة الطرفين في تجنب التصعيد المباشر، لكن حجم الخلافات حول اليورانيوم المخصب والعقوبات وآليات الرقابة الدولية ما زال كبيرًا للغاية.
ويرى مراقبون أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تمديد التهدئة الحالية ومنح المفاوضات وقتًا إضافيًا، غير أن خطر الانهيار يبقى قائمًا إذا فشل الطرفان في التوصل إلى صيغة وسط تحفظ ماء الوجه لكل منهما. ولذلك يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مفترق طرق استراتيجي: إما اتفاق قد يعيد رسم التوازنات الإقليمية لسنوات مقبلة، أو عودة إلى دائرة التصعيد التي تهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي بأسره.



