في خضمّ تصعيد عسكري غير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، يطفو على السطح تصدعٌ سياسي داخل المعسكر الغربي نفسه، بعدما فجّر Donald Trump هجومًا لاذعًا على NATO، واصفًا إياه بـ”النمر من ورق” و”الجبناء”. لكن خلف هذه التصريحات الصاخبة، تختبئ أزمة أعمق: هل ما نشهده هو مجرد خلاف تكتيكي حول حرب محدودة، أم بداية تحوّل استراتيجي في بنية التحالفات الدولية؟
من الناحية الظاهرة، تبدو الأزمة مرتبطة برفض دول أوروبية الانخراط عسكريًا في الحرب ضد Iran، رغم الضغوط الأمريكية. غير أن القراءة التحليلية تكشف أن الموقف الأوروبي لا ينبع فقط من حسابات أخلاقية أو قانونية، بل من إدراك متزايد لكلفة الانجرار وراء حروب لا تخدم بالضرورة المصالح المباشرة للقارة العجوز. فالتجارب السابقة، من العراق إلى أفغانستان، رسّخت قناعة بأن “التبعية الأمنية” لواشنطن لم تعد خيارًا مريحًا.
تصريحات Emmanuel Macron، التي شددت على أولوية القانون الدولي ورفض التصعيد، تعكس هذا التحول الأوروبي نحو نوع من “الاستقلال الاستراتيجي”. فباريس، مثل برلين، تدرك أن أي انفجار شامل في الخليج سيضرب مباشرة العمق الاقتصادي الأوروبي، خاصة عبر شريان الطاقة العالمي: Strait of Hormuz، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط.
أما في العمق، فإن دعوة ترامب لحلفائه لتأمين الملاحة في المضيق تكشف مفارقة لافتة: الولايات المتحدة، التي بادرت بالتصعيد العسكري دون تنسيق مسبق، تحاول الآن “تدويل كلفة الحرب” عبر إشراك الآخرين في تأمين تبعاتها. هنا تتجلى معادلة القوة الجديدة: من يملك قرار الحرب لا يملك بالضرورة القدرة على تحمل كلفتها وحده.
اقتصاديًا، بدأت ملامح الأزمة تتسلل إلى حياة المواطنين، حتى في دول بعيدة جغرافيًا عن مسرح العمليات. فارتفاع أسعار النفط، الذي ربطه ترامب بإغلاق أو تهديد الملاحة في هرمز، ينعكس مباشرة على أسعار النقل، والمواد الأساسية، وسلاسل الإمداد العالمية. بالنسبة للمواطن المغربي، على سبيل المثال، قد يظهر ذلك في شكل زيادات جديدة في المحروقات، مما يضغط على القدرة الشرائية ويعيد طرح أسئلة قديمة حول هشاشة النموذج الطاقي والاعتماد على الخارج.
لكن ما هو أخطر من ذلك، هو البعد الجيوسياسي المضمر: تآكل الثقة داخل NATO نفسه. فحين يصف رئيس أمريكي حلفاءه بـ”الجبناء”، فإن ذلك لا يعبّر فقط عن غضب ظرفي، بل عن أزمة ثقة بنيوية قد تعيد رسم خطوط التحالفات. أوروبا، التي تشعر بأنها وُضعت أمام أمر واقع، قد تجد نفسها مضطرة لتسريع مشاريع الدفاع المشترك، بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
في المقابل، تحاول دول مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا الموازنة بين التزاماتها الأطلسية ومصالحها الوطنية، عبر دعم “أمن الملاحة” دون الانخراط المباشر في الحرب. وهو موقف رمادي يعكس حرجًا سياسيًا: كيف يمكن الحفاظ على التحالف مع واشنطن دون دفع ثمن حرب لم يتم التشاور بشأنها؟
في النهاية، لا يمكن قراءة تصريحات Donald Trump بمعزل عن هذا السياق المركّب. فهي ليست مجرد “خطاب شعبوي”، بل مؤشر على إعادة تعريف دور الولايات المتحدة داخل النظام الدولي: من قائد للتحالفات إلى طرف يطالب الآخرين بدفع ثمن قيادته. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن—سواء في أوروبا أو المغرب أو أي مكان آخر—أول من يدفع الفاتورة، في شكل غلاء، وعدم استقرار، وأسئلة مفتوحة حول مستقبل عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الفوضى المنظمة.



