لم يكن التحول هذه المرة مجرد مصافحة بروتوكولية بين وزيري خارجية، ولا مجرد بيان دبلوماسي يُضاف إلى أرشيف العلاقات العربية. فحين تعلن دمشق، التي ارتبط اسمها لعقود بمواقف مغايرة تجاه قضية الصحراء، دعمها الصريح للوحدة الترابية للمغرب وتأييدها لمبادرة الحكم الذاتي، فإن الأمر يتجاوز لغة المجاملات السياسية إلى إعادة رسم خرائط التوازنات داخل المنطقة العربية نفسها. ذلك أن بعض المواقف في السياسة لا تُقاس بما يُقال فقط، بل بما يعنيه توقيتها، وبما يكشفه تغيرها من تحولات أعمق داخل الإقليم.
لقاء وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره السوري أسعد الشيباني في الرباط لم يكن حدثا معزولا عن سياق إقليمي واسع يشهد إعادة تموقعات متسارعة، بعد سنوات من الانقسامات والحروب الباردة العربية. فدمشق، التي خرجت تدريجيا من دائرة العزلة، تبدو اليوم وكأنها تعيد ترتيب أولوياتها السياسية وفق منطق جديد يقوم على البراغماتية، وعلى البحث عن شركاء قادرين على منحها منفذا سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا نحو فضاءات أوسع.
وفي هذا السياق، لم يعد المغرب بالنسبة إلى عدد من العواصم العربية مجرد دولة في أقصى الغرب العربي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى فاعل إقليمي يملك قدرة متزايدة على بناء التوازنات، سواء عبر حضوره في إفريقيا، أو من خلال شبكات شراكاته الاقتصادية والأمنية، أو عبر موقعه داخل معادلات الوساطة والاستقرار. لذلك فإن التقارب السوري المغربي لا يمكن قراءته فقط من زاوية قضية الصحراء، بل أيضا من زاوية إدراك دمشق أن الرباط أصبحت بوابة استراتيجية نحو العمق الإفريقي، ونحو فضاءات دبلوماسية لم تعد سوريا قادرة على الوصول إليها بسهولة بعد سنوات الحرب والعقوبات والتوترات الإقليمية.
التحول السوري يحمل أيضا بعدا رمزيا ثقيلا، لأن دمشق كانت لسنوات طويلة من أبرز العواصم التي احتضنت أطروحة “البوليساريو”، سواء عبر المواقف السياسية أو من خلال فتح قنوات التواصل مع الجبهة الانفصالية. لذلك فإن إعلان احترام سيادة المغرب على كامل أراضيه لا يمثل فقط تغيرا في الخطاب، بل يكشف عن مراجعة أوسع داخل السياسة الخارجية السورية تجاه ملفات ظلت لعقود مرتبطة بمحاور إقليمية معينة. وكأن سوريا تقول بشكل غير مباشر إن مرحلة الاصطفافات القديمة بدأت تتآكل أمام منطق المصالح وإعادة التموضع.
#الصحراء_المغربية : أكدت الجمهورية العربية السورية، على لسان وزير خارجيتها السيد أسعد حسن الشيباني، على احترامها الكامل للوحدة الترابية للمملكة المغربية وسيادتها على أراضيها pic.twitter.com/idB2O527l6
— الدبلوماسية المغربية 🇲🇦 (@MarocDiplo_AR) May 14, 2026



