لا تدخل الأمم – إذا اعتبرنا إسرائيل أمة – صناديق الاقتراع في كل مرة وهي تبحث عن حكومة جديدة؛ ففي بعض اللحظات الفاصلة، تذهب إلى الانتخابات وهي تبحث عن تفسير لما حدث لها، أو عن معنى جديد لوجودها. وتبدو إسرائيل اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة التي لا يُختبر فيها مصير حكومة أو ائتلاف، بل تُختبر فيها الأسس التي قام عليها المشروع السياسي والأمني للدولة منذ نشأتها.
فانتخابات السابع والعشرين من أكتوبر لا تُقرأ بوصفها استحقاقًا دوريًا في نظام برلماني اعتاد تداول السلطة داخل نطاق ضيق، وإنما بوصفها أول مواجهة سياسية شاملة بعد الزلزال الذي أحدثه هجوم السابع من أكتوبر 2023، وهو الحدث الذي لم يغيّر خرائط المواجهة العسكرية فحسب، بل زعزع يقينًا إسرائيليًا استقر لعقود بأن التفوق الاستخباري والتكنولوجي قادر على ضمان الأمن، وأن الصراعات يمكن احتواؤها إلى أجل غير مسمى من دون تسويات سياسية كبرى.
ولذلك، فإن الملفات المطروحة أمام الناخب الإسرائيلي، من لجنة التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، إلى مستقبل العقيدة الأمنية، ومن أزمة تجنيد الحريديم، إلى الضغوط الاقتصادية، ليست قضايا منفصلة تتنافس عليها الأحزاب في حملاتها الانتخابية، بل هي وجوه متعددة لأزمة واحدة تعيشها الدولة الإسرائيلية. إنها أزمة تتعلق بالسؤال الأكثر حساسية في تاريخها الحديث: هل ما زالت إسرائيل قادرة على إدارة بيئتها الإقليمية وفق القواعد التي صاغتها منذ نهاية القرن العشرين، أم أن المنطقة فرضت عليها معادلة جديدة تجعل الأمن أكثر كلفة، والسياسة أكثر تعقيدًا، والمستقبل أقل يقينًا؟
من هنا، فإن قراءة الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تبدأ من أسماء المرشحين أو استطلاعات الرأي، بل من التحولات العميقة التي أصابت بنية الدولة، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالقيادة السياسية، وصورة إسرائيل في العالم، وحدود القوة في إقليم دخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة. ففي مثل هذه اللحظات، لا تكون صناديق الاقتراع مجرد وسيلة لاختيار حكومة، بل مرآة تعكس حجم التحولات التي أصابت المجتمع، ومؤشرًا على الاتجاه الذي قد تسلكه الدولة في السنوات المقبلة.
سقوط اليقين
طوال عقود، بنت إسرائيل مشروعها السياسي على ثلاثة يقينات كبرى:
الأول أن جهازها الاستخباري قادر على رؤية ما لا يراه الآخرون.
والثاني أن الردع العسكري يمنع الخصوم من التفكير في الحرب.
أما الثالث فهو أن المعركة، إذا اندلعت، ستكون قصيرة، تنتهي قبل أن تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي.
ثم جاء السابع من أكتوبر ليهدم هذه اليقينات دفعة واحدة.
فلم تفشل الاستخبارات في التقدير فقط، بل فشلت الدولة كلها في قراءة خصم كانت تراقبه منذ سنوات.
ولم يكن حجم المفاجأة عسكرياً فقط، بل نفسياً أيضاً.
لقد اكتشف الإسرائيلي، للمرة الأولى منذ عقود، أن التفوق العسكري لا يمنع اختراق الحدود، وأن التكنولوجيا لا تعوض غياب التقدير السياسي، وأن الأمن ليس معادلة رياضية يمكن ضمان نتائجها مسبقاً.
ولهذا، فإن السابع من أكتوبر لا يُنظر إليه داخل إسرائيل باعتباره عملية عسكرية فحسب، بل باعتباره لحظة كسرت صورة الدولة التي لا تُهزم.
الدولة التي فقدت احتكار الرواية
بعد كل حرب كبرى خاضتها إسرائيل، كانت الحكومات تخرج برواية واحدة، تفرضها على المجتمع، ثم تتحول تدريجياً إلى جزء من الذاكرة الوطنية.
لكن هذه المرة، تبدو الروايات أكثر من أن تُحصى.
المؤسسة العسكرية تشير إلى إخفاقات سياسية.
والحكومة تحمل الأجهزة الأمنية مسؤولية التقصير.
والمعارضة ترى أن الأزمة بدأت قبل الحرب بسنوات، مع الانقسام الداخلي الذي عمّقته التعديلات القضائية.
أما المجتمع الإسرائيلي، فلم يعد يكتفي بالروايات الرسمية، بل أصبح يطالب بلجنة تحقيق مستقلة، على غرار لجنتي أغرنات بعد حرب أكتوبر 1973، ووينوغراد بعد حرب لبنان الثانية عام 2006.
وليس من قبيل المصادفة أن تتحول لجنة التحقيق إلى أحد أهم عناوين الانتخابات المقبلة.
فالقضية لم تعد قانونية، بل أصبحت سياسية وأخلاقية.
إنها تتعلق بحق المجتمع في معرفة كيف انهارت منظومة قيل له طوال سنوات إنها الأقوى في الشرق الأوسط.
نتنياهو.. الزعيم الذي تحوّل إلى القضية
في تاريخ الزعماء، هناك لحظة يصبح فيها الرجل أكبر من الحزب.
ثم تأتي لحظة أخرى يصبح فيها الحزب أسيراً للرجل.
ويبدو أن بنيامين نتنياهو بلغ هذه المرحلة.
فالرجل الذي هيمن على الحياة السياسية الإسرائيلية لأكثر من عقد ونصف، لم يعد مجرد رئيس حكومة، بل أصبح محور الانقسام الوطني.
أنصاره يرونه القائد الذي حافظ على قوة إسرائيل، ووسّع علاقاتها الإقليمية، وقاد المواجهة مع إيران.
أما خصومه، فيرون أنه أصبح عبئاً على الدولة، وأن بقاءه في السلطة بات هدفاً يتقدم على مصلحة المؤسسات.
ولذلك، فإن الانتخابات المقبلة ليست استفتاءً على سياسات الليكود وحدها، وإنما استفتاء على حقبة كاملة ارتبطت باسم نتنياهو.
حرب غيّرت معنى الأمن
بعد السابع من أكتوبر، لم تعد إسرائيل تتحدث عن “إدارة الصراع”.
هذا المفهوم الذي ساد لسنوات، وقام على احتواء الخصوم دون القضاء عليهم، يبدو اليوم في طريقه إلى التراجع.
فالحكومة الحالية تتحدث عن مناطق أمنية دائمة في غزة، واستمرار الوجود العسكري في جنوب لبنان، وترسيخ السيطرة على مناطق في سوريا، وتوسيع العمليات في الضفة الغربية، والإبقاء على خيار الضربات الوقائية ضد إيران وحلفائها.
بمعنى آخر، فإن العقيدة الأمنية الإسرائيلية انتقلت من منع الحرب إلى إدارة حالة الحرب الدائمة.
وهذا التحول ليس تفصيلاً عسكرياً.
إنه تحول يمس الاقتصاد، والتعليم، وسوق العمل، والاستثمار، والديموغرافيا، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
لقد أصبحت الحرب، للمرة الأولى منذ قيام إسرائيل، جزءاً من الحياة اليومية، لا حدثاً استثنائياً ينتهي خلال أيام أو أسابيع.
مجتمع بدأ يراجع نفسه
لا توجد دولة تستطيع أن تعيش في حالة تعبئة مفتوحة إلى ما لا نهاية.
استدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط مرات متكررة، وتعطل قطاعات الإنتاج، وارتفاع الإنفاق العسكري، وتراجع الاستثمار، كلها عوامل بدأت تفرض أسئلة جديدة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وليس من قبيل المصادفة أن تتحول الانتخابات إلى ساحة نقاش حول الاقتصاد، والخدمة العسكرية، ومستقبل الدولة، أكثر من كونها نقاشاً حول الحرب نفسها.
فالناخب الإسرائيلي يدرك أن الحرب قد تستمر سنوات، لكنه يريد أن يعرف: هل تستطيع الدولة أن تتحمل هذا النمط الجديد من الصراع؟
الإجابة في الجزء الثاني



