ذات صلة

أحدث المقالات

خطاب العرش 2026… حين ترسم الدولة أولويات المرحلة بلغة الاستمرارية

ليست خطابات العرش مجرد مواعيد دستورية تتجدد مع نهاية...

حين يصبح البحر أقصر من الطريق… كيف تحولت سبتة إلى آخر أحلام شباب المغرب؟

لم يكن المشهد الذي عاشته شواطئ الفنيدق في صيف...

واشنطن تتحدث عن السلام.. لكن المنطقة تسمع طبول الحرب: ماذا سوف يجري بين ترامب ونتنياهو؟

ما يقوله دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، لا...

إسرائيل بعد السابع من أكتوبر.. الحرب تتحول إلى نظام حكم (الجزء الثاني)

إذا كان الجزء الأول قد توقف عند التحول الذي أصاب الدولة الإسرائيلية من الداخل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا حدث للعقيدة التي حكمت القوة الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة؟

لقد اعتادت إسرائيل أن تقدم نفسها بوصفها دولة لا تخوض إلا الحروب التي تختارها، وأن زمن المعركة القصيرة هو الضمانة الأساسية لاستمرار التفوق الاقتصادي والاجتماعي. لكن ما جرى منذ السابع من أكتوبر دفع المؤسسة السياسية والعسكرية إلى واقع مختلف تمامًا.

لم تعد إسرائيل تقاتل على جبهة واحدة.

بل أصبحت تدير، في آن واحد، حربًا مفتوحة في غزة، واستنزافًا مستمرًا على الحدود اللبنانية، وعمليات عسكرية في الضفة الغربية، وانتشارًا في جنوب سوريا، ومواجهة مباشرة وغير مباشرة مع إيران، فضلًا عن الضربات المتكررة ضد الحوثيين في البحر الأحمر.

وهنا تظهر المفارقة.

فالجيش الذي صُمم لحسم الحروب بسرعة، وجد نفسه أمام نموذج أقرب إلى الجيوش التي تخوض حروب استنزاف طويلة، وهو نموذج لم يكن جزءًا من التخطيط الإسرائيلي التقليدي.

حرب بلا نهاية واضحة

في الحروب السابقة، كانت القيادة الإسرائيلية تعرف متى تبدأ المعركة، وكانت تملك تصورًا واضحًا لكيفية إنهائها.

أما اليوم، فإن السؤال عن “نهاية الحرب” أصبح أكثر تعقيدًا من السؤال عن بدايتها.

فالحكومة تتحدث عن القضاء الكامل على التهديدات.

لكن هذا الهدف نفسه أصبح موضع نقاش داخل مراكز الدراسات الإسرائيلية.

فمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) حذر في أكثر من دراسة من أن الحروب المفتوحة قد تمنح إسرائيل مكاسب تكتيكية، لكنها تحمل في المقابل أثمانًا استراتيجية طويلة الأجل، سواء على الاقتصاد أو الجبهة الداخلية أو صورة إسرائيل الدولية.

وهذا ما يفسر تزايد النقاش داخل المؤسسة الأمنية حول الفرق بين “الانتصار العسكري” و”النجاح السياسي”.

فقد تستطيع الجيوش احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الاستقرار.

الجيش يطلب جنودًا أكثر

ربما يكون ملف تجنيد اليهود الحريديم أكثر من مجرد قضية اجتماعية.

إنه يعكس أزمة أعمق.

فالجيش الإسرائيلي، الذي ظل لعقود يقدم نفسه باعتباره “جيش الشعب”، بدأ يواجه معضلة نقص القوى البشرية.

الاحتياط استُدعي مرات متتالية.

الجنود ابتعدوا عن أعمالهم وشركاتهم وجامعاتهم.

الاقتصاد تحمل كلفة غياب عشرات الآلاف من القوى العاملة.

وفي المقابل، بقي عشرات الآلاف من طلاب المدارس الدينية خارج الخدمة العسكرية.

وهنا تحولت القضية من نقاش قانوني إلى سؤال سياسي يمس فكرة العدالة داخل الدولة.

فإذا كانت إسرائيل تقول إنها تخوض حربًا وجودية، فلماذا يتحمل عبء هذه الحرب قطاع من المجتمع دون غيره؟

هذا السؤال لم يعد يطرحه اليسار وحده.

بل بدأ يظهر داخل أوساط يمينية تعتبر أن استمرار الإعفاءات يهدد تماسك المجتمع نفسه.

الدين.. شريك في الحكم وشريك في القرار الأمني

منذ سنوات، اعتمد نتنياهو على الأحزاب الدينية والقومية المتشددة لضمان الأغلبية البرلمانية.

لكن الحرب منحت هذه الأحزاب نفوذًا يتجاوز الحسابات الانتخابية.

فملفات مثل الاستيطان، والضفة الغربية، ومستقبل غزة، والعلاقة مع الفلسطينيين، أصبحت مرتبطة مباشرة برؤية الأحزاب الدينية.

وهذا يعني أن أي حكومة مقبلة ستجد نفسها أمام سؤال بالغ الحساسية:

هل تستطيع إسرائيل العودة إلى سياسات أكثر براغماتية، أم أن ميزان القوى داخل اليمين أصبح يدفع نحو مشروع أكثر تشددًا؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل الحكومة المقبلة، بل قد تحدد أيضًا طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات القادمة.

الاقتصاد.. جبهة لا تظهر في نشرات الأخبار

الحروب الطويلة لا تُقاس بعدد الدبابات فقط.

إنها تُقاس أيضًا بعدد الشركات التي تؤجل استثماراتها، وعدد العقول التي تغادر، وحجم الدين العام، وتكاليف تعبئة الاحتياط.

قبل سنوات قليلة، كانت إسرائيل تقدم نفسها بوصفها “دولة الشركات الناشئة”.

أما اليوم، فقد أصبح الأمن هو القطاع الأكثر استهلاكًا للموارد.

ارتفع الإنفاق العسكري بصورة كبيرة.

تراجعت قطاعات السياحة والاستثمار في فترات التصعيد.

وأصبح المستثمر الأجنبي ينظر إلى المنطقة بدرجة أعلى من الحذر.

ورغم قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على امتصاص الصدمات حتى الآن، فإن استمرار هذا النموذج لسنوات قد يفرض خيارات صعبة على أي حكومة قادمة.

فالاقتصاد لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد في ظل تعبئة عسكرية مفتوحة.

صورة إسرائيل في العالم.. خسارة يصعب تعويضها

ربما تكون هذه هي المرة الأولى منذ عقود التي تواجه فيها إسرائيل هذا المستوى من الانتقادات الدولية بصورة متواصلة.

فالنقاش لم يعد يقتصر على الحكومات.

بل امتد إلى الجامعات، والنقابات، والرأي العام، والمحاكم الدولية.

حتى داخل الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل، أصبح الجدل أكثر حدة حول كلفة الحرب الإنسانية والسياسية.

وهذا التحول لا يعني أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يقترب من الانهيار.

لكنه يعني أن إسرائيل لم تعد تملك المساحة نفسها التي كانت تتحرك فيها دبلوماسيًا بعد الحروب السابقة.

إنها تخوض معركة على صورتها، بالتوازي مع المعركة على الأرض.

انتخابات تبحث عن تعريف جديد للدولة

كل انتخابات إسرائيلية كانت تدور حول سؤال واحد:

من يحكم؟

أما انتخابات أكتوبر المقبلة، فتبدو وكأنها تبحث عن سؤال مختلف:

كيف تُحكم إسرائيل بعد السابع من أكتوبر؟

هل تستمر الدولة في إدارة نفسها باعتبارها مجتمعًا يعيش في حالة استنفار دائم؟

أم تعود إلى محاولة إعادة التوازن بين الأمن والسياسة والاقتصاد؟

هذا هو النقاش الحقيقي الذي يدور الآن، حتى وإن غطت عليه شعارات الأحزاب وخطابات المرشحين.

فالانتخابات المقبلة ليست مجرد سباق على مقاعد الكنيست.

إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والحرب، وبين الأمن والديمقراطية، وبين القوة والشرعية.

يتبع في الجزء الثالث: هل يقف المشروع الصهيوني أمام أكبر مراجعة منذ حرب أكتوبر 1973؟، وما السيناريوهات المحتملة لمستقبل إسرائيل بعد انتخابات أكتوبر، وانعكاسات ذلك على القضية الفلسطينية والشرق الأوسط؟

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img