في أحد أحياء أم درمان القديمة، كان هناك ولد صغير يجلس كل مساء على ضفة النيل. لم يكن يفهم السياسة، ولم يسمع يوماً بمراكز الدراسات أو تقارير الاستخبارات أو خرائط النفوذ الدولي. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً تعلمه من جده العجوز.
كان الجد يقول دائماً:
“يا بني، إذا ضاع السودان ضاع النيل من خرائطه”.
لم يفهم الطفل معنى الجملة آنذاك. لكنه بعد سنوات طويلة، ومع امتداد الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بدأ يكتشف أن جده لم يكن يتحدث عن نهر فقط، بل عن وطن كامل يقف اليوم على حافة واحدة من أخطر اللحظات في تاريخه الحديث.
كان السودان دائماً أكبر من دولة عادية على الخريطة.
بلد يمتد بين العالم العربي وأفريقيا. يطل على البحر الأحمر ويجاور سبع دول أفريقية وعربية. يملك أراضي زراعية هائلة وثروات معدنية ضخمة وموقعاً استراتيجياً جعل منه نقطة تقاطع للمصالح الإقليمية والدولية.
لهذا السبب لم تكن الحرب السودانية مجرد صراع داخلي بين قوتين عسكريتين.
فوفقاً لتحليلات عدد من الباحثين في مراكز الدراسات الدولية، تحولت الأزمة السودانية تدريجياً إلى واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في أفريقيا والشرق الأوسط معاً. وقد حذرت دراسات صادرة عن معاهد بحثية غربية من أن استمرار الحرب يهدد بتحويل السودان إلى بؤرة عدم استقرار تمتد آثارها إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر وأفريقيا الوسطى. كما أشارت دراسات متخصصة إلى أن السودان بات يعيش أكبر أزمة إنسانية في العالم من حيث حجم النزوح والانهيار الإنساني.
وفي إحدى الليالي، كان الولد قد أصبح رجلاً.
جلس في المكان نفسه الذي كان يجلس فيه مع جده، وبدأ يتأمل السؤال الذي يشغل الجميع:
ماذا لو انهارت الدولة السودانية؟
كان الجواب مخيفاً.
فالتقارير الدولية تتحدث عن خطر حقيقي يتمثل في تحول السودان إلى مناطق نفوذ متصارعة. بعض الباحثين حذروا من أن استمرار الحرب دون تسوية قد يؤدي إلى ترسيخ إدارات أمر واقع في أقاليم مختلفة وانهيار المؤسسات الوطنية بصورة كاملة، بما يفتح الباب أمام تفكك الدولة نفسها.
وفي عالم السياسة، لا توجد دولة كبيرة تتفكك وحدها.
إذا سقط السودان، فإن أصداء السقوط ستصل إلى تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا ومصر. وسوف تتدفق موجات جديدة من اللاجئين والسلاح والجماعات المسلحة عبر الحدود المفتوحة.
كان الرجل يتذكر ما قرأه في إحدى الدراسات التي وصفت السودان بأنه “قلب القرن الأفريقي”. فإذا توقف القلب عن النبض، فلن يبقى الجسد الإقليمي كما كان.
لكن الخطر الأكبر لم يكن في الخرائط فقط.
بل في الجيش.
فالدول لا تحيا بالمشاعر وحدها، وإنما بالمؤسسات أيضاً. وفي حالات الحروب الأهلية الطويلة يصبح الجيش الوطني آخر جدار يحمل سقف الدولة فوق رؤوس سكانها.
ولهذا تتحدث غالبية الدراسات الاستراتيجية المعنية بالسودان عن أن الحفاظ على مؤسسة عسكرية موحدة يمثل شرطاً أساسياً لمنع الانهيار الكامل للدولة، بصرف النظر عن الخلافات السياسية حول مستقبل الحكم أو طبيعة النظام السياسي القادم. فحين تتعدد الجيوش داخل الدولة الواحدة، تبدأ الجغرافيا في التآكل وتتحول السلطة إلى جزر متصارعة.
ولعل أكثر ما يقلق الباحثين اليوم أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية داخلية.
فوفقاً لتقارير دولية متعددة، أصبحت أطراف إقليمية ودولية مختلفة حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المشهد السوداني، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو اللوجستي. وحذرت تحليلات حديثة من أن استمرار تدفق السلاح والأموال إلى أطراف النزاع يطيل أمد الحرب ويزيد احتمالات التفكك.
وهنا تتجلى أهمية الدولة.
الدولة ليست حكومة فقط.
وليست جنرالاً أو حزباً أو حركة سياسية.
الدولة هي الإطار الذي يسمح للمواطن أن يستيقظ صباحاً وهو يعرف أن هناك مدرسة ستفتح أبوابها، ومستشفى سيعمل، وطريقاً سيظل آمناً، وحدوداً تحميها مؤسسة وطنية واحدة.
عندما تغيب الدولة، لا تنتصر الحرية بالضرورة.
في كثير من الأحيان ينتصر أمراء الحرب.
ولهذا فإن السودان اليوم لا يواجه معركة على السلطة فقط، بل يواجه معركة على فكرة الدولة نفسها.
ثم هناك البحر الأحمر.
ذلك البحر الذي يبدو بعيداً عن ساحات القتال في دارفور وكردفان والجزيرة، لكنه في الحقيقة أحد أسباب اهتمام العالم بما يجري داخل السودان.
فميناء بورتسودان أصبح شرياناً حيوياً ليس للسودان وحده، بل لحركة التجارة والطاقة في المنطقة بأسرها. كما أن البنية النفطية المرتبطة بالسودان وجنوب السودان تمثل عنصراً مهماً في الاقتصاد الإقليمي. وقد أظهرت تقارير دولية كيف أثرت المعارك على منشآت حيوية وخطوط اقتصادية استراتيجية مرتبطة بتصدير النفط عبر البحر الأحمر.
ويحذر عدد من الخبراء من أن تفكك السودان قد يحول ساحل البحر الأحمر الغربي إلى منطقة تنافس أمني مفتوح، تتداخل فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية بصورة أكثر حدة مما هو قائم اليوم.
كان الرجل ينظر إلى النيل.
تذكر جده مرة أخرى.
وتذكر أن الدول العظيمة لا تموت فجأة.
إنها تتآكل أولاً.
ثم تتشقق.
ثم يأتي يوم يكتشف فيه الناس أن البيت الذي عاشوا فيه لعقود لم يعد بيتاً واحداً.
لهذا فإن القضية الحقيقية في السودان اليوم ليست من ينتصر في معركة هنا أو هناك.
القضية هي كيف يبقى السودان نفسه.
كيف تبقى الخرطوم عاصمة لدولة واحدة.
وكيف يبقى الجيش مؤسسة وطنية جامعة لا مجرد طرف في نزاع طويل.
وكيف يبقى البحر الأحمر ممراً للتجارة لا ممراً للفوضى.
وكيف يبقى النيل نهراً يربط السودانيين بدلاً من أن يصبح شاهداً على انقسامهم.
وفي النهاية، ربما كان الجد محقاً.
فالسودان ليس مجرد قطعة أرض واسعة في قلب أفريقيا.
إنه عقدة وصل بين عوالم متعددة.
وحين يحافظ السودانيون على دولتهم، فإنهم لا يحمون أنفسهم فقط، بل يحمون جزءاً مهماً من استقرار أفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر معاً.
ولهذا، فإن معركة السودان الحقيقية ليست معركة كسب أرض أو مدينة.
إنها معركة بقاء وطن.



