ذات صلة

أحدث المقالات

بروكسل تتمسك بالمسار السياسي في الصحراء وتحافظ على الشراكة الاستراتيجية مع الرباط

تتحرك المقاربة الأوروبية تجاه قضية الصحراء المغربية داخل معادلة...

«بعد بوتين».. هل بدأت روسيا فعلاً تقترب من نهاية حقبة الرئيس الروسي؟

غلاف مجلة «العالم الجديد» البريطانية الذي يصور الرئيس الروسي...

بروكسل تتمسك بالمسار السياسي في الصحراء وتحافظ على الشراكة الاستراتيجية مع الرباط

تتحرك المقاربة الأوروبية تجاه قضية الصحراء المغربية داخل معادلة دقيقة تجمع بين تثبيت المسار الذي تقوده الأمم المتحدة وبين حماية الشراكة الاستراتيجية مع المغرب من أن تتحول الخلافات السياسية إلى قطيعة أو مواجهة. وهذه المعادلة أصبحت أوضح منذ قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد دعم المسار السياسي الأممي ودعا إلى حل عادل ودائم ومتوافق عليه، فيما عززت المواقف الأوروبية اللاحقة موقع مقترح الحكم الذاتي المغربي داخل إطار المفاوضات.

في 29 يناير 2026، لم تكتف بروكسل بتأكيد دعمها للمسار الأممي، بل أعلنت في موقف رسمي أن المفاوضات ينبغي أن تنطلق على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، مع تشجيع الأطراف على تقديم مقترحات بناءة والتفاوض من دون شروط مسبقة. وفي أبريل، أعادت كايا كالاس وناصر بوريطة التأكيد على هذا الموقف خلال زيارة المسؤولة الأوروبية إلى الرباط، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي يمكن أن يمثل من بين أكثر النتائج قابلية للتطبيق للوصول إلى تسوية سياسية نهائية ومتوافق عليها.

هنا تكمن أهمية التطور الأوروبي: فبروكسل لا تتبنى الصيغة المغربية باعتبارها إعلاناً أوروبياً منفصلاً عن الأمم المتحدة، وإنما تضعها داخل العملية السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا. وهذا التفصيل ليس لغوياً؛ فهو يسمح للاتحاد بالحفاظ على مرجعيته القانونية والدبلوماسية، وفي الوقت نفسه التعامل مع الحكم الذاتي باعتباره قاعدة تفاوضية أكثر حضوراً في المرحلة الحالية. لذلك يبدو أن الموقف الأوروبي يتجه إلى إعادة تعريف دوره من مجرد مراقب للمسار الأممي إلى طرف يشجع عملياً على بناء المفاوضات حول المقترح المغربي.

لكن الرسالة الأهم في الموقف الأوروبي توجد خارج ملف الصحراء نفسه. ففي أكتوبر 2024، أكد المجلس الأوروبي القيمة العالية التي يوليها للشراكة الاستراتيجية مع المغرب، ودعا إلى الحفاظ على العلاقات الوثيقة وتعزيزها في مختلف المجالات. وبعد ذلك، وفي اجتماع مجلس الشراكة الأوروبي المغربي في يناير 2026، وصف الاتحاد المغرب بأنه شريك استراتيجي رئيسي في الجوار الجنوبي، مؤكداً رغبته في تجديد هذه الشراكة وتقويتها.

المعنى السياسي لهذا التزامن واضح: الاتحاد الأوروبي لا يريد أن يجعل قضية الصحراء سقفاً يمنع تطور علاقته مع الرباط، كما لا يريد أن تتحول علاقته بالمغرب إلى تنازل عن مرجعيته الأممية. إنه يحاول إدارة الملفين معاً، لا المقايضة بينهما. وهذا يفسر لماذا أصبحت لغة بروكسل أكثر حرصاً على الجمع بين دعم المفاوضات وبين التأكيد المتكرر على عمق الشراكة المغربية الأوروبية.

والشراكة نفسها تمنح هذا الموقف وزنه العملي. المغرب بالنسبة إلى أوروبا ليس ملفاً دبلوماسياً منفرداً؛ إنه جزء من منظومة مصالح تمتد إلى التجارة والاستثمار والأمن والهجرة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود والاستقرار في جنوب المتوسط والساحل. لذلك فإن أي توتر سياسي كبير مع الرباط ستكون له انعكاسات تتجاوز قضية الصحراء، وهو ما يجعل الحفاظ على قنوات التعاون مصلحة أوروبية بحد ذاتها. وتؤكد الوثائق الأوروبية الأخيرة أن العلاقة باتت تُفهم باعتبارها متعددة الأبعاد، لا باعتبارها تعاوناً قطاعياً محدوداً.

ومن هنا يمكن فهم حرص بروكسل على تجنب لغة التصعيد. فالاتحاد يدعم المفاوضات التي يقودها دي ميستورا، ويدعو الأطراف إلى الانخراط فيها، لكنه لا يتجه إلى تحويل الخلاف السياسي إلى سياسة عقابية ضد المغرب. وفي الوقت نفسه، فإن قرار مجلس الأمن نفسه لم يغلق الباب أمام التفاوض، بل أبقى الحل السياسي التوافقي في قلب العملية الأممية.

أما في المجال الدفاعي، فالمعادلة أكثر تعقيداً لأن الاتحاد الأوروبي لا يملك سلطة مركزية تمنحه قراراً موحداً بشأن كل صادرات الأسلحة. تراخيص تصدير المعدات العسكرية تظل مرتبطة باختصاص الدول الأعضاء وأطرها القانونية الوطنية والأوروبية. ولذلك لا يمكن تحويل الموقف السياسي لبروكسل بشأن الصحراء تلقائياً إلى سياسة أوروبية جماعية تقيد التعاون الدفاعي مع المغرب؛ فالعواصم الأوروبية تحتفظ بمساحة قرار مستقلة في هذا المجال.

وهذا يفسر أيضاً لماذا لا ينبغي قراءة كل اختلاف داخل أوروبا باعتباره تحولاً في الموقف الأوروبي من المغرب. فالاتحاد يتحدث بصوت مؤسساتي مشترك في الملفات التي تدخل ضمن اختصاصاته، بينما تحتفظ الدول الأعضاء بهوامش واسعة في السياسة الخارجية والدفاعية. والنتيجة أن العلاقة مع الرباط تُدار على مستويين متداخلين: موقف أوروبي يتبلور تدريجياً حول المسار الأممي والحكم الذاتي، وعلاقات ثنائية تحتفظ فيها العواصم الأوروبية بمصالحها وحساباتها الخاصة.

ما يتشكل في بروكسل إذن هو توازن محسوب: دعم واضح للمسار الذي تقوده الأمم المتحدة، قبول متزايد بالحكم الذاتي المغربي كأساس للمفاوضات، وحرص موازٍ على عدم المساس بشراكة تعتبرها المؤسسات الأوروبية استراتيجية. وبالنسبة إلى الرباط، فإن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في مضمون الموقف الأوروبي من الصحراء، بل في انتقال النقاش من سؤال الاعتراف السياسي المجرد إلى سؤال كيفية بناء حل قابل للتفاوض والتنفيذ داخل الإطار الأممي.

هذه هي النقطة التي تستحق المتابعة في المرحلة المقبلة: هل يتحول هذا التوافق الأوروبي المتنامي حول الحكم الذاتي إلى دينامية دبلوماسية أوروبية أكثر نشاطاً لدفع الأطراف نحو التفاوض، أم يبقى في حدود المواقف السياسية؟ المؤشرات الحالية تقول إن بروكسل اختارت بوضوح الحفاظ على الشراكة مع الرباط بالتوازي مع دعم المسار الأممي، وأنها لا ترى تناقضاً بين الأمرين. بل إن الحسابات الأوروبية الجديدة توحي بأن المغرب أصبح، في نظر الاتحاد، جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي التي يصعب فصلها عن أي مقاربة أوروبية جادة لقضية الصحراء.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img