ذات صلة

أحدث المقالات

حين تتكلم بكين… هل تعيد الصين وإسبانيا رسم خريطة العالم من خارج منطق “الغابة”؟

على إيقاع عالم مضطرب تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، جاء...

حين تنفجر البليدة ويصمت النظام: اختبار الحقيقة في ظل زيارة ليون الرابع عشر

في لحظةٍ كان يُفترض أن تُسوَّق باعتبارها لحظة انفتاح...

حين تتكلم بكين… هل تعيد الصين وإسبانيا رسم خريطة العالم من خارج منطق “الغابة”؟

على إيقاع عالم مضطرب تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، جاء اللقاء الذي جمع الرئيس الصيني شي جين بينغ برئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز داخل أروقة قصر الشعب، كإشارة سياسية تتجاوز حدود البروتوكول، وتقترب من إعلان غير مباشر عن ملامح نظام دولي جديد يُعاد تشكيله على مهل… ولكن بثقة متزايدة.

منذ الجملة الأولى، كان خطاب بكين واضحاً ومحمّلاً بالدلالات: “الوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ” و”معارضة قانون الغابة”. ليست هذه مجرد تعبيرات دبلوماسية، بل مفاهيم تؤسس لرؤية صينية ترى أن العالم ينزلق نحو منطق القوة الصرفة، حيث تتراجع القواعد الدولية لصالح توازنات قسرية تفرضها القوى الكبرى. هنا، تحاول الصين تقديم نفسها كحارس لفكرة “التعددية الحقيقية”، في مواجهة ما تعتبره انحرافاً في النظام العالمي الذي تقوده تقليدياً الولايات المتحدة وحلفاؤها.

لكن المفارقة الأكثر إثارة تكمن في موقف مدريد. فإسبانيا، العضو في الاتحاد الأوروبي، لا تتحدث هذه المرة بلغة الاصطفاف التقليدي، بل بلغة “الرهان على الثقة والحوار والاستقرار” مع الصين. هذا التحول في النبرة لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العميقة داخل أوروبا نفسها، حيث تتزايد الأصوات الداعية إلى استقلالية استراتيجية عن واشنطن، خصوصاً في ظل التوترات التجارية والتكنولوجية المتصاعدة مع بكين.

تصريحات سانشيز حول “عالم يزداد عدم يقيناً” تعكس إدراكاً أوروبياً متنامياً بأن مرحلة الأحادية القطبية قد انتهت فعلياً، وأن المستقبل يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، لا تهيمن عليه قوة واحدة، بل تتقاسمه مراكز نفوذ متعددة. غير أن السؤال الجوهري هنا: هل هذا التعدد سيكون منظماً بقواعد مشتركة، أم فوضوياً تحكمه المصالح المتصادمة؟

في العمق، يحمل هذا اللقاء رسائل غير مباشرة تتجاوز الثنائية الصينية-الإسبانية. فهو موجه إلى أوروبا ككل، بل وحتى إلى النظام الدولي برمته: الصين لا تريد فقط شراكات اقتصادية، بل تسعى إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة. وفي المقابل، تبدو بعض الدول الأوروبية مستعدة لاختبار هذا العرض، ولو بحذر، في محاولة لتحقيق توازن بين مصالحها الاقتصادية وضغوط تحالفاتها السياسية.

غير أن ما يظل غير معلن هو الأهم: هل تستطيع أوروبا فعلاً تبني مقاربة “براغماتية مستقلة” تجاه الصين دون الاصطدام بجدار الالتزامات الأطلسية؟ وهل تمثل إسبانيا رأس حربة لهذا التحول، أم مجرد صوت داخل جوقة أوروبية لا تزال مترددة؟

في النهاية، لا يمكن فصل هذا اللقاء عن السياق العالمي الأوسع، حيث تتقاطع ملفات التجارة والطاقة والتكنولوجيا والأمن في مشهد واحد معقد. ما جرى في بكين ليس مجرد تصريحين متبادلين، بل مؤشر على صراع ناعم حول من يكتب قواعد المرحلة القادمة.

وبين خطاب “القيم” الذي ترفعه الصين، وخطاب “البراغماتية” الذي تتبناه إسبانيا، يبقى العالم معلقاً على سؤال واحد:
هل نحن أمام ولادة نظام دولي أكثر توازناً… أم مجرد إعادة توزيع للقوة تحت شعارات جديدة؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img