حين ننظر إلى خريطة الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، يصعب تجاهل حقيقة أساسية مفادها أن المنطقة عاشت واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ نهاية الحرب الباردة. فمن الحروب الأهلية إلى صعود التنظيمات المسلحة، ومن الانقسامات الإقليمية إلى أزمات الطاقة والملاحة الدولية، بدا المشهد وكأن النظام الإقليمي القديم يتعرض لاختبار غير مسبوق. وفي قلب هذا المشهد المعقد، برزت مصر، وفق رؤيتها الرسمية، باعتبارها دولة تسعى إلى تثبيت فكرة الاستقرار والحفاظ على مفهوم الدولة الوطنية بوصفه الضمانة الأساسية لأمن الإقليم ومستقبله.
ولعل ما يميز المقاربة المصرية أنها لم تنطلق من رؤية ظرفية مرتبطة بأزمة بعينها، وإنما من تصور أوسع يعتبر أن انهيار الدول الوطنية هو الخطر الأكبر الذي واجه الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. ومن هنا جاءت السياسة المصرية قائمة على مبدأ ثابت مفاده أن الأمن القومي العربي مترابط، وأن استقرار الدول يمثل خط الدفاع الأول ضد الفوضى والتطرف والتدخلات الخارجية.
من الجغرافيا إلى السياسة.. لماذا تتحرك مصر؟
إن الجغرافيا ليست مجرد خرائط، وإنما قدر سياسي يفرض نفسه على صانع القرار (بحسب تعبير الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل). ومن هذا المنطلق يمكن فهم التحرك المصري في قضايا المنطقة.
فمصر لا تقع على هامش الشرق الأوسط، بل في قلبه الجغرافي والاستراتيجي. فهي تشرف على قناة السويس، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وتجاور بؤر أزمات ممتدة من ليبيا غرباً إلى غزة شرقاً، ومن السودان جنوباً إلى البحر الأحمر شمالاً وجنوباً. ولذلك فإن أي اضطراب كبير في محيطها الإقليمي يتحول بصورة مباشرة إلى تحدٍ للأمن القومي المصري.
ومن هنا تشكلت رؤية مصرية تعتبر أن منع اندلاع الأزمات أو احتواءها مبكراً أقل تكلفة بكثير من التعامل مع تداعياتها بعد تفاقمها.
القضية الفلسطينية.. الثابت الذي لم يتغير
إذا كانت هناك قضية تكشف جوهر الرؤية المصرية للأمن الإقليمي، فهي القضية الفلسطينية.
فمنذ اندلاع الحرب في غزة، تبنت القاهرة موقفاً يقوم على عدة مرتكزات أساسية: رفض تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، المطالبة بوقف إطلاق النار، ضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والحفاظ على حل الدولتين باعتباره المسار الوحيد لتحقيق سلام مستدام.
وترى الدبلوماسية المصرية أن أي تسوية تتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لن تؤدي إلى الاستقرار، بل ستعيد إنتاج دورات جديدة من الصراع. ولهذا انخرطت مصر في جهود الوساطة بين مختلف الأطراف، وسعت إلى تقريب وجهات النظر في أصعب لحظات الأزمة.
ومن منظور القاهرة، فإن أمن غزة ليس شأناً فلسطينياً فقط، بل جزء من منظومة الأمن الإقليمي بأكملها. فاستمرار الصراع دون أفق سياسي يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة لعقود مقبلة.
ليبيا.. الدولة أولاً
في الملف الليبي، اتخذت مصر موقفاً واضحاً منذ سنوات يقوم على دعم مؤسسات الدولة الوطنية والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية.
الرؤية المصرية انطلقت من قناعة بأن تفكك ليبيا لن يهدد الليبيين وحدهم، بل سيمتد تأثيره إلى دول الجوار كافة، خصوصاً مع انتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية.
ولهذا دعمت القاهرة المسارات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وشجعت الحوار بين الأطراف الليبية المختلفة، مع التأكيد المستمر على ضرورة خروج المقاتلين الأجانب والحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية الليبية.
وبالنسبة لصانع القرار المصري، فإن استقرار ليبيا لا يمثل هدفاً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة أمنية واستراتيجية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي المصري.
السودان.. منع الانهيار والحفاظ على الدولة
أظهرت الأزمة السودانية مدى تمسك القاهرة بمبدأ الحفاظ على الدولة الوطنية.
فمنذ اندلاع الصراع بين القوى المتنازعة في السودان، ركزت مصر على دعم الحلول السياسية والحوار بين الأطراف المختلفة، مع التحذير من مخاطر تفكك الدولة السودانية أو تحول الأزمة إلى صراع طويل الأمد.
وتنطلق الرؤية المصرية من إدراك عميق للعلاقات التاريخية والجغرافية بين البلدين، ومن قناعة بأن استقرار السودان يمثل أحد أعمدة الاستقرار في وادي النيل والقرن الأفريقي.
ولهذا كثفت القاهرة اتصالاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة، ساعية إلى إيجاد مسار سياسي يوقف القتال ويحافظ على مؤسسات الدولة السودانية.
البحر الأحمر.. الأمن المشترك
خلال السنوات الأخيرة تحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي متزايد، خصوصاً مع تصاعد التهديدات التي استهدفت الملاحة الدولية.
وفي هذا السياق، تبنت مصر رؤية تؤكد أن أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة للدول المطلة عليه، وأن استقرار هذا الممر الحيوي لا يمكن أن يخضع لمنطق الصراعات أو الاستقطابات.
وتنظر القاهرة إلى أمن البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمن قناة السويس وللاقتصاد العالمي في الوقت نفسه. ولذلك شاركت في جهود متعددة تهدف إلى حماية حرية الملاحة وضمان استمرار حركة التجارة الدولية.
الدبلوماسية المصرية.. سياسة الجسور لا المحاور
من السمات البارزة للسياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة حرصها على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
فالقاهرة تتعامل مع التناقضات الإقليمية من منطلق إدارة الخلافات لا تعميقها. ولهذا احتفظت بعلاقات متوازنة مع القوى العربية الرئيسية، كما طورت شراكات استراتيجية مع أطراف دولية متعددة.
وتعكس هذه السياسة قناعة مصرية بأن بناء الجسور أكثر فاعلية من الانخراط في سياسات الاستقطاب الحاد، وأن الوساطة الناجحة تتطلب الاحتفاظ بمساحات للحوار مع الجميع.
كيف تنظر مراكز الدراسات إلى الدور المصري؟
تشير العديد من الدراسات الصادرة عن مراكز بحثية عربية ودولية إلى أن مصر أصبحت أحد أهم الفاعلين الإقليميين في ملفات الوساطة وإدارة الأزمات.
وتلفت هذه الدراسات إلى أن أهمية الدور المصري لا ترتبط فقط بحجم الدولة أو موقعها الجغرافي، بل أيضاً بقدرتها على التواصل مع أطراف متباينة يصعب جمعها حول طاولة واحدة في كثير من الأحيان.
كما يرى عدد من الباحثين الغربيين أن القاهرة نجحت في ترسيخ صورة الدولة التي تفضل الحلول السياسية والتسويات التفاوضية على خيارات التصعيد والمواجهة، وهو ما منحها مساحة حركة أوسع في عدد من الملفات الإقليمية.
الأمن الإقليمي من منظور مصري
في جوهر الرؤية المصرية للأمن الإقليمي توجد فكرة محورية: لا استقرار حقيقياً في الشرق الأوسط دون دول قوية ومؤسسات فاعلة وتنمية اقتصادية مستدامة.
ولهذا تربط القاهرة بين الأمن والتنمية، وبين مكافحة الإرهاب وتحسين الظروف الاقتصادية، وبين الاستقرار السياسي والحفاظ على وحدة الدول الوطنية.
ومن هذا المنطلق، لا تنظر مصر إلى أزمات المنطقة باعتبارها ملفات منفصلة، بل كأجزاء من معادلة واحدة تتطلب معالجة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية معاً.
مصر ودور الدولة الضامنة للتوازن
لو أردنا إيجاز الدور المصري في الشرق الأوسط اليوم، لوجدنا أنه يقوم على محاولة الحفاظ على التوازن في منطقة تتعرض باستمرار لضغوط التفكك والاستقطاب.
فالقاهرة، وفق رؤيتها المعلنة، لا تسعى إلى إدارة الصراعات بقدر ما تسعى إلى منع تحولها إلى حروب مفتوحة تهدد بقاء الدول ومؤسساتها. ومن غزة إلى ليبيا والسودان والبحر الأحمر، تتكرر الفكرة ذاتها: حماية الدولة الوطنية، دعم الحلول السياسية، والحفاظ على استقرار الإقليم.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، يبدو أن مصر ما زالت تراهن على معادلة تعتبرها أساس الأمن الإقليمي: أن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من استقرار دوله، وأن الدولة القادرة تظل، في النهاية، الحارس الأول للأمن والسلام والتنمية.



