ذات صلة

أحدث المقالات

واشنطن وطهران تختبران مسارًا جديدًا.. ما فرص نجاح اتفاق يونيو وما عوامل تعثره؟

بعد أشهر من المواجهات العسكرية والتصعيد غير المسبوق الذي...

من تندوف إلى واشنطن… العالم لم يعد يبحث عن إدارة نزاع الصحراء بل عن إنهائه

في المفاوضات الكبرى لا تكون أهمية اللقاءات في ما يُقال داخل القاعات المغلقة فقط، بل في ترتيب محطات الزيارة نفسها. فحين يغادر المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، مخيمات تندوف بعد لقائه بقيادة جبهة البوليساريو، ثم يتوجه إلى الجزائر للقاء وزير الخارجية أحمد عطاف، بالتوازي مع اتصالاته المتزايدة مع المسؤول الأمريكي مسعد بولس، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بما إذا كانت هناك جولة جديدة من المحادثات، بل بطبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها ملف الصحراء، ومن يملك اليوم القدرة على التأثير في اتجاهها.

الجزائر حاولت من خلال اللقاء أن تعيد التأكيد على الرواية التي تتمسك بها منذ عقود، والمبنية على اعتبار النزاع قضية تصفية استعمار بين المغرب والبوليساريو، مع الدعوة إلى مفاوضات مباشرة بين الطرفين دون شروط مسبقة. غير أن تطور الملف خلال السنوات الأخيرة جعل هذا الطرح يواجه تحديات متزايدة على المستوى الدولي، خصوصاً بعد التحولات الدبلوماسية التي شهدها الملف داخل مجلس الأمن، وتنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً واقعياً وعملياً للتسوية.

فالملاحَظ أن الحراك الدبلوماسي الحالي لا يجري في السياق نفسه الذي كان سائداً قبل عشر سنوات. الأمم المتحدة تتحدث اليوم عن حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق، وهي الصيغة التي أصبحت تتكرر بشكل ثابت في قرارات مجلس الأمن المتعاقبة. كما أن دي ميستورا نفسه تحدث خلال الأشهر الأخيرة عن وجود “زخم حقيقي” وفرصة جديدة لدفع العملية السياسية إلى الأمام.

ومن هنا تبدو أهمية اللقاءات التي جمعت المبعوث الأممي بمسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية. فالرسائل الصادرة عن الجانب الأمريكي لم تركز على إعادة إنتاج النقاشات القديمة، بل على ضرورة تسريع تنفيذ مخرجات القرار 2797 والدفع نحو حل سياسي دائم ومتوافق عليه. كما شددت التصريحات الأمريكية الأخيرة على ضرورة إنهاء نزاع استمر أكثر من نصف قرن، وهو ما يعكس توجهاً متزايداً داخل دوائر القرار الدولية نحو البحث عن حلول قابلة للتطبيق وليس مجرد إدارة الأزمة.

ومن زاوية القراءة المغربية، فإن ما يلفت الانتباه ليس فقط استمرار اللقاءات الأممية مع الجزائر والبوليساريو، بل طبيعة المناخ الدولي الذي تجري فيه هذه اللقاءات. فخلال السنوات الأخيرة نجح المغرب في تحويل قضية الصحراء من ملف نزاع إقليمي جامد إلى ملف مرتبط بالاستقرار والتنمية والاستثمار والأمن الإقليمي. وأصبحت مدن الصحراء المغربية تستقطب مشاريع استراتيجية كبرى وممثليات دبلوماسية أجنبية واستثمارات متنامية، وهو ما منح الطرح المغربي بعداً عملياً على الأرض يتجاوز مستوى الخطابات السياسية.

كما أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي لم تعد تُقدَّم دولياً باعتبارها مجرد مقترح من بين مقترحات أخرى، بل باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ مقارنة بخيارات ظلت لعقود رهينة الخلافات القانونية والسياسية حول لوائح الناخبين وتعريف الهيئة التي يحق لها تقرير المصير. لهذا السبب لم يعد النقاش الدولي يدور حول نقطة البداية التي كانت مطروحة في تسعينيات القرن الماضي، بل حول كيفية الوصول إلى تسوية سياسية نهائية تحافظ على الاستقرار الإقليمي وتضمن كرامة السكان وتفتح آفاق التنمية.

وفي هذا السياق، يبدو أن الجزائر تواجه معضلة متزايدة. فمن جهة تصر على تقديم نفسها كبلد مراقب وليس طرفاً مباشراً في النزاع، ومن جهة أخرى تستقبل المبعوثين الدوليين وتتحرك دبلوماسياً بشكل مكثف للدفاع عن رؤيتها للحل. هذا التناقض ظل حاضراً في النقاشات الدولية لسنوات، وأصبح أحد العوامل التي تجعل عدداً متزايداً من الفاعلين الدوليين يدفعون نحو مقاربة أكثر وضوحاً بشأن الأطراف المعنية فعلياً بالملف.

أما بالنسبة للبوليساريو، فإن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بالمواقف السياسية، بل بقدرتها على التكيف مع واقع دولي تغير جذرياً. فالعالم الذي تأسست فيه الجبهة خلال سبعينيات القرن الماضي ليس هو العالم الحالي. الأولويات الدولية اليوم أصبحت مرتبطة بالأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والاستقرار الاقتصادي والطاقة وسلاسل الإمداد. وفي مثل هذا السياق، تميل القوى الكبرى عادة إلى دعم الحلول التي تضمن الاستقرار أكثر من دعم السيناريوهات المفتوحة على المجهول.

لهذا فإن زيارة دي ميستورا إلى تندوف ثم الجزائر لا تبدو مجرد محطة بروتوكولية ضمن جولة أممية روتينية، بل جزء من محاولة دولية لإعادة قياس مواقف الأطراف قبل مرحلة جديدة من المشاورات. غير أن المؤشرات المتراكمة توحي بأن المجتمع الدولي بات أقل اهتماماً بإدارة النزاع وأكثر اهتماماً بإغلاقه، وأقل ميلاً إلى الشعارات النظرية وأكثر تركيزاً على الحلول الواقعية القابلة للتنفيذ.

وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى. فبينما لا يزال البعض يناقش الصحراء بمنطق خرائط الماضي، يتحرك العالم بمنطق توازنات المستقبل. وبينما تستمر بعض الأطراف في الدفاع عن مواقف لم تتغير منذ عقود، تتغير البيئة الدولية من حولها بسرعة غير مسبوقة. لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه جولة دي ميستورا الحالية ليس ما إذا كانت المفاوضات ستعود إلى الواجهة، بل أي الأطراف استطاعت خلال نصف قرن أن تجعل رؤيتها للمستقبل أكثر إقناعاً للمجتمع الدولي: الأطروحة التي تستند إلى استمرار النزاع، أم الأطروحة التي تقدم مشروعاً سياسياً وتنموياً تحت السيادة المغربية كمدخل لإغلاق واحد من أقدم الملفات العالقة في المنطقة؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img