يُكشف هذا الانتقال الإداري داخل الدولة الفرنسية عن تحول دبلوماسي أعمق مما يبدو على السطح، مع إعلان تعيين كريستوف لوكورتيي مديرا عاما لـالوكالة الفرنسية للتنمية، بموجب مرسوم وقعه إيمانويل ماكرون ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 16 أبريل 2026، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 11 ماي. خطوة إدارية في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها نهاية مرحلة دبلوماسية دقيقة في العلاقات بين الرباط وباريس، وبداية إعادة تموضع داخل جهاز التأثير الفرنسي في الخارج.
لم يكن وجود لوكورتيي في الرباط مجرد مهمة سفير تقليدية، بل جاء في سياق أزمة مركبة بلغت ذروتها أواخر 2022، حين دخلت العلاقات المغربية-الفرنسية مرحلة “برود غير معلن” تغذيه ملفات حساسة، من بينها أزمة التأشيرات وتباين الرؤى حول قضايا إقليمية، وعلى رأسها ملف الصحراء. في تلك اللحظة، لم يكن تعيينه إجراء بروتوكوليا، بل رهانا سياسيا فرنسيا لإعادة ترميم علاقة تاريخية أصابها التآكل.
منذ وصوله، اختار لوكورتيي نهجا يقوم على ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الهادئة”، حيث تجنب منطق الصدام أو الخطاب الدفاعي، واعتمد لغة الاعتراف الضمني بالاختلالات، خاصة في ملف التأشيرات الذي شكل أحد أبرز مصادر التوتر. هذا الأسلوب، القائم على امتصاص الغضب بدل مواجهته، سمح تدريجيا بإعادة فتح قنوات الثقة، وإطلاق دينامية قنصلية أكثر مرونة، في إشارة إلى أن باريس بدأت تستوعب كلفة استمرار الأزمة.
غير أن التحول الأعمق لم يكن قنصليا فقط، بل استراتيجيا. فقد تزامنت فترة وجوده مع تحول نوعي في موقف فرنسا من قضية الصحراء المغربية، وهو التحول الذي تُوّج بإعلان رسمي خلال زيارة إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، حيث انتقلت باريس من منطقة الغموض الدبلوماسي إلى وضوح سياسي أكبر. وبينما لم يكن لوكورتيي صاحب القرار، إلا أن كثيرين يرون أنه ساهم في تهيئة الأرضية لهذا التحول عبر تكثيف الحوار مع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين، واعتماد مقاربة تراكمية بعيدة عن الأضواء.
وتجلت هذه المقاربة بشكل رمزي وعملي في زيارته إلى الأقاليم الجنوبية في نونبر 2024، حيث قاد وفدا اقتصاديا في خطوة حملت رسائل متعددة: تأكيد الانخراط الفرنسي في دينامية التنمية، وترجمة الموقف السياسي إلى حضور ميداني، بما يعكس انتقال باريس من مرحلة التردد إلى مرحلة التموضع.
اقتصاديا، حاول السفير الفرنسي إعادة صياغة صورة بلاده كشريك، في زمن لم تعد فيه المغرب مجرد سوق تقليدية، بل فاعلا إقليميا صاعدا يفرض شروطه. ركّز على قطاعات استراتيجية مثل الطاقات المتجددة والتحول الرقمي والبنيات التحتية، مروّجا لمنطق “رابح-رابح” كبديل عن علاقات غير متكافئة لطالما وُجهت لها انتقادات في الذاكرة الاقتصادية بين البلدين.
تعيينه على رأس الوكالة الفرنسية للتنمية لا يبدو إذن مجرد ترقية إدارية، بل إعادة توظيف لخبرة دبلوماسية في موقع أكثر تأثيرا، حيث تشكل الوكالة أحد أهم أذرع القوة الناعمة الفرنسية في إفريقيا والعالم النامي، من خلال تمويل المشاريع الكبرى وتوجيه أولويات التنمية. وهو ما يفتح الباب أمام احتمال استمرار تأثيره في العلاقات مع المغرب، ولكن من بوابة الاقتصاد والتنمية بدل القنوات الدبلوماسية التقليدية.
في المقابل، تطرح مغادرته سؤال المرحلة المقبلة: هل ستواصل باريس البناء على ما تحقق من انفراج، أم أن تغيير الوجوه قد يعيد إنتاج التردد القديم؟ الأكيد أن العلاقات المغربية-الفرنسية دخلت طورا جديدا، لم تعد تحكمه فقط الروابط التاريخية، بل توازنات القوة والمصالح في عالم يعاد تشكيله.
هكذا، يطوي سفير مرحلة، لكن القصة لم تنتهِ؛ بل ربما بدأت فصلا أكثر تعقيدا، حيث تنتقل معركة النفوذ من سفارات العواصم إلى مؤسسات التمويل والتنمية، حيث تُرسم خرائط التأثير بصمت، ولكن بفعالية أكبر.



