ذات صلة

أحدث المقالات

الطريق إلى السلام لا يمر بالحدود وحدها.. ماذا بعد تفاهمات لبنان وإسرائيل؟

لا يعرف الشرق الأوسط نزاعات قصيرة العمر. فالحروب هنا...

منصة الوداع ورسائل السلطة.. ماذا تقول جنازة خامنئي عن إيران ما بعد المرشد؟

في الأنظمة الثورية، لا تكون جنازات القادة مجرد مراسم...

الأموال المجمدة.. عُقدة الإيراني التي تحرس باب التفاهم مع الأمريكي

في كل جولة تفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران، تتقدم...

الطريق إلى السلام لا يمر بالحدود وحدها.. ماذا بعد تفاهمات لبنان وإسرائيل؟

لا يعرف الشرق الأوسط نزاعات قصيرة العمر. فالحروب هنا لا تنتهي دائمًا بتوقيع اتفاق، بل غالبًا ما تدخل في هدنة طويلة تُبقي أسباب الصراع قائمة، وتؤجل الانفجار إلى موعد آخر. ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن سلام بين لبنان وإسرائيل لا ينبغي أن يبدأ من الوثائق الموقعة أو البيانات الدبلوماسية، بل من السؤال الأكثر تعقيدًا: هل تغيّرت البيئة السياسية والاستراتيجية التي أنتجت الصراع أصلًا؟

شهدت الأشهر الأخيرة تحركات دبلوماسية غير مسبوقة قادتها الولايات المتحدة لإطلاق مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل، انتهى إلى توقيع إطار تفاهم يهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية أوسع. وتضمنت البنود المعلنة مبادئ مثل تثبيت السيادة، وتعزيز دور الجيش اللبناني في الجنوب، وربط الانسحاب الإسرائيلي بمراحل تنفيذ الترتيبات الأمنية، إلى جانب آلية متابعة برعاية أمريكية ودعم لإعادة الإعمار.

لكن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات في الشرق الأوسط لا تُقاس بما يُكتب على الورق، بل بقدرتها على الصمود أمام الوقائع الميدانية. فهناك فارق جوهري بين وقف إطلاق النار، وإنهاء حالة الحرب، وبناء سلام مستدام. وقد لاحظ عدد من الباحثين أن مفهوم “وقف إطلاق النار” في المنطقة أصبح في السنوات الأخيرة أداة لإدارة الصراع أكثر من كونه مدخلًا لتسويته النهائية، إذ كثيرًا ما تستمر الاحتكاكات رغم وجود تفاهمات معلنة.

وتكمن العقدة الأولى في الداخل اللبناني نفسه. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، ظل سؤال احتكار الدولة للسلاح مطروحًا دون حسم. وأي مشروع سلام طويل الأمد يفترض وجود سلطة مركزية قادرة على فرض قراراتها الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية. لذلك يرى محللون أن نجاح أي تفاهم سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة اللبنانية على تعزيز دور مؤسساتها العسكرية والأمنية، وهي مهمة معقدة في ظل الانقسامات السياسية والتوازنات الطائفية.

وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى المسألة من زاوية أمنية بحتة. فصناع القرار الإسرائيليون يربطون أي انسحاب كامل من المناطق الحدودية بضمانات عملية تمنع عودة التهديدات المسلحة، وهو ما يفسر تمسكهم بترتيبات أمنية صارمة وآليات رقابة دولية. وتشير التغطيات الحديثة إلى أن هذا الملف يمثل أحد أكثر عناصر التفاوض حساسية.

ثم تأتي العقدة الإقليمية، وهي الأكثر تأثيرًا. فمن الصعب عزل العلاقة اللبنانية – الإسرائيلية عن المشهد الأوسع الذي يشمل إيران والولايات المتحدة وسوريا ودول الخليج. فلبنان ظل لعقود ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية، ولذلك فإن استقرار حدوده الجنوبية يرتبط بدرجة كبيرة بمستوى التهدئة في الإقليم كله، لا بالقرار اللبناني والإسرائيلي وحده. وقد ربطت تقارير حديثة فرص استدامة التفاهمات بمسار التهدئة الإقليمية الأوسع، وبمدى نجاح الجهود الدبلوماسية في الحد من التصعيد بين القوى الكبرى الفاعلة في المنطقة.

ومع ذلك، لا ينبغي تجاهل عناصر القوة التي قد تمنح هذا المسار فرصة أفضل من محاولات سابقة. فالاقتصاد اللبناني المنهك يجعل أي استقرار أمني فرصة لاستقطاب المساعدات والاستثمارات وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار. كما أن إسرائيل، التي تحملت بدورها كلفة أمنية وعسكرية مرتفعة خلال جولات التصعيد، قد تجد في ترتيبات مستقرة على حدودها الشمالية مكسبًا استراتيجيًا إذا اقترنت بضمانات أمنية قابلة للتنفيذ.

وتشير دراسات اقتصادية إلى أن اتفاقات السلام في المنطقة قد تحقق مكاسب تنموية ملموسة عندما تقترن بإصلاحات داخلية واستقرار مؤسسي، وإن كانت نتائج كل حالة تختلف بحسب ظروفها السياسية والاقتصادية.

لكن العقبة التي لا يمكن تجاوزها بسهولة هي أزمة الثقة. فالعلاقات بين لبنان وإسرائيل مثقلة بإرث طويل من الحروب والاحتلال والعمليات العسكرية والاتهامات المتبادلة. وهذا الإرث يجعل أي حادث أمني محدود قادرًا على تقويض أشهر من الجهود الدبلوماسية إذا غابت قنوات فعالة لإدارة الأزمات.

لهذا، فإن مستقبل السلام لن تحدده البيانات المشتركة وحدها، بل قدرة الطرفين على بناء آليات تمنع التصعيد، وتسمح باحتواء الحوادث قبل تحولها إلى مواجهة واسعة.

ثمة درس متكرر في تاريخ الشرق الأوسط: الاتفاقات التي تُفرض بفعل ميزان القوة وحده تكون أكثر هشاشة من تلك التي تستند إلى مصالح متبادلة وشعور عام بأن كلفة العودة إلى الحرب أصبحت أعلى من كلفة السلام. وإذا نجح الطرفان، بدعم إقليمي ودولي، في تحويل التفاهمات الأمنية إلى مسار سياسي واقتصادي أوسع، فقد يكون ذلك بداية مرحلة جديدة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.

أما إذا بقيت الملفات الجوهرية، مثل السلاح، والسيادة، والضمانات الأمنية، رهينة التجاذبات الداخلية والصراعات الإقليمية، فإن ما يبدو اليوم خطوة نحو السلام قد يتحول إلى هدنة طويلة أخرى، تُجمّد الصراع دون أن تنهيه.

في النهاية، لا يُبنى السلام الحقيقي بتوقيع اتفاق واحد، بل بسلسلة طويلة من القرارات الصعبة والثقة المتبادلة والمؤسسات القادرة على تنفيذ الالتزامات. وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كان لبنان وإسرائيل يقفان على أعتاب تحول تاريخي، أم أمام فصل جديد من إدارة صراع قديم بأدوات مختلفة.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img