دخل التصعيد في جنوب لبنان خلال الأيام الأخيرة مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تحولت مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية إلى بؤرة مواجهة عسكرية وسياسية متشابكة بين إسرائيل وحزب الله، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة منع انهيار الإطار التفاوضي الذي رعته بين بيروت وتل أبيب.
واللافت أن التصعيد الأخير لا يجري بمعزل عن المسار السياسي؛ بل يحدث في اللحظة التي يفترض فيها أن تنتقل ترتيبات وقف إطلاق النار من مرحلة التفاهمات العامة إلى آليات عملية تتعلق بانسحاب الجيش الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح حزب الله جنوباً.
وفي 15 غشت (أغسطس/ آب) الجاري، قُتل 11 شخصاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، بينهم أطفال، بحسب السلطات اللبنانية، في واحدة من أكثر موجات العنف دموية منذ بدء الهدنة في يونيو (حزيران) الماضي. وقالت إسرائيل إن الضربات جاءت رداً على هجوم بطائرة مسيّرة لـ حزب الله أدى إلى إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين بجروح خطيرة.
علي الطاهر.. لماذا أصبحت هذه المرتفعات مركز الصراع؟
لا تبدو مرتفعات علي الطاهر مجرد نقطة جغرافية عسكرية عادية.
فالمنطقة تتمتع بموقع مرتفع يتيح مراقبة أجزاء واسعة من محيط النبطية، ولذلك تحولت منذ أشهر إلى إحدى النقاط الحساسة في المواجهة. وتقول مصادر بحثية إسرائيلية إن القوات الإسرائيلية تعمل في المنطقة لمنع عناصر حزب الله من استخدام أنفاق ومواقع تحت الأرض، بينما تتحدث تقارير لبنانية عن وجود منشأة عسكرية تحت الأرض ذات أهمية كبيرة للحزب.
وكان معهد أبحاث الإرهاب والاستخبارات الإسرائيلي قد أشار في يوليوز (يوليو/ تموز) الماضي إلى أن القتال في محور علي الطاهر يرتبط بمنشأة تحت الأرض أُطلق عليها في بعض التقارير اسم عماد 4، وتضم شبكة أنفاق ومركز قيادة وتحكم ومخازن للأسلحة والطائرات المسيّرة والصواريخ، وفق مصادر لبنانية نقلها المعهد.
وهذا يفسر جانباً من الإصرار الإسرائيلي على البقاء في المنطقة، لكنه لا يفسر وحده التعقيد السياسي المحيط بها.
فالسيطرة على المرتفعات تعني عملياً امتلاك ورقة أمنية تفاوضية في أي ترتيبات مستقبلية للحدود الجنوبية.
إسرائيل ترى في المنطقة اختباراً لقدرة حزب الله
الهجوم الأخير بطائرة مسيّرة، الذي أدى إلى إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين بجروح خطيرة، يمثل بالنسبة إلى تل أبيب أكثر من حادث أمني.
فوفق الرواية الإسرائيلية، وقعت العملية داخل منطقة يفترض أن تكون خاضعة لترتيبات وقف إطلاق النار، وهو ما يمنح إسرائيل ذريعة لتقديم ضرباتها باعتبارها رداً على خرق للهدنة.
وأكدت منظمة ألما الإسرائيلية أن حزب الله أطلق الطائرة المسيّرة على قوات إسرائيلية موجودة في المنطقة، مشيرة إلى أن هذه كانت العملية الثالثة بطائرة مسيّرة متفجرة في المنطقة نفسها.
لكن المشكلة أن الرد الإسرائيلي اتخذ نطاقاً أوسع بكثير من موقع الهجوم، وفق مصادر لبنانية ودولية، إذ أسفرت ضربات 15 غشت (أغسطس/ آب) الجاري عن مقتل 11 شخصاً وإصابة 19 آخرين، بينهم مدنيون وأطفال.
وهنا تظهر المعادلة الخطرة: كل عملية لحزب الله تمنح إسرائيل مبرراً للرد، وكل رد إسرائيلي واسع يوفر لحزب الله مبرراً للرد المضاد.
وهكذا تصبح الهدنة نفسها جزءاً من دورة التصعيد بدلاً من أن تكون حاجزاً أمامها.
واشنطن لا تريد حرباً جديدة.. لكنها لا تريد أيضاً تقييد إسرائيل بالكامل
المعلومات المتعلقة بالموقف الأمريكي تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فهناك فارق مهم بين القول إن واشنطن منحت إسرائيل الضوء الأخضر وبين القول إن الإدارة الأمريكية تفهمت دوافع الرد الإسرائيلي لكنها طلبت عدم تجاوز عتبة الحرب.
والمعطيات الخارجية المتاحة تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى الاتفاق باعتباره مساراً سياسياً وأمنياً يجب إنقاذه، وليس مجرد غطاء لعمليات عسكرية متبادلة.
وكانت واشنطن قد رعت إطاراً يربط بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من مناطق محددة وانتشار الجيش اللبناني فيها، وبين معالجة مسألة البنية العسكرية لـ حزب الله. وخلال الشهر الجاري، أكدت مصادر لبنانية أن آلية التحقق من الانسحاب ونزع السلاح لم تكن قد حُسمت بصورة نهائية.
ومن ثم، فإن المصلحة الأمريكية تبدو واضحة: منع إسرائيل من تحويل الرد العسكري إلى عملية واسعة، ومنع حزب الله في الوقت نفسه من تحويل الهدنة إلى غطاء لإعادة بناء قدراته.
المفاوضات هي المعركة الأخرى خلف خطوط النار
المواجهة في علي الطاهر لا يمكن فصلها عن المفاوضات الإسرائيلية ـ اللبنانية.
فمنذ التوصل إلى الإطار المدعوم أمريكياً، حاولت واشنطن بناء نموذج يقوم على إنشاء ما يسمى المناطق التجريبية التي يتولى الجيش اللبناني فيها السيطرة الكاملة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية.
لكن التنفيذ اصطدم بمشكلة جوهرية: من يحدد حدود هذه المناطق؟ – ومن يتحقق من غياب حزب الله عنها؟ – ومتى تنسحب إسرائيل؟
وأفادت مصادر لبنانية في يوليوز (يوليو/ تموز) الماضي بأن الولايات المتحدة كانت تعمل على آلية لمراقبة الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني، بينما لم يكن الاتفاق قد اكتمل بشأن حدود المناطق التجريبية والجهة التي ستتولى المراقبة.
كما أشارت منصة لوريان توداي الإخبارية إلى أن تنفيذ الإطار الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ اللبناني واجه عراقيل، وأن الاتفاق أصبح عملياً في حالة جمود بسبب صعوبة التوافق على تفاصيل التطبيق.
وهنا تكمن المفارقة: إسرائيل تريد ضمانات أمنية قبل الانسحاب، ولبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي قبل الانتقال إلى ترتيبات أكثر عمقاً، بينما يرفض حزب الله نزع سلاحه في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي.
إنها دائرة مغلقة.
معادلة «السلاح مقابل الانسحاب» وصلت إلى طريق مسدود
في جوهر الخلاف توجد معادلة بسيطة لكنها شديدة التعقيد:
إسرائيل تقول: لن ننسحب بالكامل قبل ضمان إزالة تهديد حزب الله.
حزب الله يقول: لن نناقش نزع السلاح بينما تبقى إسرائيل في الأراضي اللبنانية.
الحكومة اللبنانية تحاول: الحصول على الانسحاب الإسرائيلي وتوسيع سلطة الدولة في الوقت نفسه.
أما الولايات المتحدة فتحاول بناء صيغة وسط تسمح بتطبيق الخطوات تدريجياً.
وقد كشفت رويترز في 13 غشت (أغسطس/ آب) الجاري أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس شدد على أن الجيش لن ينسحب من جنوب لبنان قبل نزع سلاح «حزب الله»، في موقف يعكس تشدداً إسرائيلياً بشأن التسلسل الزمني لتنفيذ الاتفاق.
وهذا التطور مهم للغاية؛ لأنه يحول القضية من خلاف أمني إلى خلاف على ترتيب الخطوات.
نتنياهو بين الأمن والانتخابات
هناك أيضاً بُعد إسرائيلي داخلي لا يمكن تجاهله.
فحكومة بنيامين نتنياهو تواجه استحقاقاً انتخابياً حساساً، وبالتالي فإن أي صورة عن عجز الجيش الإسرائيلي عن منع «حزب الله» من تنفيذ هجمات في جنوب لبنان يمكن أن تتحول إلى مادة سياسية ضد رئيس الحكومة.
وفي المقابل، فإن إظهار الجيش وهو يرد بقوة ويضرب مواقع الحزب يسمح لنتنياهو بتقديم نفسه باعتباره القائد الذي لا يقبل بعودة التهديد إلى الحدود الشمالية.
لكن هذا السلاح السياسي يحمل مخاطرة مزدوجة.
فإذا تصاعدت العمليات إلى حرب جديدة، قد يتحول الإنجاز العسكري التكتيكي إلى أزمة استراتيجية، خصوصاً إذا تعرض الجيش الإسرائيلي لخسائر أكبر أو عادت عمليات النزوح إلى الشمال.
أما إذا تراجع نتنياهو أمام الضغوط الأمريكية، فقد يتعرض لانتقادات من حلفائه في اليمين الذين يطالبون بسياسة أكثر تشدداً تجاه لبنان وحزب الله.
وهذا يفسر جزئياً سبب صعوبة الفصل بين القرار العسكري والحساب السياسي الداخلي الإسرائيلي.
كاتس وبن غفير يدفعان نحو سقف أعلى للتصعيد
تظهر داخل الحكومة الإسرائيلية أصوات تدفع باتجاه استخدام القوة بصورة أوسع.
فوزير الدفاع يسرائيل كاتس أكد أن إسرائيل لن تسمح بترك تهديدات مفتوحة، بينما يدفع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير نحو موقف أكثر تشدداً تجاه لبنان.
لكن هذا الاتجاه لا يتطابق بالضرورة مع الحساب الأمريكي.
فواشنطن تريد أن تستخدم الضغط العسكري الإسرائيلي لإجبار حزب الله على التراجع، لكنها لا تريد أن يتحول الضغط إلى حرب تعطل الاتفاق الذي تحاول بناءه.
وهذا يعني أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب قد لا يكون حول مبدأ الضغط على حزب الله، بل حول حدوده وتوقيته والهدف النهائي منه.
ماذا تريد الولايات المتحدة من لبنان؟
المقاربة الأمريكية تبدو مختلفة عن المقاربة الإسرائيلية.
فواشنطن لا تنظر إلى نزع سلاح حزب الله باعتباره هدفاً عسكرياً فقط، بل باعتباره جزءاً من إعادة بناء الدولة اللبنانية.
ولهذا ركزت الجهود الأمريكية على الجيش اللبناني، وآليات الانتشار، والمناطق التجريبية، وآليات التحقق.
وأفادت صحيفة الشرق الأوسط في يوليوز (يوليو/ تموز) بأن مهمة أمريكية كانت تستعد لتقييم احتياجات الجيش اللبناني، في إطار دعم انتشاره في المناطق التي يفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية، مع مشاركة الجنرال جوزيف كليرفيلد في الإشراف على آليات التنفيذ.
كما التقى كليرفيلد قائد الجيش اللبناني في إطار الجهود الأمريكية لتطبيق الاتفاق، وهو ما يؤكد أن واشنطن تحاول نقل الملف من منطق الحرب إلى منطق إدارة أمن الحدود وبناء المؤسسات.
لماذا تخشى إسرائيل من الانسحاب؟
من وجهة نظر إسرائيلية، الانسحاب من الجنوب من دون ضمانات قوية قد يعني السماح لحزب الله بإعادة بناء مواقعه على مسافة قريبة من الحدود.
ولهذا شدد رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، في اجتماعات مع مسؤولين عسكريين أمريكيين، على ضرورة ألا يؤدي أي ترتيب إلى السماح للحزب بإعادة التسلح، وعلى فصل الملف اللبناني عن أي تأثير إيراني.
وتكمن المشكلة في أن إسرائيل تريد نتيجة أمنية يمكن التحقق منها قبل الانسحاب، بينما تريد واشنطن ولبنان أن يكون الانسحاب نفسه جزءاً من عملية بناء الثقة.
إيران.. الورقة التي يمكن أن تقلب الحسابات
يزداد الوضع تعقيداً بسبب إيران.
فأي توسع إسرائيلي كبير في جنوب لبنان قد يفتح الباب أمام تدخل إيراني مباشر أو غير مباشر، خصوصاً إذا اعتبرت طهران أن وجود حزب الله العسكري بات مهدداً بصورة وجودية.
لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات علنية موثوقة على أن إيران اتخذت قراراً بالتدخل العسكري المباشر في جنوب لبنان.
وهنا يجب التفريق بين التهديد السياسي وبين القدرة والرغبة في الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
فطهران تدرك أن أي تدخل واسع قد يحول أزمة لبنانية إلى مواجهة إقليمية أوسع، وهو السيناريو الذي تحاول الولايات المتحدة احتواءه في الأساس.
الخطر الأكبر: انهيار «المنطقة العازلة» السياسية
المشكلة ليست فقط في عدد الضربات أو عدد القتلى.
الخطر الحقيقي هو انهيار الترتيب الذي يحاول بناء مسافة بين العمليات العسكرية والمفاوضات السياسية.
فإذا أصبح كل هجوم من حزب الله سبباً لعملية إسرائيلية واسعة، وكل عملية إسرائيلية سبباً لهجوم جديد، فإن المفاوضين في بيروت وتل أبيب وواشنطن سيفقدون السيطرة على الأحداث.
وهذا ما بدأت ملامحه تظهر بالفعل.
ففي 15 غشت (أغسطس/ آب) الجاري، كانت الضربات الإسرائيلية الأكثر دموية منذ بدء الهدنة في يونيو (حزيران)، في حين أعلن حزب الله أنه سيرد على التصعيد.
وهذا يعني أن الهدنة لا تنهار بقرار واحد؛ بل يمكن أن تموت تدريجياً عبر سلسلة من الردود المتبادلة.
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
السيناريو الأول: احتواء التصعيد
وهو السيناريو الذي تفضله واشنطن.
ترد إسرائيل بصورة محدودة، ويوقف حزب الله هجماته، وتعود المفاوضات إلى مسارها، مع استكمال البحث في المناطق التجريبية وآلية التحقق والانسحاب.
هذا السيناريو لا ينهي الصراع، لكنه يمنع العودة إلى الحرب.
السيناريو الثاني: تصعيد محدود طويل
وهذا يبدو احتمالاً قوياً.
تستمر إسرائيل في ضرب أهداف مرتبطة بحزب الله، بينما يرد الحزب بعمليات محسوبة لا تصل إلى مستوى الحرب الشاملة.
في هذه الحالة تتحول منطقة علي الطاهر إلى جبهة استنزاف دائمة وورقة ضغط في المفاوضات.
السيناريو الثالث: انهيار الهدنة
وهو السيناريو الأخطر.
قد يبدأ بضربة توقع عدداً كبيراً من القتلى الإسرائيليين، أو هجوم واسع على منشأة إسرائيلية، أو عملية تؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين اللبنانيين.
عندها قد يتسع نطاق الضربات إلى بيروت ومناطق أخرى، وهو ما يطالب به بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي قد يدفع حزب الله إلى رد أكبر ويضع إيران أمام خيار التدخل أو ترك حليفها الرئيسي في لبنان يواجه ضغطاً عسكرياً متصاعداً.
تقدير موقف: هل تعود حرب لبنان؟
احتمال العودة إلى حرب شاملة لا يزال أقل من احتمال استمرار التصعيد المحدود، لكنه ارتفع بوضوح خلال الأيام الأخيرة.
والسبب أن هناك ثلاث قوى تدفع في اتجاهات مختلفة:
- الجيش الإسرائيلي يريد منع إعادة بناء قدرات حزب الله.
- حزب الله يريد منع فرض ترتيبات نزع سلاح بالقوة ويحاول الحفاظ على قدرته على الرد.
- واشنطن تريد تحقيق تقدم في ملف نزع السلاح والانسحاب، لكن من دون انفجار حرب جديدة.
وفي هذه المعادلة، تبدو مرتفعات علي الطاهر نقطة اختبار أكثر منها مجرد هدف عسكري.
فإذا استطاعت واشنطن إقناع إسرائيل بوقف التصعيد الواسع، وإقناع لبنان بتسريع انتشار الجيش، وإيجاد آلية تحقق مقبولة، فقد تتحول المنطقة إلى نموذج لتطبيق الاتفاق تدريجياً.
أما إذا فشلت هذه المعادلة، فإن علي الطاهر قد يتحول إلى شرارة جديدة لحرب لا يريدها معظم الأطراف، لكنها قد تفرض نفسها عليهم بفعل منطق الرد والرد المضاد.
والأخطر أن الولايات المتحدة قد تكون أمام معضلة صعبة: كلما سمحت لإسرائيل بهامش عسكري أكبر ضد حزب الله، زادت قدرتها على الضغط على الحزب، لكنها في الوقت نفسه تزيد خطر انهيار المسار الدبلوماسي الذي تريد واشنطن إنجاحه.
وهذه هي المفارقة الأساسية في جنوب لبنان الآن: إسرائيل تريد أن تستخدم القوة لتحسين شروط التفاوض، بينما تخشى واشنطن أن تؤدي القوة الزائدة إلى قتل التفاوض نفسه.
معركة علي الطاهر ليست منفصلة عن مستقبل لبنان
ما يجري في علي الطاهر ليس معركة منفصلة عن مستقبل لبنان، بل اختبار مبكر لمعادلة جديدة تحاول واشنطن فرضها في الجنوب: جيش لبناني أقوى، سلاح خارج سلطة الدولة أقل حضوراً، انسحاب إسرائيلي تدريجي، وآلية أميركية للمراقبة.
لكن هذه المعادلة تصطدم بحقيقة ميدانية وسياسية قاسية: إسرائيل لا تثق بأن الانسحاب سيمنع عودة حزب الله، والحزب لا يثق بأن نزع سلاحه سيؤدي إلى انسحاب إسرائيلي، ولبنان يخشى أن يتحول التفاوض إلى مسار لفرض شروط إسرائيلية، بينما تحاول واشنطن الإمساك بالخيوط كلها في وقت واحد.
ولهذا فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لمعرفة مصير مرتفعات علي الطاهر، وإنما لمعرفة ما إذا كان جنوب لبنان يتجه نحو تسوية تدريجية أم نحو حرب جديدة تتجاوز الحدود التي رسمتها هدنة يونيو (حزيران).



