ذات صلة

أحدث المقالات

من «أريد اللجوء» إلى «لن أعود»: حين يتحول العالقون في سبتة إلى اختبار جديد للمغرب وإسبانيا

المشهد الذي خرج الأحد من شاطئ «ترامبولين» في سبتة المحتلة يحمل أكثر من صورة احتجاج لمهاجرين عالقين في ظروف مؤقتة. عشرات المغاربة الذين يقيمون في أكواخ أقيمت على الشاطئ رفعوا أعلاماً إسبانية ولافتات كتب عليها «نريد اللجوء» و«لن نعود إلى المغرب» و«نحن بشر»، ورددوا شعار «اللجوء، اللجوء». وبحسب صحيفة «إلفارو دي سيوتا»، فقد وصل عدد الأكواخ في الموقع إلى نحو مئة، تؤوي مغاربة وأفارقة من جنوب الصحراء، بعدما أدى التدفق الأخير إلى ضغط كبير على مراكز الاستقبال في المدينة. هنا تبدأ القصة من مخيم مؤقت، لكنها سرعان ما تكشف عن سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما يتحول عبور الحدود، بالنسبة إلى بعض الذين قاموا به، من مغامرة بحثاً عن فرصة إلى مطالبة بالبقاء؟

المثير في احتجاجات «ترامبولين» ليس فقط مضمون الشعارات، وإنما انتقال الخطاب من لغة الهجرة إلى لغة الحماية. عبارة «لا نريد العودة إلى المغرب» تضع السلطات الإسبانية أمام ملف مختلف عن مجرد تدبير أشخاص دخلوا بصورة غير نظامية؛ لأنها تربط البقاء بادعاء الحاجة إلى حماية قانونية. وفي المقابل، فإن رفع العلم الإسباني في احتجاج مغاربة يطالبون باللجوء يرسل رسالة سياسية وإنسانية واضحة: هؤلاء لا يريدون أن ينظر إليهم باعتبارهم عابرين ينتظرون العودة، بل باعتبارهم أشخاصاً يريدون فتح مسار قانوني جديد داخل إسبانيا. غير أن الشعار، مهما كان قوياً في المجال العام، لا يساوي تلقائياً استحقاقاً قانونياً؛ فالقانون الإسباني يمنح غير الأوروبيين الموجودين في الأراضي الإسبانية حق طلب الحماية الدولية، لكن الطلب يخضع للفحص الفردي ولشروط اللجوء والحماية، ولا يتحول بمجرد تقديمه إلى حق تلقائي في الإقامة الدائمة.

وهنا تظهر المفارقة التي ستحدد المرحلة المقبلة. إسبانيا لا تستطيع، من الناحية القانونية، أن تختزل كل طلبات الحماية في قرار جماعي بالرفض لمجرد أن أصحابها دخلوا بطريقة غير نظامية؛ وفي الوقت نفسه، لا تريد أن تتحول سبتة إلى بوابة يستقر عبرها كل من تمكن من الوصول إليها. وقد سبق للسلطات الإسبانية أن أنشأت في معبر «تاراخال» بنيات مخصصة لمعالجة طلبات الحماية الدولية، ما يؤكد أن المسألة ليست غياباً مطلقاً لمسار قانوني للجوء في المدينة. كما أن القضاء الإسباني حسم في السنوات الماضية أن قبول طلب الحماية في سبتة لا يمكن أن يؤدي إلى تقييد غير قانوني لحرية تنقل صاحبه داخل إسبانيا.

لهذا تبدو المخيمات الممتدة على الشاطئ أكثر من مجرد نتيجة جانبية لأزمة الدخول الجماعي التي شهدتها سبتة. فمركز الإقامة المؤقت بلغ طاقته، بينما وجد قسم من الوافدين أنفسهم خارج منظومة الاستقبال، في فضاء هش تختلط فيه الهجرة المغربية بالهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء. وفي هذا الوضع، يصبح الزمن نفسه عاملاً سياسياً: كلما طال بقاء العالقين، تحولت الإقامة المؤقتة إلى واقع ميداني، وكلما أصبح لهم وجود ظاهر أمام الإعلام والرأي العام، ارتفعت كلفة إعادتهم أو تفكيك تجمعاتهم. ولهذا أوقفت عناصر عسكرية محاولة المحتجين التوجه نحو وسط المدينة، فيما أبقت الشرطة وجودها حول المخيم لمنع اتساع الاحتجاجات، وفق الصحيفة نفسها.

لكن الصورة لا تكتمل من الجانب الإسباني وحده. فالمغرب يجد نفسه أمام نتيجة مباشرة لأزمة أكبر من عملية عبور حدودية: مواطنون مغاربة وصلوا إلى سبتة ثم أصبح بعضهم يرفض العودة إليها، في الوقت الذي تؤكد فيه الرباط استعدادها للتعاون مع إسبانيا بشأن إعادة القاصرين المغاربة الذين دخلوا خلال موجة نهاية يوليوز. وقد أعلنت مصادر دبلوماسية مغربية استعداد المملكة للتنسيق مع إسبانيا والشركاء الأوروبيين لإعادة القاصرين غير المصحوبين، بينما كانت سبتة تتعامل مع أكثر من 1300 قاصر مسجلين بعد التدفق الجماعي.

المسألة، لذلك، لا تتعلق فقط بمن يريد العودة ومن يرفضها. إنها تكشف عن الفجوة بين تصورين متعارضين للحدث نفسه: بالنسبة إلى السلطات، المطلوب استعادة السيطرة على الحدود وتدبير العودة؛ وبالنسبة إلى جزء من الوافدين، فإن الوصول إلى سبتة أصبح نقطة يمكن عندها محاولة تغيير المسار الشخصي من الهجرة غير النظامية إلى طلب الحماية. وبين التصورين تتحرك السياسة الإسبانية بحذر شديد، لأن أي تساهل يمكن أن يُقرأ كحافز لتكرار العبور، وأي تشدد غير منضبط قانونياً قد يفتح نزاعاً جديداً حول حقوق طالبي الحماية.

وتزداد حساسية الموقف لأن النقاش داخل سبتة نفسها أصبح أكثر توتراً. رئيس الحكومة المحلية خوان فيفاس طالب مدريد بإعادة جميع الذين ما زالوا في المدينة، ودعا حتى إلى التعامل مع سبتة باعتبارها مكاناً لا يمكن أن تتحول فيه طلبات اللجوء إلى وسيلة للانتقال إلى شبه الجزيرة، في خطاب يعكس حجم الضغط الذي تمارسه الأزمة على الأمن والخدمات والمدينة ككل. وفي المقابل، تؤكد القواعد القانونية الإسبانية والأوروبية أن طلب الحماية لا يُحسم بالشعارات السياسية، وإنما بفحص كل حالة على حدة.

الأخطر بالنسبة إلى المغرب هو أن عبارة «لن نعود إلى المغرب» تنقل النقاش، ولو في حالات فردية، من سؤال لماذا غادر هؤلاء إلى سؤال ماذا ينتظرهم إذا عادوا. ولا يعني ذلك تلقائياً أن كل واحد منهم يستوفي شروط اللجوء، ولا أن المغرب أصبح بالضرورة بلداً تنطبق على مواطنيه معايير الحماية الدولية. لكنه يعني أن الأزمة أنتجت خطاباً جديداً ينبغي قراءته بجدية: مواطنون مغاربة لا يطالبون فقط بالعبور، بل بدأ بعضهم يطالب بحق البقاء في الجهة الأخرى من الحدود.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق لمشهد «ترامبولين». فالهجرة التي كانت تُقاس بعدد من يعبرون الحدود أصبحت تُقاس أيضاً بعدد من يرفضون العودة. وبين الرقمين تتشكل أزمة مختلفة: أزمة ثقة، وتوقعات، وصورة عن المستقبل، تتحول فيها سبتة من مجرد نقطة وصول إلى مساحة للتفاوض على المصير. وإذا كانت إسبانيا تريد إغلاق الطريق أمام تحويل الدخول غير النظامي إلى إقامة فعلية، فإنها مطالبة بإدارة الملف وفق القانون لا وفق الانفعال؛ وإذا كان المغرب يريد إنهاء ارتدادات الأزمة، فإن الاكتفاء باستعادة العائدين لن يجيب عن السؤال الذي دفع آخرين إلى رفع شعار «نحن بشر» والمطالبة بالبقاء. فالمعركة الحقيقية بدأت بعد عبور الحدود، عندما أصبح على الطرفين أن يفسرا لماذا يريد بعض العابرين أن يبقوا، ولماذا يرفضون الرجوع.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img