ذات صلة

أحدث المقالات

من سبتة إلى «العدو المغربي»: عندما تتحول أزمة حدودية إلى محاكمة للمغرب والملك

سبتة تكشف شيئًا آخر: حين يتحول الخلاف مع المغرب إلى معركة ضد المغرب

أزمة سبتة الأخيرة تجاوزت سريعًا حدود النقاش حول الهجرة وأمن الحدود والعلاقة بين الرباط ومدريد، لتكشف في جزء من الخطاب الإسباني عن مشكلة أعمق: صعوبة الفصل بين انتقاد سياسة مغربية محددة وبين إعادة إنتاج صورة تاريخية عن المغرب باعتباره خصمًا دائمًا. وهنا يصبح الدفاع عن المغرب وعن الملك محمد السادس موقفًا مشروعًا، لأن المسألة لم تعد تتعلق بتقييم قرار حكومي أو تدبير أزمة حدودية، وإنما بخطاب يختزل دولة ومجتمعًا ودينًا وملكًا في صورة واحدة مشحونة بالعداء.

أوضح الأمثلة جاء من صحيفة El Debate، حيث نشر لويس فينتوسو سلسلة مقالات خلال الأزمة، بلغ فيها النقد حد اتهام المغرب بتنظيم «غزو» لسبتة، واعتبار دخول عشرات الآلاف من الأشخاص «اختبارًا» نفذه الملك محمد السادس، وربط توقيت الأحداث بعيد العرش باعتباره دليلًا على وجود قرار سياسي مركزي. وفي مقال الأول من غشت، لم يكتف الكاتب بانتقاد طريقة تدبير الأزمة، بل قدم استنتاجاته باعتبارها وقائع محسومة، مع أن ما يثبت رسميًا هو وقوع تدفق بشري هائل وأزمة حدودية غير مسبوقة، بينما تبقى مسألة القرار السياسي المغربي ودوافعه وتوقيته مجالًا للاستنتاج والتحقيق، لا للحكم القطعي.

المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما ينتقل الخطاب من الدولة إلى الملك شخصيًا، ومن السياسة إلى الصفات الشخصية. فاختلاف مدريد والرباط حول سبتة أو الصحراء المغربية أو الهجرة يمكن مناقشته سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا، أما اختزال المغرب في شخصية الملك أو تقديم الملك محمد السادس باعتباره أصل كل أزمة، فهو يفرغ النقاش من طابعه السياسي ويحوّله إلى استهداف شخصي للمؤسسة التي تمثل رأس الدولة المغربية. الدفاع عن الملك هنا لا يعني منع النقد، وإنما رفض تحويل النقد السياسي إلى مادة للتشهير أو بناء سردية مسبقة لا تحتاج إلى إثبات.

الأكثر إثارة للانتباه أن بعض الخطاب الإعلامي الإسباني يستعيد، عند كل أزمة تقريبًا، مفردات الحرب القديمة. فمقال فينتوسو يعيد إلى المشهد حرب تطوان، وحرب الريف، وأنوال والحسيمة، ثم يقفز منها إلى أزمة سبتة الحالية. هذه الطريقة في بناء السرد ليست بريئة تمامًا من الناحية الصحفية؛ لأنها تجعل الماضي مفتاحًا جاهزًا لتفسير الحاضر، وتدفع القارئ إلى النظر إلى أي أزمة جديدة باعتبارها حلقة في مشروع تاريخي مغربي مستمر، بدل التعامل معها كواقعة سياسية لها أسبابها المباشرة والمعقدة.

وتزداد خطورة هذا المنطق عندما تمتد العدوى من المغرب كدولة إلى المغاربة المقيمين في إسبانيا. فاستعمال تعبير من قبيل «الطابور الخامس المغربي» يحول مواطنين أو مقيمين إلى جماعة مشكوك في ولائها لمجرد أصلها الوطني. في بلد يعيش فيه مجتمع مغربي كبير ومندمج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فإن مثل هذا التعبير لا يصف سياسة خارجية، بل يزرع شبهة جماعية داخل المجتمع الإسباني نفسه. وهنا يصبح الخطاب أقرب إلى صناعة عدو داخلي منه إلى تحليل أزمة خارجية.

اليمين المتطرف الإسباني ذهب أبعد في هذا الاتجاه. سانتياغو أباسكال وحزبه استخدما منذ أزمة 2021 لغة «الغزو» و«الجنود» و«الحرب» في توصيف المهاجرين القادمين من المغرب، وهي مفردات سبق أن درست أكاديميًا باعتبارها إطارًا لغويًا يحول الهجرة من ظاهرة اجتماعية وإنسانية إلى مشهد عسكري، ويجعل المهاجر يظهر كأنه مقاتل أو جزء من عملية عدوانية. وفي أزمة 2026 عادت اللغة نفسها بقوة، بما يؤكد أن قاموس «الغزو» ليس وصفًا محايدًا للحدث، بل أداة سياسية لصناعة الخوف وتعبئة الرأي العام.

لكن الدفاع عن المغرب لا يحتاج إلى إنكار أن أزمة سبتة كانت خطيرة. فقد دخل نحو 50 ألف شخص وفق الأرقام الأولية التي أوردتها الصحافة الإسبانية، وسقط عشرات الضحايا أثناء محاولات العبور، قبل أن يعود عشرات الآلاف إلى المغرب. وهي أزمة إنسانية وأمنية حقيقية تستحق التحقيق في أسبابها ومسؤولياتها. لكن وجود أزمة لا يمنح أي صحفي حق تحويل الاحتمال إلى يقين، ولا يحول كل مغربي دخل سبتة إلى «جندي»، ولا يجعل الملك محمد السادس تلقائيًا مسؤولًا عن كل حركة بشرية على الحدود.

وهنا تظهر مفارقة مهمة في الخطاب الإسباني نفسه. فصحيفة El País، رغم انتقادها الشديد للأزمة، تعاملت معها بوصفها في الوقت نفسه تحديًا إنسانيًا ودبلوماسيًا، وأشارت إلى ضرورة التعاون بين المؤسسات الإسبانية والأوروبية والمغربية، كما نقلت أن الأمم المتحدة شددت على احترام حقوق وكرامة الوافدين، وأن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين رفضت اختزال الظاهرة في سبب واحد. وهذا يعني أن الصحافة الإسبانية ليست كتلة واحدة، وأن من الخطأ تحويل أكثر الأصوات حدة إلى صورة عن إسبانيا بأكملها.

المسألة إذن ليست دفاعًا أعمى عن المغرب، بل دفاع عن حق المغرب في أن يُناقش كدولة، وأن تُناقش سياساته بالأدلة، وأن تُحترم مؤسساته ورموزه، وعلى رأسها الملك محمد السادس، كما يُنتظر من الصحافة المغربية أن تتعامل مع المؤسسات الإسبانية بالمعيار نفسه. العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تُختزل في غضب صحيفة أو خطاب حزب متطرف. هناك مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية واستراتيجية مشتركة، وهناك أيضًا ملفات خلافية حقيقية، من سبتة ومليلية إلى الهجرة والصحراء المغربية. وكل هذه الملفات تحتاج عقلًا سياسيًا لا ذاكرة حربية.

الخطر الحقيقي الذي كشفته أزمة سبتة لا يوجد فقط على الحدود. إنه يوجد أيضًا في اللغة التي تُستخدم لوصفها. فعندما يصبح المغربي «غزاة»، والملك «مدبرًا للغزو»، والإسلام في مواجهة مع «الغرب»، والجالية المغربية «طابورًا خامسًا»، نكون قد غادرنا ميدان الخلاف السياسي إلى ميدان صناعة العدو. وهنا تحديدًا ينبغي للمغرب أن يرد بثقة، لا بانفعال: يدافع عن سيادته، وعن ملكه، وعن مواطنيه، ويطالب بالحق في النقد المتبادل، لكنه يرفض أن تتحول الأزمات العابرة إلى ذريعة لإحياء صور تاريخية لم تعد تصلح لبناء علاقة بين دولتين جارتين.

فالرباط لا تحتاج إلى أن تتبرأ من نفسها حتى تكون شريكًا موثوقًا لمدريد، كما أن مدريد لا تحتاج إلى شيطنة المغرب حتى تثبت قدرتها على حماية حدودها. ما تحتاجه العلاقة بين البلدين هو شيء أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن يتوقف كل طرف عن قراءة الآخر من خلال أسوأ ذاكرة لديه، وأن تعود السياسة إلى مكانها الطبيعي، حيث تُناقش المصالح والوقائع والأخطاء بالأدلة، لا عبر الأساطير القديمة

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img