ذات صلة

أحدث المقالات

وهبي يتحدث عن استعادة القاصرين… فمن يستعيد الموتى؟

في سبتة، لم يعد الحديث عن الموتى استعارة صحافية....

بروكسل تتمسك بالمسار السياسي في الصحراء وتحافظ على الشراكة الاستراتيجية مع الرباط

تتحرك المقاربة الأوروبية تجاه قضية الصحراء المغربية داخل معادلة...

تميم والركراكي في باريس: المفاجأة القطرية للمغرب بدأت من مقهى… إلى أين تتجه؟

صورة واحدة قد تفتح أحيانًا أسئلة أكثر مما تفعله البيانات الرسمية. الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، جالس في مقهى بباريس إلى جانب وليد الركراكي، المدرب السابق للمنتخب المغربي، في مشهد بعيد عن قاعات الاستقبال الرسمية وعن الصورة التقليدية للقاءات المسؤولين. الفيديو لا يكشف مضمون الحديث، ولا تتوفر حتى الآن معطيات موثوقة تحدد المناسبة التي جمعت الرجلين أو الغرض منها. لكن الصورة، في حد ذاتها، تستحق التوقف: ما الذي يدفع أمير دولة إلى اختيار لقاء شخصي مع مدرب مغربي لم يعد يشغل منصبًا رسميًا في المنتخب، ولماذا يظهر هذا اللقاء بهذه العفوية وفي هذا التوقيت؟

السؤال لا ينتقص من مكانة الركراكي الرياضية. الرجل ترك بصمته في تاريخ كرة القدم المغربية بعدما قاد المنتخب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، لكنه غادر منصبه في 5 مارس 2026، وحل محمد وهبي مكانه على رأس المنتخب. وبذلك انتهت العلاقة الوظيفية المباشرة التي كانت تمنح لأي لقاء بين القيادة القطرية والركراكي تفسيرًا مؤسساتيًا واضحًا. أما اليوم، فلا توجد علاقة تدريبية معلنة تربطه بنادٍ قطري أو بالمنتخب المغربي، ولذلك يصبح من الصعب تفسير صورة باريس بالوظيفة وحدها، من دون أن يعني ذلك أن لها بالضرورة معنى سياسيًا أو رياضيًا خفيًا.

وهنا تبدأ أهمية الصورة. لو كان اللقاء مرتبطًا بمشروع تدريبي أو بعرض رياضي، فإن كرة القدم تملك مؤسساتها واتحاداتها وأنديتها ووكلاء أعمالها وقنواتها المهنية. لكن ظهور أمير الدولة نفسه إلى جانب الركراكي في جلسة شخصية يفتح مساحة أخرى للقراءة. الصورة لا تثبت وجود مشروع، لكنها تجعل خلفية اللقاء سؤالًا مشروعًا. وفي العلاقات الدولية، لا تكون قيمة بعض الصور فيما تقوله صراحة، وإنما فيما تسمح به من قراءة لمسارات محتملة عندما تتغير مواقع الأشخاص والمؤسسات.

هناك، في المقابل، رابط قطري مباشر يجعل المشهد أكثر قابلية للفحص. الركراكي سبق أن درب الدحيل في 2020، وهو نادٍ كان مرتبطًا مباشرة بالمنظومة الرياضية القطرية وبالشيخ تميم. ثم جاءت كأس العالم 2022 لتضيف طبقة رمزية إلى العلاقة. كان تميم يتابع المنتخب المغربي، وظهر محتفلًا بانتصاراته، بينما تحول الركراكي إلى أحد أبرز وجوه البطولة. العلاقة هنا ليست اختراعًا إعلاميًا نشأ مع صورة باريس؛ لها تاريخ سابق يمكن توثيقه.

لكن الأهم أن نجاح المغرب في قطر لم يكن حدثًا رياضيًا منفصلًا عن البيئة التي استضافته. المنتخب المغربي كان أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، والجمهور المغربي صنع حضورًا استثنائيًا في الدوحة، فيما استفادت صورة قطر نفسها من نجاح بطولة تحولت، للمرة الأولى، إلى حدث عربي جامع. وقد استقبل الأمير تميم خلال البطولة مسؤولين مغاربة كبارًا، بينهم ناصر بوريطة وعبد اللطيف حموشي وياسين المنصوري. هذه الوقائع لا تثبت وجود مشروع مشترك، لكنها تفسر لماذا توجد بين الدوحة والوجوه المغربية التي صنعت تلك المرحلة شبكة من الذاكرة والعلاقات يصعب تجاهلها.

من هنا يمكن النظر إلى لقاء باريس بأكثر من احتمال. ربما هو لقاء شخصي بين رجلين تجمعهما معرفة قديمة. وربما يتعلق الأمر بإعادة فتح قناة تواصل مع شخصية رياضية لم تعد مرتبطة رسميًا بالمؤسسة المغربية. وربما تكون هناك فكرة رياضية لم تصل بعد إلى مرحلة الإعلان. وربما يكون الركراكي جزءًا من دائرة أوسع من العلاقات التي يمكن أن تستخدمها الدوحة في المستقبل داخل كرة القدم الدولية. لا نملك ما يسمح باختيار أحد هذه الاحتمالات، لكن وظيفة الصحافة ليست فقط انتظار المعلومة بعد وقوع الحدث؛ أحيانًا تكون وظيفتها أن تراقب المؤشرات التي قد تسبق الحدث.

وهنا يصبح التوقيت مهمًا. كرة القدم الدولية تدخل في مرحلة يعاد فيها ترتيب النفوذ حول FIFA، وجياني إنفانتينو، والاستثمارات الخاصة، ومستقبل مسابقات الاتحاد الدولي. قطر والمغرب كانا ضمن الاتحادات العربية التي أعلنت دعمها لإنفانتينو، بينما دخل الاتحاد القطري لكرة القدم في خلاف علني مع القيادة الآسيوية بشأن طريقة إدارة إحدى الأزمات داخل اللعبة. وفي الوقت نفسه يستعد المغرب لمرحلة غير مسبوقة مع استضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. نحن إذن أمام فضاء رياضي لم يعد فيه المدرب أو اللاعب أو المسؤول السابق مجرد شخصية رياضية؛ يمكن أن يصبح، بحكم علاقاته وخبرته وشبكة معارفه، جزءًا من المجال الأوسع للدبلوماسية الرياضية.

هذه النقطة هي التي تجعل صورة باريس تستحق النظر إلى المستقبل، لا البحث فقط عن تفسير للماضي. إذا كانت الدوحة تفكر في توسيع حضورها داخل كرة القدم الدولية، فما الشخصيات التي يمكن أن تتحرك عبرها؟ وإذا كان المغرب قد أصبح قوة رياضية ودبلوماسية متقدمة داخل إفريقيا والعالم العربي، فهل ستظل العلاقة المغربية القطرية محصورة في المجاملات الرسمية والاستثمارات والذكريات الرياضية، أم ستظهر لها مساحات جديدة؟

العلاقة بين الرباط والدوحة نفسها تفرض الحذر من أي قراءة بسيطة. قطر دولة صديقة للمغرب وشريكة له، واتخذت مواقف داعمة للمملكة في قضية الصحراء المغربية، لكنها في الوقت ذاته تتبع سياسة خارجية تقوم على تعدد القنوات والمصالح والوساطة. عندما أبدت استعدادها في 2023 للوساطة بين المغرب والجزائر، ظهر بوضوح أن الدوحة تريد الاحتفاظ بعلاقة جيدة مع الرباط من دون أن تغلق لنفسها المجال أمام الجزائر. هذه ليست بالضرورة سياسة ضد المغرب؛ إنها ببساطة سياسة دولة صغيرة ذات طموح دولي، تجعل المصلحة والمرونة جزءًا من أدواتها الأساسية.

ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه الصورة لا ينبغي أن يكون: هل هناك مؤامرة قطرية؟ فهذا استنتاج أكبر من الأدلة المتاحة. السؤال الأكثر إنتاجًا هو: هل نحن أمام بداية تحرك قطري جديد في المجال الرياضي، أم أمام علاقة شخصية أعيد تنشيطها في باريس؟ وهل يمكن أن يتحول الركراكي، بما يملكه من حضور وخبرة وعلاقات، إلى شخصية ذات دور مختلف في المرحلة المقبلة؟

إذا كان اللقاء شخصيًا، ستبقى الصورة لحظة عابرة بين أمير ومدرب تجمعهما ذاكرة الدحيل ومونديال قطر. وإذا كان وراءها مشروع رياضي، أو إعادة بناء شبكة علاقات، أو جس نبض لفكرة لم تنضج بعد، فإن قيمة الصورة ستظهر لاحقًا، عندما تتضح الخطوة التالية. وهنا تحديدًا تصبح الصحافة مطالبة بالنظر إلى ما بعد الصورة: ليس لتعلن ما لا تعرفه، وإنما لتراقب ما قد تكشفه الأيام المقبلة.

لذلك لا تكمن أهمية مشهد المقهى في أن يثبت شيئًا، بل في أنه يضع أمامنا شخصية في موقع جديد، ورجل دولة يملك أدوات واسعة للتحرك، وعلاقة قديمة يمكن أن تكتسب معنى جديدًا إذا تغيرت الظروف. قد لا يكون في الأمر أكثر من لقاء. وقد يكون شيئًا لم تتضح ملامحه بعد.

الصورة لا تقدم الإجابة. لكنها قد تكون أول إشارة إلى السؤال الذي سيصبح أكثر وضوحًا غدًا.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img