لم يحتج حزب الأصالة والمعاصرة إلى وقت طويل ليتذوق معنى تصدر الانتخابات التشريعية بـ97 مقعداً حتى وجد نفسه أمام اختبار مختلف تماماً. ففي الوقت الذي كان فيه الحزب يقرأ نتائج 23 شتنبر باعتبارها انتقالاً إلى موقع سياسي أقوى، كانت قضية بدأت بحقيبة تضم أوراقاً انتخابية في طنجة تتسع من مكاتب التصويت إلى التحقيق القضائي، ثم تصل إلى أحد أبرز مسؤولي الحزب محلياً: منير ليموري، عمدة طنجة والمنسق الإقليمي لـ«البام».
النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بطنجة كانت قد أعلنت في وقت سابق أن الأبحاث الأولية أفضت إلى توقيف خمسة مشتبه فيهم، من بينهم رئيسا مكتبي تصويت ونائباهما وشخص آخر، بعدما أظهرت التحريات، بحسب البلاغ القضائي، أن أوراقاً انتخابية أُخرجت من أحد المكاتب قبل إعادتها، وأن الحبر المستعمل فيها يختلف عن الحبر المستخدم داخل مكتبي التصويت. وعلى أساس هذه المعطيات، التمست النيابة العامة إجراء تحقيق للاشتباه في أفعال مرتبطة بانتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة فيهما.
ثم جاء تطور أكثر حساسية يوم الاثنين 28 شتنبر. فقد أوقفت المصالح الأمنية منير ليموري فور وصوله إلى مطار ابن بطوطة قادماً من مالقة، تنفيذاً لمذكرة بحث صادرة في حقه، قبل وضعه رهن الحراسة النظرية على ذمة البحث القضائي الجاري. وتبقى هذه الوضعية، قانونياً، وضعية بحث وتحقيق، لا حكماً بالإدانة.
هذه النقطة مهمة لأن الملف لم يبدأ باسم عمدة طنجة، ولم تبدأ فيه المسؤولية القضائية من موقعه الحزبي. بدأ بأوراق اقتراع وبأشخاص مرتبطين مباشرة بمكاتب التصويت، ثم توسعت الأبحاث. لذلك لا توجد، في المعطيات المنشورة إلى الآن، قاعدة تسمح بتحويل مجرد توقيف ليموري إلى إدانة سياسية أو قضائية للحزب أو إلى إثبات لمسؤوليته عن الوقائع. ما يثبت هو أن التحقيق اتسع بما يكفي ليصل إلى مسؤول حزبي ومنتخب محلي بهذا الحجم.
لكن السياسة لا تنتظر دائماً انتهاء القضاء حتى تبدأ في احتساب الكلفة.
كان «البام» قد خرج من انتخابات 23 شتنبر متصدراً النتائج المؤقتة بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 والعدالة والتنمية بـ54.
النتيجة منحت الحزب موقعاً تفاوضياً مختلفاً في هندسة المرحلة المقبلة، لكنها جاءت أيضاً في لحظة لم يكن فيها اسم الحزب منفصلاً تماماً عن ذاكرة ملفات قضائية سابقة مست بعض منتخبيه ووجوهه البارزة.
عبد الرحيم الكامل، الرئيس السابق لجماعة واحة سيدي إبراهيم والمستشار البرلماني عن «البام»، أيدت محكمة الاستئناف بمراكش في أبريل 2021 الحكم الصادر في حقه بست سنوات سجناً نافذاً في قضية ارتشاء، بعد ضبطه متلبساً بتلقي 110 آلاف درهم، وفق المعطيات القضائية المنشورة آنذاك.
وفي الجديدة، صدر حكم ابتدائي في حق عبد الحكيم سجدة، الرئيس السابق للجماعة والبرلماني عن الحزب، بتسع سنوات سجناً نافذاً في قضية مرتبطة بصفقات عمومية، ثم أيدت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء الحكم في شتنبر 2025.
وفي طنجة نفسها، صدر في دجنبر 2024 حكم ابتدائي في حق محمد الحميدي، رئيس مجلس عمالة طنجة أصيلة والقيادي في الحزب، بسنتين، إحداهما نافذة والأخرى موقوفة التنفيذ، في قضية تضمنت اتهامات بتبديد واختلاس أموال عمومية والتزوير واستغلال النفوذ.
ثم جاءت قضية «إسكوبار الصحراء»، وهي التي أعطت هذا التراكم بعداً وطنياً أكبر، بعدما شملت عبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق، وسعيد الناصري، البرلماني السابق ورئيس مجلس عمالة الدار البيضاء والرئيس السابق لنادي الوداد. وفي يونيو 2026 أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء أحكاماً بـ12 سنة سجناً نافذاً في حق بعيوي و10 سنوات في حق الناصري.
لا يجمع هذه الملفات قضائياً ملف واحد، ولا يصح تحويلها إلى قضية واحدة لمجرد انتماء أصحابها الحزبي. كل ملف له وقائعه ومحاكمته وأحكامه ومساره. لكن وجود أسماء حزبية منتخبة في عدد من القضايا الثقيلة يضع الحزب أمام مشكلة مختلفة عن المسؤولية الجنائية الفردية: كيف يتعامل تنظيم سياسي مع كلفة أفعال تصدر عن أشخاص منحهم تزكيات أو حملوا اسمه ووصلوا إلى مواقع انتخابية باسمه؟
هذا السؤال ليس جديداً داخل «البام» نفسه.
في 2017، عندما قدم إلياس العماري استقالته من الأمانة العامة، تحدث صراحة عن تحمله مسؤولية اختياراته، وربط ذلك بأداء عدد من البرلمانيين ورؤساء الجماعات الذين حصلوا على تزكيات الحزب. الصيغة التي قدم بها العماري موقفه جعلت التزكية نفسها جزءاً من المسؤولية السياسية للقيادة، لا مجرد إجراء تنظيمي ينتهي بمجرد إعلان النتائج.
بعد سنوات، حاول الحزب أن يبني آلية تنظيمية أكثر وضوحاً في التعامل مع هذا النوع من الإشكالات. ففي مايو 2024 صادق المجلس الوطني بالإجماع على ميثاق للأخلاقيات، وقدمت القيادة الوثيقة باعتبارها إطاراً ملزماً يؤطر مسؤوليات الأعضاء وتحركاتهم داخل الحزب، في وقت كانت فيه ملفات وشبهات قضائية تطال عدداً من منتخبيه.
ولم يظل الميثاق وثيقة نظرية طويلاً. ففي أكتوبر من السنة نفسها، جرى تعويض صلاح الدين أبو الغالي بفاطمة السعدي داخل القيادة الجماعية، بعدما قررت لجنة الأخلاقيات تجميد عضويته، ثم اتخذ المجلس الوطني القرار التنظيمي المتعلق بموقعه داخل الحزب. وكانت قيادة الحزب قد ربطت الملف بمخالفات لمقتضيات القانون الأساسي وميثاق الأخلاقيات، بينما قدم أبو الغالي رواية مختلفة وطعن في القرار أمام القضاء.
المسار التنظيمي للحزب نفسه يجعل مسألة القيادة أكثر تعقيداً من مجرد البحث عن شخص يتحمل المسؤولية كلما ظهر ملف جديد. ففي فبراير 2024 انتقل «البام» من نموذج الأمين العام الفرد إلى قيادة جماعية ضمت فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي، قبل أن تحل فاطمة السعدي محل أبو الغالي بعد أشهر.
أي أن الحزب كان قد دخل أصلاً مرحلة إعادة بناء لآليات القيادة والمساءلة الداخلية قبل أن تصل قضية طنجة.
الآن تأتي القضية الجديدة في لحظة أكثر حساسية. الحزب لم يعد فقط طرفاً في أغلبية حكومية سابقة؛ لقد أصبح صاحب أكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب الجديد. وفي الوقت نفسه، أصبح فوزي لقجع، الذي التحق بالحزب خلال صيف 2026، واحداً من أكثر الوجوه حضوراً في حملته الانتخابية، وقدم بنفسه أجزاء أساسية من البرنامج الاقتصادي للحزب.
قبل الانتخابات، كان اسم لقجع قد دخل بالفعل في أحاديث سياسية وإعلامية حول مستقبل قيادة «البام». لكن فاطمة الزهراء المنصوري نفت وجود ترتيب من هذا النوع، وقالت إن لقجع «لم يأت لأخذ مكان أحد»، كما أكدت أن شروط اختيار الأمين العام تحكمها قواعد تنظيمية وأن الحديث عن مؤتمر استثنائي سابق لأوانه.
لهذا سيكون من السهل، صحفياً، ربط توقيف ليموري مباشرة بمستقبل القيادة ثم بناء سيناريو كامل حول انتقال قيادة الحزب إلى لقجع. لكن الوقائع المتاحة لا تصل إلى هذه النتيجة.
الموجود فعلاً هو تزامن ثلاثة مسارات: حزب تصدر الانتخابات، وملف قضائي انتخابي يتوسع في طنجة ويصل إلى مسؤول حزبي بارز، وقيادة جماعية سبق أن مرت باختبار داخلي يتعلق بالأخلاقيات والمسؤولية التنظيمية. أما الربط بين هذه العناصر وبين تغيير قيادة «البام» فلم يتحول، إلى حدود المعطيات المتاحة، إلى قرار معلن أو مسار تنظيمي مفتوح.
والأكثر دلالة أن خطاب الحزب نفسه بشأن قضية طنجة مر بمرحلتين. في البداية تحدثت قيادات حزبية عن استهداف وسيناريو محبوك، بينما أصبح الخطاب، مع تقدم البحث، أكثر تركيزاً على انتظار نتائج التحقيق وترتيب المسؤوليات إذا ثبتت صلة أعضاء أو مسؤولين بالوقائع. هذه النقلة لا تعني اعترافاً بالمسؤولية، لكنها تكشف أن الحزب اضطر إلى التعامل مع الملف من زاوية مختلفة عن زاوية الساعات الأولى للاقتراع.
ثم إن القضية لا تقف عند «البام» وحده. وزارة الداخلية أعلنت إيفاد لجنة تفتيش مركزية إلى طنجة للتحري في الخروقات التي شابت العملية الانتخابية بمكتبين للتصويت، بالتوازي مع المسار القضائي.
وهذا يوسع نطاق القضية: هناك بحث قضائي في أفعال محددة وأشخاص محددين، وهناك أيضاً بحث إداري حول كيفية وقوع الخروقات داخل العملية الانتخابية. الفصل بين المسارين مهم، لأن مسؤولية تدبير مكاتب التصويت ليست هي نفسها المسؤولية الحزبية، كما أن المسؤولية الحزبية ليست حكماً قضائياً.
أما بالنسبة إلى «البام»، فالمشكلة السياسية الأكثر واقعية ليست أن كل ملف قضائي يخص عضواً فيه يصبح ملفاً قضائياً للحزب. ذلك غير صحيح قانونياً. المشكلة أن تكرار ظهور أسماء حزبية في ملفات من هذا النوع يجعل الحزب مضطراً، في كل مرة، إلى إعادة شرح الفرق بين الشخص والتنظيم، وبين التزكية والمسؤولية الفردية، وبين المساءلة الداخلية والحكم القضائي.
هذه المرة جاءت «حقيبة طنجة» بعد أربعة أيام فقط من إعلان تصدر الحزب الانتخابات. لذلك لا يمكن فصل التوقيت عن أثره السياسي، لكن لا يجوز أيضاً تحويل التوقيت إلى دليل على شيء لم تثبته التحقيقات.
القضية الآن أمام القضاء، والتحقيق هو الذي سيحدد لماذا خرجت أوراق التصويت، ومن أخرجها، وكيف أعيدت، وما طبيعة العلاقة بين الأشخاص الذين شملتهم الأبحاث، وما إذا كان امتداد البحث إلى مسؤولين آخرين سيقود إلى مسؤوليات إضافية أم لا.
وإلى أن تتضح هذه العناصر، يبقى الشيء الثابت أن «البام» الذي خرج من الانتخابات بأقوى نتيجة له في هذه المحطة، وجد نفسه مباشرة بعدها أمام امتحان قديم بصيغة جديدة: ليس امتحان الحصول على الأصوات، بل القدرة على التعامل مع ما يترتب على اختياراته المحلية والتنظيمية عندما تدخل هذه الاختيارات دائرة القضاء.
وفي هذه النقطة تحديداً، ستصبح نتائج التحقيق في طنجة أهم من كل التكهنات التي سبقتها.