ذات صلة

أحدث المقالات

من يقود الحكومة المقبلة؟ لا اسم محسوم.. والقرار في مربع الدستور

لم يعد النقاش في المغرب يدور حول نتائج الانتخابات...

المنصوري من القصر إلى المشاورات: الملك اختار أول امرأة لرئاسة الحكومة.. والاختبار يبدأ من تشكيلها

لم تغادر فاطمة الزهراء المنصوري القصر الملكي بالرباط، يوم الثلاثاء 29 شتنبر، وهي تحمل فقط صفة رئيسة حكومة مكلّفة. خرجت أيضاً وهي تحمل أول عنوان كبير للمرحلة السياسية الجديدة: امرأة تتولى للمرة الأولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، بعد تعيينها من طرف الملك محمد السادس وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، طبقاً للفصل 47 من الدستور.

الواقعة نفسها لا تحتاج إلى إضافة رمزية من خارجها. التعيين صدر رسمياً عن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، والمنصوري لم تتعامل معه في تصريحها كمسألة شخصية فقط. عندما قالت إن الملك «آمن بقدرة المرأة المغربية»، وإن المرأة المغربية «تستحق الاحترام والتقدير»، كانت تقرأ اختيارها باعتباره يحمل بعداً يتجاوز اسم الشخص الذي كُلّف بتشكيل الحكومة.

لكن العبارة الأهم في تصريحها ربما جاءت بعد ذلك مباشرة: «العمل سيبدأ اليوم».

هذه الجملة تنقل المسألة من دلالة التعيين إلى ما سيأتي بعده. فالمنصوري لم تعلن عن حكومة جاهزة، ولم تقدم أسماء، ولم تتحدث عن توزيع للحقائب. قالت إن البداية ستكون بمشاورات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، ثم مشاورات مع جميع الأحزاب السياسية، قبل تقديم مقترح أعضاء الحكومة في أقرب وقت.

وهذا يعني أن صورة الحكومة المقبلة لم تُحسم في لحظة استقبال القصر، حتى وإن حُسم اسم من سيقود عملية تشكيلها.

الفصل 47 من الدستور يضع الإطار الدستوري للتعيين، لكن الانتقال من تعيين رئيس الحكومة إلى تشكيل الحكومة يفتح مساراً سياسياً آخر، عنوانه التفاوض بين الأحزاب حول التركيبة الحكومية والبرنامج والحقائب والمسؤوليات. لذلك فإن قول المنصوري إنها ستبدأ أولاً بالمشاورات داخل الحزب ثم تنتقل إلى باقي الأحزاب يحمل دلالة عملية أكثر مما يحمل إعلاناً سياسياً عاماً: رئيسة الحكومة المكلّفة تبدأ مهمتها من داخل بيتها الحزبي قبل أن تتوجه إلى شركائها المحتملين.

واللافت أن المنصوري ربطت الحكومة المقبلة بعبارتين متلازمتين: «انتظارات الملك» و«انتظارات المواطنين المغاربة». قالت إنها تريد حكومة «تكون في مستوى انتظارات الملك والمواطنين المغاربة»، ثم عادت لتؤكد أن البرنامج سيقترح «حلولاً حقيقية وواقعية للمواطنين، طبقاً للإرادة الملكية السامية».

لا توجد في هذا التصريح بعدُ تفاصيل تسمح بمعرفة طبيعة هذه الحلول أو شكل البرنامج الحكومي. لذلك سيكون من المبكر تحميل العبارة أكثر مما تحتمل. الموجود حتى الآن هو تحديد واضح لسقف العمل الذي تتحدث عنه رئيسة الحكومة المكلّفة: توجيهات ملكية تلقتها في الاستقبال، وانتظارات شعبية كبيرة، وحاجة إلى برنامج عملي لا يكتفي بالشعارات.

والمنصوري تعرف أن الجزء الأصعب يبدأ بعد الصورة الملكية.

فهي لم تتحدث عن النساء فقط. وضعت الشباب في قلب المرحلة عندما قالت إن الفترة المقبلة «ستتميز بانتظارات كبيرة من طرف عموم المواطنين والشباب على وجه الخصوص». ثم ربطت ذلك بتقديم حلول «حقيقية وواقعية». هذه العبارات ستتحول، مع بداية تشكيل الحكومة، من لغة سياسية عامة إلى عناصر قابلة للقياس إذا ظهرت في البرنامج الحكومي على شكل التزامات ومواعيد وأولويات.

أما الرسالة التي وجهتها إلى النساء، فقد جاءت بصيغة مختلفة. قالت: «سنشتغل معاً كمجتمع»، وأضافت أنها، كامرأة، تعرف الظروف التي تمر منها النساء، وتعرف «التوجيهات الملكية الواضحة» في هذا المجال، متمنية أن يكون المغرب «مجتمعاً منسجماً بجميع قواه الحية».

هنا أيضاً، لا تزال المسافة بين الخطاب والسياسة الفعلية مفتوحة. اختيار امرأة لرئاسة الحكومة يغيّر موقع المرأة في أعلى هرم السلطة التنفيذية، لكنه لا يكشف وحده عن طبيعة السياسات التي ستتبناها الحكومة تجاه النساء. ذلك سيظهر لاحقاً في التشكيلة الحكومية، وفي البرنامج، وفي توزيع المسؤوليات، وفي القرارات التي ستتخذها الحكومة بعد حصولها على ثقة البرلمان.

المنصوري نفسها لم تدّعِ أن التعيين أنهى هذه الأسئلة. على العكس، أعلنت بدء المشاورات.

والتفصيل السياسي الذي لا يمكن تجاهله هو أن رئيسة الحكومة المكلّفة تأتي من حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما تصدر الحزب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، وفق المعطيات المنشورة حول النتائج.

لذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد انتقال إداري من حكومة إلى أخرى. ستكون أيضاً اختباراً لقدرة الحزب الذي وصل إلى المرتبة الأولى على ترجمة موقعه الانتخابي إلى أغلبية حكومية قابلة للعمل، ثم لقدرة المنصوري على إدارة المفاوضات بين الأحزاب وتحويل التوازنات الانتخابية إلى تركيبة حكومية.

والحديث عن «جميع الأحزاب السياسية» الذي ورد على لسانها يترك الباب مفتوحاً أمام طبيعة التحالفات. لا توجد في تصريحها أسماء أحزاب مشاركة، ولا توزيع للحقائب، ولا صيغة أغلبية معلنة. وكل ما يتردد خارج ذلك يبقى، في هذه اللحظة، في نطاق التكهن إلى أن تصدر عنه مواقف أو اتفاقات موثقة.

حتى بالنسبة إلى المنصوري نفسها، فإن انتقالها إلى رئاسة الحكومة ليس بداية مسار سياسي من الصفر. فقد كانت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كما تولت رئاسة المجلس الجماعي لمراكش، وشغلت موقعاً قيادياً في حزب الأصالة والمعاصرة. هذه الخلفية تجعلها تدخل قصر الحكومة وهي تحمل تجربة تنفيذية وحزبية ومحلية سابقة، لا مجرد رمز لسابقة نسائية.

لكن ما سيحدد المرحلة الجديدة لن يكون سجل المناصب وحده.

المنصب تغير، وحجم المسؤولية تغير معه.

منسقة القيادة الجماعية في حزب سياسي أصبحت مكلفة بتشكيل حكومة كاملة. ومن موقع تدبير قطاع وزاري إلى موقع يتحمل مسؤولية التنسيق بين قطاعات الدولة، وإدارة الأغلبية، والدفاع عن البرنامج الحكومي أمام البرلمان، وتنفيذ السياسات العمومية في مواجهة انتظارات المواطنين.

لهذا تبدو عبارة المنصوري «العمل سيبدأ اليوم» أكثر ارتباطاً بما ينتظرها من كونها مجرد تصريح بعد التعيين. أول اجتماع داخل الحزب، ثم الاتصالات مع الأحزاب، ثم الأسماء المقترحة للحقائب، ستكون هي التي ستكشف تدريجياً كيف فهمت رئيسة الحكومة المكلّفة التوجيهات التي قالت إنها تلقتها من الملك.

أما صورة المرأة المغربية التي تحدثت عنها من داخل القصر، فقد أصبحت بالفعل جزءاً من تاريخ هذا التعيين. غير أن التاريخ السياسي لا يتوقف عند لحظة تسجيل السابقة؛ ما سيأتي بعد ذلك هو الذي سيحدد مضمونها العملي.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img