وزعت الولايات المتحدة الأمريكية، يوم 29 أكتوبر، الصيغة الزرقاء من مشروع قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء، تمهيداً للتصويت المرتقب يوم الجمعة 30 أكتوبر، قبل انتهاء الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة في 31 أكتوبر. وجاءت الصيغة بعد جولات من المشاورات بين أعضاء المجلس، انتهت إلى الاحتفاظ بالمقتضيات السياسية المركزية للمشروع الأمريكي، مقابل مراجعة عدد من التدابير التي كانت تقترح تغييراً سريعاً وجذرياً في بنية البعثة الأممية.
المسألة التي تستحق التوقف عندها ليست مجرد تمديد ولاية بعثة أممية لسنة إضافية، وإنما طبيعة المرجعية التي يُطلب من الأطراف اعتمادها في المرحلة المقبلة من المفاوضات. فالمشروع المعدل، وفق ما أوردته التقارير التي تابعت نسخته الأخيرة، يحتفظ بمقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدث باعتباره الأساس الوحيد للمفاوضات، ويعيد ترتيب مستقبل البعثة الأممية، ويفتح باب المشاورات أمام مكونات صحراوية أوسع من دائرة الأطراف السياسية التي ظلت حاضرة في المسار التفاوضي.
هذه الصياغة تختلف عن القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي دعا إلى إجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، دون وصفه بالأساس الوحيد. فقد كان القرار السابق قد جمع بين اعتماد المبادرة المغربية أساساً للنقاش، والإشارة إلى إمكانية تقديم الأطراف مقترحات بناءة أخرى. أما الصيغة الجديدة، بحسب ما نقلته المصادر المتابعة للمفاوضات، فتتجه إلى تضييق الإطار المرجعي للمناقشات، بحيث يصبح الرد على المبادرة المغربية وتطوير النقاش بشأن مضامينها نقطة الانطلاق المحددة للعملية التفاوضية.
الفارق بين الصيغتين مهم في قراءة تطور الموقف الأممي. فاعتماد مبادرة باعتبارها أساساً للمفاوضات يترك مساحة أوسع لتقديم مرجعيات متوازية، بينما اعتمادها أساساً وحيداً يضع الأطراف أمام إطار تفاوضي محدد، ويجعل النقاش منصباً على مضمون الحكم الذاتي، وحدود الاختصاصات، والضمانات المؤسساتية، وآليات تدبير الشؤون المحلية، والعلاقة بين المؤسسات المحلية والسلطة المركزية.
لكن ينبغي عدم الخلط بين حصرية الأساس التفاوضي وحسم النتيجة النهائية للنزاع. فالمشروع، وفق الصيغة التي نقلتها المصادر، لا يمثل بذاته اتفاقاً نهائياً على السيادة ولا تسوية مكتملة، بل يحدد المرجعية التي ستجري في إطارها المفاوضات، مع الإبقاء على صيغة الحل السياسي المقبول من الأطراف وعلى الإحالة إلى مبدأ تقرير المصير.
وهذا التمييز ضروري، لأن قوة الموقف المغربي في المرحلة المقبلة ستتصل أيضاً بقدرته على تحويل مبادرة الحكم الذاتي إلى تصور مؤسساتي متكامل، قابل للنقاش والتفاوض، وليس الاكتفاء بتكرار توصيفها السياسي.
من MINURSO إلى MINUSO: ماذا يعني حذف الاستفتاء من اسم البعثة؟
المستجد الثاني يتعلق بالهوية المؤسسية للبعثة الأممية. فالمشروع يقترح تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً بـMINURSO، إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً بـMINUSO، ابتداءً من فاتح نونبر 2026.
ويعود الاسم الحالي إلى القرار 690 الصادر سنة 1991، الذي أنشأ البعثة في إطار خطة التسوية التي تضمنت تنظيم استفتاء لتحديد الوضع النهائي للإقليم. غير أن ذلك الاستفتاء لم يُنظم، بسبب الخلافات حول شروطه ومعايير تحديد الهيئة الناخبة، فيما استمرت البعثة في أداء مهام أخرى، خصوصاً مراقبة وقف إطلاق النار والاتصال بالأطراف ومواكبة المسار الأممي.
تغيير التسمية المقترح يحمل دلالة مؤسساتية وسياسية، لأنه يزيل الإحالة المباشرة إلى الاستفتاء من الاسم الرسمي للبعثة، وينسجم مع التوجه نحو جعل العملية السياسية والتفاوضية محوراً أساسياً في المرحلة المقبلة.
غير أن الدقة تقتضي الفصل بين تغيير الاسم وإلغاء مبدأ تقرير المصير. فالأول يتعلق بالتسمية والاختصاصات المؤسسية، أما الثاني فيظل مرتبطاً بالمرجعية القانونية والسياسية التي يستند إليها مجلس الأمن في معالجة النزاع. ولذلك لا يصح تقديم حذف كلمة الاستفتاء من اسم البعثة باعتباره إلغاءً تلقائياً لكل إحالة أممية إلى تقرير المصير.
والأكثر أهمية أن المشروع لا يكتفي بالتغيير الاسمي، بل يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات مفصلة بشأن هيكل البعثة وقوامها ومواردها، بما يشمل احتمال إغلاق بعض المواقع الميدانية أو دمجها، وإعادة النظر في عدد الأفراد النظاميين، وترتيبات مراقبة وقف إطلاق النار، والأعمال المتعلقة بالألغام، ودعم العملية السياسية.
ووفق النسخة المعدلة التي استعرضتها صحيفة يابلادي، حُذف المقترح الأولي الذي كان يحدد خفضاً لا يقل عن 50 في المائة من الأفراد النظاميين بحلول 31 يناير 2027، كما حُذفت الآجال التلقائية التي كانت تقضي بإنهاء مهمة حفظ السلام في أبريل 2027 وتحويل البعثة إلى مهمة سياسية خاصة.
وعوض ذلك، أصبح المشروع يطلب تقديم المقترحات التفصيلية قبل 30 يناير 2027، مع احتفاظ مجلس الأمن بسلطة اتخاذ القرار بشأن مستقبل البعثة وتعديل ولايتها، وفقاً لما ستكشف عنه المقترحات ومدى تقدم العملية السياسية.
هذا التعديل يكشف أن النقاش داخل مجلس الأمن لم يكن محصوراً في مضمون الحل السياسي، بل امتد إلى طبيعة الحضور الأممي نفسه. فالانتقال من تصور يتضمن آجالاً محددة لتقليص الوجود العسكري إلى صيغة تترك الأمر لتقييم الأمين العام وقرار المجلس، يعني أن إعادة الهيكلة أصبحت مساراً مؤسسياً مفتوحاً، وليس إجراءً آلياً يدخل حيز التنفيذ بمجرد اعتماد القرار.
المشاورات الصحراوية: من يتحدث باسم من؟
ثمة مقتضى آخر يستحق قراءة مستقلة، يتعلق بتوسيع دائرة المشاورات التي سيجريها المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا.
فبحسب الصيغة التي أوردتها المصادر الإعلامية، يتجه المشروع إلى تكليف المبعوث الشخصي بالتواصل مع مكونات صحراوية متعددة، تشمل الموجودين بالأقاليم الجنوبية للمملكة، والمقيمين في مخيمات تندوف، وأفراد الجاليات الصحراوية في الخارج.
وتتجاوز هذه المقاربة الاقتصار على التواصل مع الأطراف السياسية المعروفة في العملية التفاوضية، لتفتح المجال أمام الاستماع إلى تصورات واهتمامات اجتماعية وسياسية مختلفة، يمكن أن تدخل ضمن التقارير التي يقدمها المبعوث الشخصي إلى الأمين العام ومجلس الأمن.
المسألة لا تتعلق بمجرد إضافة أسماء إلى قائمة المشاورات. فالتمثيلية السياسية ليست هي التمثيلية الاجتماعية، ولا يمكن افتراض أن موقف تنظيم سياسي واحد يستوعب بالضرورة جميع التصورات والاختيارات الموجودة لدى مختلف المكونات الصحراوية.
بالنسبة للمغرب، يتيح هذا التوجه إبراز تعدد التعبيرات والاختيارات داخل المجتمع الصحراوي، وإظهار أن مناقشة مستقبل الأقاليم الجنوبية لا ينبغي أن تظل محصورة في خطاب جهة سياسية واحدة. لكنه لا يعني، من الناحية القانونية، أن المشروع قرر استبعاد جبهة البوليساريو من المفاوضات أو سحب صفتها كطرف حاضر في المسار الأممي.
التمييز بين الأمرين ضروري. فالمشروع يتحدث عن توسيع المشاورات، وليس عن قرار بإعادة تحديد الصفة القانونية لجميع الأطراف. أما الأثر العملي لهذا التوسيع، فسيتوقف على هوية الأشخاص والهيئات التي ستشملها المشاورات، ومعايير اختيارها، وطبيعة الأسئلة المطروحة عليها، وكيفية إدراج مواقفها في التقارير الأممية.
إن تعدد الأصوات التي يستمع إليها المبعوث الشخصي يمكن أن يوسع قاعدة المعلومات التي يعتمد عليها مجلس الأمن في تقييم مواقف المكونات المعنية بمستقبل المنطقة، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى آلية تمثيلية بديلة عن المفاوضات السياسية.
ملف تندوف: التسجيل الإنساني يدخل ضمن مقتضيات المشروع
على المستوى الإنساني، تتضمن الصيغة المعدلة مقتضى يتعلق باستكمال تسجيل اللاجئين في منطقة تندوف خلال ستة أشهر، وفقاً للقانون الدولي والمعايير المعتمدة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتكتسب هذه النقطة أهمية تتجاوز الجانب الإداري للتسجيل، بالنظر إلى ارتباطها بالمعطيات السكانية، وتحديد الاحتياجات الإنسانية، وتنظيم الحماية والمساعدة، وتقييم الحلول المستدامة.
غير أن التسجيل لا ينبغي تقديمه باعتباره إجراءً شكلياً أو أداة سياسية منفصلة عن وظيفته الإنسانية. فتنفيذه يقتضي ضمان الوصول إلى المعنيين، وحرية التنقل، واحترام المعايير الدولية، والتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
كما أن تحديد مهلة زمنية لا يعني أن العملية ستنجز تلقائياً؛ إذ تبقى النتائج مرتبطة بظروف التنفيذ، والضمانات الميدانية، والتعاون مع الجهات المعنية.
وتشير تغطية إعالامية إلى أن هذا المقتضى ورد ضمن التعديلات المتداولة، بينما أوضحت صحيفة يابلادي أن النسخة المعدلة احتفظت بطلب التسجيل خلال ستة أشهر تحت إشراف المفوضية.
التعديلات الأمريكية تكشف حدود التوافق داخل مجلس الأمن
من الضروري أيضاً قراءة المسودة الزرقاء بعيداً عن الانطباع القائل إنها جاءت نتيجة اتفاق كامل ونهائي بين الدول الخمس الدائمة العضوية.
فالمعطيات المنشورة لا تثبت وجود توافق نهائي بالإجماع بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا على جميع مقتضيات المشروع. بل إن المفاوضات شهدت تحفظات واعتراضات على بعض الصياغات، خصوصاً ما يتعلق بمستقبل البعثة، ودور الأمم المتحدة في قيادة العملية السياسية، والآجال المحددة لإعادة هيكلتها.
وقد نقلت هسبريس عن مصدر أممي أن التعديلات أعادت التأكيد على الدور المركزي للأمين العام ومبعوثه الشخصي، بعد تحفظات بشأن الصيغة الأولى التي منحت الدور الأمريكي مساحة أكبر في تيسير المفاوضات.
كما أن روسيا أعلنت دعمها تمديد ولاية البعثة، لكنها أبقت موقفها النهائي من مشروع القرار مرتبطاً بانتهاء المفاوضات بين أعضاء مجلس الأمن. وهذا موقف لا يجوز تحويله إلى تأييد روسي نهائي لجميع مضامين المشروع.
أما جبهة البوليساريو، فقد أعلنت في رسالة مؤرخة في 22 أكتوبر 2026 رفضها للمسودة الأولية، واعتبرت أنها تخرج عن الأسس التي استند إليها المسار الأممي، ولوحت بإمكانية الانسحاب من العملية السياسية إذا اعتمد المشروع دون تغييرات جوهرية.
وهذا الموقف، بصرف النظر عن تقييم حججه، يوضح أن الصياغة الأمريكية أصبحت موضوع خلاف سياسي وقانوني داخل الأطراف المعنية، وأن التعديلات التي أدخلت عليها لم تكن مجرد مراجعة لغوية.
ومن المهم عدم الخلط بين النسخة الأولية والنسخة الزرقاء. فقد حذفت الصيغة المعدلة بعض المقتضيات التي كانت تتضمن إجراءات أكثر إلزاماً، من بينها تخفيض عدد الأفراد العسكريين بنسبة محددة، وإمكانية اتخاذ تدابير إضافية في مواجهة الأطراف التي لا تنخرط بصورة بناءة في العملية السياسية.
وفي المقابل، احتفظت بالمرجعية التفاوضية المرتبطة بمقترح الحكم الذاتي المغربي، وبالتوجه نحو إعادة تعريف اسم البعثة ومهامها، وبفتح المشاورات على مكونات صحراوية أوسع.
هذا التمييز مهم لفهم طبيعة التفاوض داخل المجلس: التوافق على بعض المقتضيات لا يعني بالضرورة التوافق على جميع النتائج السياسية التي قد تترتب عنها.
الرهان المغربي: الانتقال من تثبيت المرجعية إلى تفصيل مضمون الحكم الذاتي
منذ تقديم المغرب مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، ظل التحدي الأساسي يتمثل في نقل النقاش من مستوى المواقف السياسية العامة إلى مستوى تصور قابل للتفاوض بشأن المؤسسات والصلاحيات والضمانات.
والصيغة الجديدة للمشروع، إذا اعتمدت وفق ما هو متداول، ستجعل هذه المهمة أكثر حضوراً في المرحلة المقبلة. فاعتماد المبادرة أساساً وحيداً للمفاوضات يضع مضمونها في مركز النقاش، ويجعل من الضروري توضيح طبيعة المؤسسات التي ستدبر الشؤون المحلية، وحدود اختصاصاتها، وآليات انتخابها ومراقبتها، والعلاقة بينها وبين مؤسسات الدولة، والضمانات الدستورية والقانونية التي ستؤطر ممارسة الحكم الذاتي.
كما أن توسيع المشاورات يفرض على الخطاب المغربي أن يتعامل مع مختلف المكونات الصحراوية باعتبارها عناصر حاضرة في النقاش حول مستقبل الأقاليم الجنوبية، وأن يقدم تصوراً يستوعب التنوع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، دون اختزال المجتمع في جهة أو صوت واحد.
أما على المستوى الدولي، فإن الدفاع عن المبادرة المغربية يظل مرتبطاً بتقديم الحجج القانونية والمؤسساتية والسياسية، وبالقدرة على شرح مضمونها أمام الدول والهيئات الدولية، لا بمجرد الاكتفاء بتسجيل المواقف المؤيدة لها.
وتظل هناك نقطة لا ينبغي تجاوزها قبل التصويت: مشروع القرار، حتى في صيغته الزرقاء، ليس قراراً نافذاً بعد. فالموقف النهائي لمجلس الأمن لا يتحدد إلا بعد التصويت واعتماد النص، وقد تظل بعض الصياغات موضوع تعديلات حتى اللحظة الأخيرة.
وبالنسبة للمغرب، فإن المرحلة التي يفتحها هذا المشروع، إذا اعتمده المجلس، ستضع مبادرة الحكم الذاتي أمام اختبار أكثر تفصيلاً: كيف تتحول المرجعية السياسية إلى تصور مؤسساتي واضح، وكيف تترجم المواقف الدبلوماسية إلى مسار تفاوضي قابل للتنفيذ، وكيف يُسمع صوت مختلف المكونات الصحراوية في النقاش الأممي حول مستقبل الأقاليم الجنوبية للمملكة.