قراءة في ما كشفه موقع «لوديسك» المقرب من دوائر الدولة ومراكز القرار عن الاتصالات الروسية المغربية، والتحضير المسبق للبلاغ الملكي، وحدود التنسيق الدبلوماسي مع واشنطن وباريس.
تكتسب المعلومات التي نشرها موقع «لوديسك» يوم السبت 31 أكتوبر 2026، بشأن إبلاغ موسكو الرباط كتابياً بعزمها استخدام حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية، أهمية تتجاوز مجرد الكشف عن موقف روسي سبق جلسة التصويت في مجلس الأمن. فالتقرير يفتح زاوية مختلفة لقراءة ما جرى مساء الجمعة 30 أكتوبر، خصوصاً في ما يتعلق بمدى استعداد المغرب لاحتمال تعثر تمديد ولاية بعثة المينورسو، وطبيعة التحضير الدبلوماسي للبلاغ الصادر عن الديوان الملكي بعد فشل التصويت.
لكن التعامل مع هذه المعطيات يقتضي التمييز بين ما نشره الموقع باعتباره معلومات حصل عليها من مصادر خاصة، وما تؤكده الوثائق والمواقف الرسمية المنشورة. فالإبلاغ الروسي المسبق، والتحضير المسبق للبلاغ الملكي، وإطلاع واشنطن وباريس على مضمونه، ثلاثة معطيات مترابطة في رواية «لوديسك»، لكنها ليست بالضرورة في درجة الإثبات نفسها.
موسكو لم تترك مجالاً للالتباس في موقفها
تتضمن رواية «لوديسك» تفصيلاً يستحق التوقف عنده: الرسالة الروسية التي قيل إن موسكو وجهتها إلى الرباط قبل التصويت، وأبلغتها فيها أنها ستستخدم الفيتو ضد المشروع الأمريكي، وأنها ستقدم مشروعاً بديلاً للإبقاء على المينورسو بصيغتها الحالية.
إذا ثبتت هذه المراسلة، فإنها تعني أن الرباط لم تكن تتعامل مع الفيتو باعتباره احتمالاً دبلوماسياً مجرداً، بل كانت تتوفر على معلومة مباشرة من الدولة التي ستستخدم حق النقض. ويختلف ذلك عن مجرد قراءة الموقف الروسي من خلال التصريحات العلنية أو الاتصالات المعتادة بين وزيري الخارجية.
وتكتسب هذه المعلومة أهمية إضافية بالنظر إلى التحركات التي سبقت التصويت. فوفقاً لتقرير آخر نشره «لوديسك» في 31 أكتوبر، أجرى وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة اتصالاً هاتفياً بنظيره الروسي سيرغي لافروف يوم 23 أكتوبر، بمبادرة مغربية، قبل أن يلتقيه في موسكو يوم 28 أكتوبر، على هامش القمة الروسية الإفريقية الثالثة. كما نقل الموقع عن المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا تأكيدها أن موقف موسكو من الصحراء لم يتغير.
هذه المعطيات تجعل توقيت التحرك الروسي أكثر أهمية من مجرد تسجيل خلاف داخل مجلس الأمن. فقد جاءت الاتصالات المغربية الروسية في الأيام الأخيرة السابقة للتصويت، وفي مرحلة كانت فيها صياغة المشروع الأمريكي قد اتجهت إلى جعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً وحيداً للمفاوضات، مع تغيير اسم المينورسو وحذف الإحالة إلى الاستفتاء من تسميتها.
لكن التصريح الروسي بأن الموقف لم يتغير لم يكن إعلاناً عن تأييد المشروع الأمريكي. فموسكو ظلت متمسكة بإبقاء الإطار الأممي السابق، ورفضت أن يؤدي مشروع القرار إلى حسم مسبق لطبيعة التسوية أو إلى تغيير مرجعية البعثة من دون توافق داخل المجلس. وقد تجسد ذلك في التصويت، عندما استخدمت روسيا الفيتو ضد المشروع الأمريكي، رغم حصوله على أحد عشر صوتاً مؤيداً وثلاثة امتناعات.
واللافت أن موسكو لم تكتف بالتصويت ضد المشروع الأمريكي، بل قدمت مشروعاً روسياً مقابلاً يقضي بتمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على اسمها واختصاصاتها القائمة. وقد قدم المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا هذا النص باعتباره محاولة للحفاظ على الوجود الأممي، مؤكداً أنه يستند إلى الصياغات التي سبق للمجلس اعتمادها، ولا يتضمن عناصر جديدة تغير الإطار المتفق عليه.
في المقابل، لم يحصل المشروع الروسي إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض وأحد عشر امتناعاً. والفارق القانوني والسياسي مهم: المشروع الأمريكي سقط باستخدام روسيا حق النقض، أما المشروع الروسي فلم يسقط بفيتو أمريكي، وإنما لعدم حصوله على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماد القرار
لم يكن التصويتان، بالتالي، تعبيراً عن نتيجة واحدة أو عن مواجهة متطابقة بين الطرفين. لقد منع الفيتو الروسي اعتماد المشروع الأمريكي، ثم أخفق المشروع الروسي في جمع الحد الأدنى من الأصوات اللازمة لتمديد ولاية البعثة.
البلاغ الملكي.. التوقيت ومضمون الرسالة
صدر بلاغ الديوان الملكي بعد انتهاء التصويتين، متضمناً موقفاً مغربياً يتجاوز التعبير عن عدم تجديد ولاية المينورسو. فقد أعلن أن هذا التطور يشكل خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، وأن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بأفرادها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن يتوقف خلال الأيام المقبلة.
كما ربط البلاغ هذا التطور بالانتقال من منطق تدبير الملف إلى تغيير عميق في محدداته، وتحدث عن انتهاء مرحلة امتدت 35 سنة، وعن ضرورة وقف الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن والتقارير الأممية والإحاطات المرتبطة بالملف، مع الإشارة إلى أن المغرب سيواصل تحركاته على المستوى الثنائي والإقليمي.
هذا المضمون لا يشبه إعلاناً مقتضباً عن موقف من نتيجة تصويت. إنه يتضمن تصوراً سياسياً ودبلوماسياً للمرحلة المقبلة، ويحدد ما تعتبره الرباط نتائج ينبغي أن تترتب على عدم تجديد ولاية البعثة.
وتكتسب رواية «لوديسك» بشأن إعداد البلاغ مسبقاً أهميتها من هذه الزاوية. فالموقع يقول إن النص لم يُحرر بعد إعلان النتيجة، وإن واشنطن وباريس كانتا على علم بمضمونه قبل صدوره، وإن ذلك جرى في إطار اتصالات دبلوماسية سبقت جلسة مجلس الأمن.
إذا صحت هذه المعلومات، فإن الأمر يشير إلى أن المغرب كان قد أعد موقفه للمرحلة التي ستلي فشل التصويت، وأن البلاغ لم يكن ردة فعل مرتجلة على الفيتو الروسي. لكن الموقع لم ينشر الرسالة الروسية، ولا وثيقة تثبت تاريخ إعداد البلاغ، ولا محاضر أو مراسلات تؤكد إطلاع واشنطن وباريس عليه. ولذلك تبقى هذه الجزئيات منسوبة إلى مصادر «لوديسك» الخاصة، ولا يصح تحويلها إلى وقائع موثقة بصورة مستقلة.
أما النص الرسمي للبلاغ، المنشور على الموقع الحكومي المغربي، فيثبت مضمون الموقف الملكي وتاريخه، لكنه لا يثبت وحده متى تمت صياغته أو من اطلع عليه قبل نشره.
ما الذي يثبته التصويت، وما الذي لا يحسمه؟
تحتاج قراءة الموقف المغربي إلى وضعه ضمن التحول الذي عرفه مجلس الأمن منذ اعتماد القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025. فقد تضمن ذلك القرار تمديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وأكد دعم المجلس للمفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق.
كما طلب القرار من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية البعثة، مع الأخذ في الاعتبار نتائج المفاوضات. وبذلك لم يكن مشروع أكتوبر 2026 منفصلاً عن مسار بدأ قبل سنة، بل جاء في مرحلة كان يفترض فيها أن تتحول المراجعة الاستراتيجية إلى عناصر عملية لتحديد مستقبل البعثة.
المشروع الأمريكي حاول نقل هذا المسار إلى مستوى جديد، من خلال جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساس المفاوضات، وتغيير تسمية المينورسو إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، مع إعادة تنظيم مهامها وتقليص دورها العسكري. كما تضمن مقتضيات تتعلق بتسجيل سكان مخيمات تندوف.
لم يكن اعتراض روسيا، وفق تصريحات مندوبها في مجلس الأمن، موجهاً فقط إلى تغيير اسم البعثة. فقد اعتبرت موسكو أن المشروع الأمريكي يضعف مبدأ التفاوض المتكافئ، ويستبق نتائج التسوية السياسية، ويهمش أحد أطراف النزاع. وذهبت إلى أن الإبقاء على المينورسو بصيغتها الحالية ضروري لاستمرار الرقابة الأممية والحفاظ على مستوى منخفض من التوتر.
هذا هو التفسير الرسمي الروسي، وليس بالضرورة التفسير الوحيد لدوافع التصويت. فالموقف يعكس أيضاً اختلافاً بين واشنطن وموسكو حول كيفية إدارة الملف الأممي وحدود التغيير الذي يمكن إدخاله على ولاية بعثة أنشئت سنة 1991.
وتكشف المواقف التي أعقبت التصويت عن اختلاف واضح في قراءة النتيجة. فالولايات المتحدة اعتبرت أن الفيتو الروسي عرقل تقدماً في اتجاه تسوية تقوم على مقترح الحكم الذاتي، بينما دافعت روسيا عن مشروعها باعتباره محاولة للحفاظ على الحضور الأممي. أما فرنسا، فقد انتقدت ما وصفته بالعرقلة الروسية، واعتبرت أن موسكو وضعت البعثة في وضع بالغ الصعوبة بعدما عرقلت المشروع الأمريكي ثم قدمت مشروعاً بديلاً لم يحظ بالتأييد الكافي.
وبذلك لم يكن مجلس الأمن أمام اصطفاف بسيط بين مؤيد للمغرب ومعارض له، بل أمام خلاف داخل القوى الدائمة العضوية حول مستقبل الآلية الأممية نفسها، وطبيعة المرجعية التي ينبغي أن تحكم المفاوضات المقبلة.
عدم تجديد ولاية المينورسو لا يعني تلقائياً إغلاق الملف الأممي
توجد نقطة قانونية تستحق عناية خاصة عند قراءة البلاغ الملكي، وهي الفصل بين انتهاء ولاية بعثة المينورسو وبين انتهاء اختصاص مجلس الأمن بالنظر في قضية الصحراء.
فالقرار 2797 لم يقتصر على تمديد ولاية البعثة إلى 31 أكتوبر 2026، بل نص أيضاً في فقرته السادسة على أن مجلس الأمن يقرر إبقاء المسألة قيد نظره. وهذا مقتضى مستقل عن مدة الولاية، ولا يتضمن نص القرار أن انتهاء الولاية يؤدي تلقائياً إلى حذف القضية من جدول أعمال المجلس.
وعليه، فإن عدم اعتماد قرار جديد يعني انتهاء التفويض القائم للبعثة عند حلول موعده، ما لم يتدخل المجلس بقرار لاحق. لكنه لا يشكل، من الناحية القانونية وحدها، قراراً صريحاً بإنهاء اختصاص الأمم المتحدة أو إغلاق الملف من جدول أعمال مجلس الأمن.
التمييز ضروري أيضاً عند الحديث عن مغادرة أفراد البعثة ومعداتها. فعدم تجديد الولاية يضع وجودها القانوني والعملياتي أمام وضع جديد، لكن ترتيبات إنهاء الانتشار أو إعادة تنظيمه تتطلب معالجة مؤسساتية وأممية، ولا ينبغي الخلط بينها وبين مجرد نتيجة التصويت.
البلاغ الملكي يعبر عن الموقف المغربي من التداعيات التي ينبغي أن تترتب على هذا التطور، وهو موقف سياسي ودبلوماسي معلن. أما اعتباره قراراً أممياً بإغلاق الملف، فلا تسنده نتيجة التصويت وحدها.
موسكو والرباط.. خلاف في مجلس الأمن لا يلغي حسابات الشراكة
تزداد أهمية التساؤل بشأن الرسالة الروسية المزعومة عند النظر إلى العلاقات المغربية الروسية. فقد احتفل البلدان خلال 2026 بمرور عشر سنوات على توقيع الشراكة الاستراتيجية المعمقة سنة 2016، كما استمرت الاتصالات السياسية والاقتصادية بينهما رغم اختلاف مواقفهما في عدد من القضايا الدولية.
ووفق ما أورده «لوديسك» في تقريره التحليلي الآخر، فإن المغرب وروسيا يرتبطان بمصالح اقتصادية تشمل واردات المحروقات والقمح والكبريت، إلى جانب العلاقات التجارية والتعاون في مجالات متعددة. وهذا يجعل العلاقة بين البلدين أوسع من ملف الصحراء، حتى عندما يظهر اختلاف جوهري في مجلس الأمن.
واللقاء الذي جمع ناصر بوريطة بسيرغي لافروف في 28 أكتوبر بموسكو، قبل التصويت بيومين، يكتسب أهمية خاصة عند قراءة التسلسل الزمني للأحداث. غير أن مجرد استمرار الاتصالات لا يثبت وجود اتفاق مسبق بين البلدين بشأن نتائج التصويت، كما أن الإبلاغ الروسي المسبق، إذا ثبت، لا يعني أن الرباط وافقت على الموقف الروسي أو تبنته.
المؤكد أن روسيا اختارت هذه المرة الانتقال من الامتناع الذي سجلته في تصويت القرار 2797 سنة 2025 إلى استخدام الفيتو ضد المشروع الأمريكي سنة 2026. وهذا تحول في السلوك التصويتي الروسي يستحق القراءة ضمن علاقاتها بالقوى الكبرى وموقفها من المرجعية الأممية، وليس باعتباره دليلاً كافياً على تغير موقفها من السيادة المغربية.
ما الذي ينبغي أن تتابعه الرباط بعد 31 أكتوبر؟
انتهاء ولاية المينورسو يفتح ملفات عملية وقانونية لا تحسمها البلاغات السياسية وحدها. فهناك مستقبل الوجود الميداني للأمم المتحدة، ووضع المراقبة المرتبطة بوقف إطلاق النار، ومصير الترتيبات التي ارتبطت بوجود البعثة على مدى أكثر من ثلاثة عقود، فضلاً عن دور الأمين العام ومبعوثه الشخصي وإمكانية استئناف المشاورات داخل مجلس الأمن.
ويظل الحفاظ على وقف إطلاق النار مسألة مستقلة عن الخلاف حول اسم البعثة أو طبيعة ولايتها. فالبلاغ الملكي نفسه أكد تشبث المغرب بوقف إطلاق النار، في احترام تام للوحدة الترابية والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين.
أما على المستوى الدبلوماسي، فإن ما يستحق المتابعة هو كيفية ترجمة المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي إلى خطوات عملية، ومدى استمرار هذا الدعم داخل مجلس الأمن وخارجه، خصوصاً أن مشروع القرار الأمريكي حظي بأحد عشر صوتاً مؤيداً، وهو معطى رسمي لا تلغيه نتيجة الفيتو الروسي.
ويكتسب هذا الرقم أهمية عند مقارنته بالتصويت على المشروع الروسي، الذي لم يتمكن من الحصول إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة. فالمجلس لم يعتمد أياً من المشروعين، لكن الفارق بين عدد الأصوات يكشف اختلاف مستوى التأييد الذي حظي به كل تصور لمستقبل المينورسو.
تبقى الرسالة الروسية التي كشف عنها «لوديسك» الحلقة الأكثر حساسية في هذه الرواية. فإذا ظهرت وثائق تثبت مضمونها وتاريخ توجيهها، وأمكن تأكيد اطلاع واشنطن وباريس مسبقاً على البلاغ الملكي، فسنكون أمام معطيات إضافية لفهم طريقة تدبير الرباط للمرحلة السابقة للتصويت. أما في الوقت الراهن، فينبغي التعامل معها باعتبارها معلومات صحافية حصرية لم تنشر الوثائق الأصلية المؤيدة لها.
والأمر الذي تثبته الوثائق الرسمية بالفعل هو أن المغرب دخل مرحلة جديدة بعد انتهاء ولاية المينورسو، وأن مجلس الأمن أخفق في اعتماد المشروعين الأمريكي والروسي معاً. أما ما إذا كان هذا التطور سيؤدي إلى إنهاء المسار الأممي بالصورة التي يعبر عنها البلاغ الملكي، فذلك يظل مرتبطاً بما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية والقانونية المقبلة.