من القاعات الإفريقية إلى الولايات المتحدة وكندا، يفتح الفيلم المغربي «ATOMAN»، لأنور معتصم، فصلاً جديداً في مساره الدولي، مع اتفاق لتوزيعه على ما لا يقل عن 100 شاشة سينمائية مطلع 2027. إنها خطوة تتجاوز حدود التوزيع التجاري لتلامس سؤال حضور الشخصية المغربية والإفريقية في صناعة الخيال السينمائي العالمي.
لم يعد الرهان الذي يحمله فيلم «ATOMAN» مقتصراً على تقديم إنتاج سينمائي مغربي لجمهور خارج حدوده الجغرافية، بل بدأ يتخذ أبعاداً أكثر ارتباطاً بموقع السينما المغربية داخل خريطة الصناعات الثقافية العالمية، وبقدرتها على الانتقال من استهلاك عوالم الخيال التي تنتجها السينما الدولية إلى المشاركة في ابتكار شخصياتها وحكاياتها ورموزها البصرية. فالإعلان عن اقتناء شركة «Disrupt Entertainment» حقوق توزيع الفيلم في أمريكا الشمالية، تمهيداً لإطلاقه في ما لا يقل عن 100 شاشة بالولايات المتحدة وكندا مطلع سنة 2027، يضع هذا العمل أمام اختبار مختلف، عنوانه الوصول إلى جمهور اعتاد على تقاليد سينمائية راسخة في إنتاج أفلام الأبطال الخارقين وتوزيعها وتسويقها.
وتكتسب هذه المحطة أهميتها من طبيعة السوق المستهدفة نفسها. فأمريكا الشمالية ليست مجرد فضاء إضافي لعرض فيلم أجنبي، وإنما واحدة من أكثر البيئات السينمائية تنافسية، حيث تتداخل قوة شبكات العرض، وآليات التسويق، والامتيازات التجارية للشخصيات السينمائية، مع ذائقة جماهيرية تشكلت عبر عقود من الإنتاجات الكبرى. ولذلك، فإن دخول «ATOMAN» إلى هذه السوق، إذا تحقق وفق الخطة المعلنة، يمثل انتقالاً من دائرة التعريف بالسينما المغربية إلى محاولة اختبار قدرتها على المنافسة داخل مجال سينمائي دولي تحكمه معايير فنية وتجارية وتسويقية دقيقة.
وبحسب ما أورده موقع «Deadline» الأمريكي في 3 نونبر 2026، فإن اتفاق التوزيع الذي تقوده شركة «Disrupt Entertainment»، برئاسة بن ييني، يستهدف إطلاق الفيلم في شبكة من القاعات السينمائية، من بينها قاعات تابعة لشركة «AMC Theatres». ويحمل هذا الاختيار دلالة تتجاوز العدد المعلن للشاشات؛ إذ يتعلق الأمر بإتاحة الفيلم ضمن منظومة عرض تجاري واسعة، تسمح له بمخاطبة شرائح جماهيرية متنوعة، وتضعه أمام تحدي بناء حضوره خارج الدائرة التقليدية للجمهور المهتم بالسينما المغربية أو الإفريقية.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المسار الذي سبقها. فقد دخل «ATOMAN» إلى فضاءات التوزيع الإفريقية عبر «Pathé Afrique»، وهي محطة تتيح وضع العمل داخل شبكة من الأسواق التي تتقاطع فيها الخصوصيات الثقافية مع التحولات المتسارعة في استهلاك المحتوى السينمائي. كما أعلن منتجه عن استمرار الفيلم عشرة أسابيع ضمن قائمة الأعمال العشرة الأكثر مشاهدة على منصة «Prime Video» بفرنسا، وهي معطيات تعكس، في حدود ما تم الإعلان عنه، امتداداً رقمياً للعمل خارج قاعات العرض التقليدية.
ويكشف الجمع بين التوزيع السينمائي والمنصات الرقمية عن تحول مهم في طبيعة المسارات التي يمكن أن تسلكها الإنتاجات المغربية للوصول إلى الجمهور الدولي. فالقاعات تمنح الفيلم تجربة المشاهدة الجماعية وحضوراً بصرياً يرتبط بالشاشة الكبيرة، بينما تتيح المنصات الرقمية امتداداً زمنياً وجغرافياً مختلفاً، وتفتح المجال أمام اكتشاف العمل من طرف جمهور لا يرتبط بالضرورة بمواعيد العرض السينمائي أو بمكان إقامته. وبين النموذجين، تتشكل فرصة لبناء حياة دولية أطول للفيلم، شريطة أن تتحول مؤشرات المشاهدة والتوزيع إلى علاقة مستمرة مع الجمهور.
ويمتد طموح التوزيع، وفق المعطيات التي أعلنها المنتج، إلى أسواق أخرى تشمل روسيا وكوريا الجنوبية والهند وأمريكا اللاتينية. وتظل هذه الأسواق، بالنظر إلى اختلاف بنياتها التجارية والثقافية واللغوية، رهينة ما ستسفر عنه الاتفاقات النهائية ومواعيد الإطلاق المؤكدة. لكنها تكشف، في بعدها الاستراتيجي، عن تصور لا يحصر الفيلم في مسار جغرافي واحد، بل يسعى إلى اختبار قابلية حكايته وشخصياته للانتقال بين بيئات ثقافية متباينة.
في قلب هذا المشروع، تبرز مسألة لا تقل أهمية عن التوزيع ذاته: من يملك حق صناعة أبطال الخيال الذين يكبر معهم الأطفال؟ فمنذ عقود، ظلت شخصيات الأبطال الخارقين في السينما العالمية مرتبطة إلى حد بعيد بمدارس إنتاجية أمريكية وأوروبية وآسيوية، استطاعت تحويل الشخصيات المتخيلة إلى علامات ثقافية وتجارية عابرة للحدود. ولم تعد هذه الشخصيات مجرد أدوار داخل أفلام ترفيهية، بل أصبحت جزءاً من الذاكرة البصرية لأجيال كاملة، ومنظومات متكاملة تشمل السينما والتلفزيون والألعاب والمنتجات الثقافية.
من هذه الزاوية، يبدو «ATOMAN» محاولة لفتح نافذة مختلفة أمام الطفل المغربي والإفريقي، حتى لا تظل علاقته بعالم الأبطال الخارقين محكومة حصرياً بشخصيات مستوردة من بيئات ثقافية أخرى. فالمشروع، الذي أنتجته شركة «Casablanca Pictures»، ينطلق من تصور يجعل الهوية الثقافية جزءاً من بناء الشخصية السينمائية، وليس مجرد خلفية جغرافية أو عنصر زخرفي في الصورة. إنه رهان على أن تكون للشخصية المغربية والإفريقية قدرة على حمل الخيال والمغامرة والقيم الإنسانية، وأن تدخل المنافسة العالمية من موقع يمتلك خصوصيته دون أن ينغلق داخلها.
وهذه النقطة هي التي تمنح العمل بعده الثقافي الأوسع. فالعالمية في السينما لا تعني التخلي عن الجذور المحلية، كما أن الخصوصية الثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام الانتشار. التجارب السينمائية التي استطاعت بناء حضور دولي لم تفعل ذلك بالضرورة عبر محاكاة الآخرين، بل من خلال تحويل عناصر من ذاكرتها الاجتماعية والثقافية إلى حكايات مفهومة إنسانياً، وقادرة على التواصل مع جمهور لا يشترك معها في اللغة أو الجغرافيا. ومن هذا المنظور، فإن صناعة بطل مغربي أو إفريقي لا تكتسب معناها من اسمه أو ملامحه وحدهما، وإنما من العالم الدرامي الذي يتحرك داخله، ومن قدرته على إثارة التعاطف والفضول والتفاعل لدى المشاهد.
ويختصر المخرج والمنتج المغربي أنور معتصم هذه الرؤية بعبارة تحمل أكثر من دلالة: «لقد كبرنا على أبطال الآخرين. حان الوقت ليتعرف العالم على أبطالنا». إنها ليست مجرد عبارة ترويجية مرتبطة بإطلاق فيلم جديد، بل تعبير عن طموح ثقافي يتصل بإعادة توزيع الأدوار داخل المخيلة السينمائية العالمية؛ من موقع الجمهور الذي يستهلك الشخصيات الجاهزة إلى موقع المنتج الذي يبتكر شخصياته ويمنحها فرصة الوصول إلى الشاشات الدولية.
لكن تحويل هذه الرؤية إلى حضور مستدام يقتضي أكثر من نجاح فيلم واحد في الوصول إلى قاعات العرض. فصناعة الشخصيات السينمائية القابلة للاستمرار تحتاج إلى كتابة متماسكة، وهوية بصرية مميزة، وجودة إنتاجية، واستراتيجية تسويق وتوزيع، فضلاً عن القدرة على تطوير عوالم سردية يمكن أن تستوعب أعمالاً لاحقة. فالرهان الحقيقي لا يتوقف عند استقبال الجمهور لفيلم «ATOMAN»، بل يمتد إلى إمكانية بناء تجربة إنتاجية مغربية قادرة على تحويل الشخصية إلى مشروع فني متجدد، له جمهوره وامتداده وإمكاناته التجارية والثقافية.
ومن شأن هذه التجربة، إذا نجحت في بناء قاعدة جماهيرية خارجية، أن تفتح نقاشاً أوسع حول موقع المغرب في الصناعات السينمائية ذات الطابع الجماهيري. فقد ارتبط حضور السينما المغربية دولياً، في مسارات متعددة، بالأفلام الروائية والدرامية والاجتماعية، وبمشاركات المهرجانات والتظاهرات السينمائية، وبالاعتراف بإمكاناتها الفنية والتقنية. أما دخول مجال أفلام الأبطال الخارقين، فيطرح مجالاً آخر للمنافسة، يقوم على بناء الشخصيات والعوالم المتخيلة واستثمارها عبر قنوات توزيع متعددة، وهو مجال تتداخل فيه السينما مع الصناعات الإبداعية والتكنولوجية والتسويقية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية بالنسبة إلى القارة الإفريقية، التي تمتلك تنوعاً هائلاً في الموروثات الثقافية والقصص والأساطير والشخصيات التاريخية والخيالية، لكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق ببنية الإنتاج والتمويل والتوزيع والوصول إلى الأسواق الدولية. ولذلك، فإن تقديم شخصية تستمد جانباً من هويتها من المحيط المغربي والإفريقي، مع التوجه إلى جمهور عالمي، يفتح احتمالاً ثقافياً يتجاوز حدود الفيلم نفسه، ويتمثل في توسيع مساحة التمثيل الإفريقي داخل أنواع سينمائية ظلت لفترة طويلة مرتبطة بمراكز إنتاج عالمية محددة.
وفي مواكبة الإعلان عن الاتفاق، وجه أنور معتصم تقديره إلى شركاء الفيلم ومنتجيه المشاركين والمنتسبين، وإلى المركز السينمائي المغربي، فضلاً عن الممثلين والتقنيين والموزعين الذين ساهموا في إنجاز المشروع ومواكبة مساره. كما نوه بالدور الذي اضطلعت به شركة «Disrupt Entertainment» ورئيسها بن ييني، إلى جانب آلان غرين وشركة «OneTwoThree Media»، في فتح آفاق جديدة أمام العمل. وهي إشارة إلى أن وصول الإنتاج السينمائي إلى الأسواق الخارجية لا يرتبط بالمخرج أو المنتج وحدهما، بل بمنظومة من الشراكات المهنية والتجارية التي تشكل جسراً بين الإنتاج المحلي وشبكات التوزيع العالمية.
ومع اقتراب الموعد المرتقب لإطلاق «ATOMAN» في الولايات المتحدة وكندا مطلع 2027، يبقى الاختبار الأهم هو قدرة الفيلم على تحويل الاتفاق التجاري إلى حضور فعلي لدى الجمهور، وعلى إثبات أن الشخصية التي تنطلق من بيئة ثقافية مغربية وإفريقية تستطيع أن تجد مكاناً لها داخل فضاء سينمائي عالمي شديد التنافسية. فعدد الشاشات المستهدف يشكل مؤشراً على حجم الانتشار الذي تسعى إليه خطة التوزيع، لكنه لا يمثل وحده حكماً على النجاح الجماهيري أو التجاري، اللذين ستحددهما نتائج العرض واستجابة المشاهدين.
وبين المغرب وأمريكا الشمالية، لا يحمل «ATOMAN» مجرد حكاية بطل يسعى إلى الوصول إلى شاشة أكبر، بل يحمل معه سؤالاً ثقافياً حول موقع الخيال المغربي والإفريقي في الذاكرة البصرية للأجيال الجديدة. إنها محاولة للانتقال من مرحلة مشاهدة أبطال يصنعهم الآخرون إلى مرحلة المساهمة في صناعة أبطال قادرين على مخاطبة العالم، من دون أن يفقدوا الصلة بالأرض التي انطلقت منها حكاياتهم.
قد لا يكون فيلم واحد كافياً لإعادة رسم خريطة الأبطال الخارقين في السينما العالمية، لكن وصول إنتاج مغربي إلى مسار توزيع يستهدف عشرات القاعات في أمريكا الشمالية يضيف تجربة جديدة إلى مسار انفتاح السينما المغربية على الأسواق الدولية. وإذا استطاع «ATOMAN» أن يحول هذا العبور إلى علاقة حقيقية مع جمهوره، فقد لا يكون الأمر مجرد محطة في مسيرة فيلم، بل بداية تفكير سينمائي مختلف في كيفية صناعة الشخصية المغربية وتصدير الخيال الوطني والإفريقي إلى العالم.