ذات صلة

أحدث المقالات

انتخابات 2026 الأمريكية.. زلزال انتخابي يطيح بالأغلبية الجمهورية في الكونغرس، وحرب إيران وغزة تضعان سياسات ترامب تحت اختبار الناخبين.. وعبد السيد يصبح أول سيناتور مسلم من أصول مصرية

لم تكن ليلة الثالث من نوفمبر 2026 مجرد موعد انتخابي لتجديد مقاعد في الكونغرس الأمريكي وبعض مناصب حكام الولايات. فالنتائج التي بدأت تتضح صباح الأربعاء كشفت عن تحول واسع في الخريطة السياسية الأمريكية، بعدما نجح الحزب الديمقراطي في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ من الجمهوريين، في انتكاسة انتخابية تطال الحزب الذي عاد دونالد ترامب إلى قيادته السياسية منذ يناير 2025، وتضع إدارته أمام سنتين من الحكم في ظل كونغرس تسيطر عليه المعارضة.

ومن بين النتائج التي استأثرت باهتمام وسائل الإعلام الأمريكية والدولية، فوز الديمقراطي عبد السيد (Abdul El-Sayed)، البالغ من العمر 42 سنة، بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ، متقدماً على منافسه الجمهوري مايك روجرز، المدعوم من الرئيس دونالد ترامب. وبذلك يصبح عبد السيد أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، في سابقة تتجاوز دلالتها الشخصية إلى النقاش الأوسع حول تمثيل المسلمين والعرب الأمريكيين داخل المؤسسات الفيدرالية.

عبد السيد، وهو نجل مهاجرين مصريين ومسؤول سابق في قطاع الصحة العامة بولاية ميشيغان، لم يصل إلى هذا الموقع عبر مسار سياسي تقليدي. فقد سبق أن خاض انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية لمنصب حاكم الولاية سنة 2018، ولم يتمكن آنذاك من الفوز بالترشيح. وبعد ثماني سنوات، عاد إلى المنافسة في واحدة من أكثر الدوائر حساسية في حسابات السيطرة على مجلس الشيوخ، مستنداً إلى خطاب سياسي تقدمي يركز على الرعاية الصحية الشاملة، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر، والحد من تأثير الأموال والشركات الكبرى في القرار السياسي.

وفي خطاب إعلان فوزه أمام أنصاره بمدينة ديترويت، تحدث السيد عن الثقة التي منحه إياها الناخبون، قائلاً: «لقد خاطرتم باختيار المرشح الأقل احتمالاً للفوز، شكراً لكم، هذا كله لكم». ولم تكن الإشارة إلى صعوبة حملته مجرد تعبير عن الامتنان؛ فقد واجه المرشح الديمقراطي إنفاقاً انتخابياً خارجياً كبيراً، وحملة سياسية ركزت على مواقفه من إسرائيل والحرب في غزة، فضلاً عن استهداف خلفيته الدينية والتشكيك في ولائه للولايات المتحدة.

ووفق وكالة أسوشيتد برس، أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصاراً بـ«إيباك» (AIPAC)، قرابة 30 مليون دولار لمعارضة ترشيحه خلال الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، ضمن إنفاق خارجي بلغ نحو 60 مليون دولار في تلك المنافسة. كما واجه اتهامات وتلميحات بشأن صلات مزعومة بجماعة الإخوان المسلمين، وهي ادعاءات لم تقدم الحملة الجمهورية أدلة تثبتها، ونفاها عبد السيد.

لم يكن الجدل حول هوية المرشح منفصلاً عن مواقفه السياسية. فقد انتقد عبد السيد الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، ووصف ما ترتكبه في غزة بالإبادة الجماعية، وهي مواقف جعلته هدفاً لهجمات من خصومه، لكنها في المقابل منحته حضوراً لدى قطاعات من الناخبين الذين باتوا يربطون بين السياسة الخارجية الأمريكية ومصداقية الخطاب السياسي الداخلي.

وكان منافسه مايك روجرز، وهو نائب سابق في مجلس النواب وعميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي، يحظى بدعم ترامب والقيادات الجمهورية الوطنية. غير أن حملته واجهت صعوبة في التوفيق بين الولاء للرئيس ومخاوف الناخبين من ارتفاع الأسعار وتداعيات الحرب مع إيران والتوترات التجارية مع كندا، حتى إن روجرز اتخذ في الأسابيع الأخيرة مواقف مخالفة للرئيس بشأن ضرورة إنهاء الحرب وتخفيف الضغوط الاقتصادية.

وتكتسب نتيجة ميشيغان أهمية إضافية بالنظر إلى أن المقعد كان يشغله السيناتور الديمقراطي غاري بيترز الذي قرر عدم الترشح مجدداً. ففوز عبد السيد لم يكن مجرد انتزاع مقعد من جمهوري، وإنما نجاح الديمقراطيين في الاحتفاظ بمقعد كان يمكن أن يتحول إلى مكسب للجمهوريين، في معركة كانت فيها حسابات السيطرة على مجلس الشيوخ مفتوحة على احتمالات متعددة.

الكونغرس يتغير.. والبيت الأبيض أمام معارضة تمتلك أدوات الرقابة

على المستوى الفيدرالي، جاءت نتائج مجلس النواب أكثر وضوحاً في حجم التحول. فالديمقراطيون تجاوزوا عتبة 218 مقعداً اللازمة للحصول على الأغلبية داخل المجلس المكون من 435 عضواً، وسجلت الحصيلة الأولية التي نشرتها صحيفة «الغارديان» 228 مقعداً للديمقراطيين مقابل 139 للجمهوريين، مع استمرار فرز الأصوات في عدد من الدوائر. وهي أرقام مرحلية وليست الحصيلة النهائية للمقاعد.

أما مجلس الشيوخ، فقد انتقل بدوره إلى المعسكر الديمقراطي. وتشير الحصيلة التي نشرتها المصادر الأمريكية إلى 54 مقعداً للكتلة الديمقراطية، من بينها مقعدا العضوين المستقلين المتحالفين معها، مقابل 44 مقعداً للجمهوريين، مع استمرار حسم سباقين انتخابيين. وكان الجمهوريون قد دخلوا الانتخابات بأغلبية 53 مقابل 47، بينما احتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ لا يقل عن أربعة مقاعد لاستعادة السيطرة.

وتمكن الديمقراطيون من تحقيق مكاسب في سبع ولايات، هي كانساس وأيوا وتكساس وأوهايو ومين ونورث كارولاينا وساوث كارولاينا. وتبرز أهمية هذه النتائج في أن بعضها تحقق داخل ولايات صوتت لصالح ترامب في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، ما يعكس قدرة الديمقراطيين على اختراق مناطق لم تكن تُصنف تقليدياً ضمن دوائرهم الانتخابية المضمونة.

في تكساس، فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو على الجمهوري كين باكستون، في نتيجة ذات دلالة سياسية بالنظر إلى المكانة التي تحتلها الولاية داخل القاعدة الانتخابية الجمهورية. وفي كانساس، انتزع الديمقراطي آدم هاميلتون المقعد من السيناتور الجمهوري روجر مارشال، بينما شهدت أيوا فوز الديمقراطي جوش توريك على الجمهورية آشلي هينسون.

وفي أوهايو، استعاد الديمقراطي شيرود براون المقعد بعد تغلبه على الجمهوري جون هاستد، بينما شهدت مين فوز الديمقراطي تروي جاكسون على السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز. كما حقق الديمقراطيون مكاسب في نورث كارولاينا وساوث كارولاينا، لتكتمل بذلك سبعة مقاعد انتقلت من السيطرة الجمهورية إلى الديمقراطيين.

وفي المقابل، حافظ الحزب على مقاعد أساسية، من بينها مقعد جورجيا الذي جدد الناخبون الثقة فيه بالسيناتور جون أوسوف، أحد أبرز الوجوه الديمقراطية التي خاضت معركة إعادة انتخابها في ولاية فاز بها ترامب سنة 2024.

وتعكس هذه الحصيلة اتساع الخسارة الجمهورية خارج حدود السباقات المتوقعة. فالديمقراطيون لم يكتفوا بتحقيق مكاسب في الولايات المتأرجحة، بل تمكنوا من الوصول إلى ولايات ظلت لسنوات طويلة جزءاً من المجال الانتخابي الأكثر أمناً للجمهوريين.

وعلى مستوى حكام الولايات، امتدت الخريطة الانتخابية الجديدة إلى تكساس وأوهايو وجورجيا وأيوا، حيث فاز الديمقراطيون بمناصب كانت تحت الإدارة الجمهورية. ففي جورجيا، أصبحت كييشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة لولاية أمريكية، بينما حققت جينا هينوخوسا فوزاً تاريخياً في تكساس، لتصبح أول امرأة من أصول لاتينية تتولى منصب حاكم الولاية. وفي أوهايو فازت الديمقراطية إيمي أكتون، بينما انتصر روب ساند في أيوا.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، شملت المكاسب الديمقراطية أكثر من عشرين دائرة انتخابية في مجلس النواب، إلى جانب سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ وأربع ولايات في انتخابات الحكام.

الحرب مع إيران.. عندما تنتقل كلفة السياسة الخارجية إلى فاتورة الأسرة الأمريكية

يصعب فهم حجم التحول الانتخابي من دون العودة إلى الوضع الاقتصادي الذي سبق الاقتراع. فارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة والسلع الأساسية، إلى جانب الرسوم الجمركية وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت من الملفات التي طغت على النقاش الانتخابي، ووجدت المعارضة الديمقراطية فيها فرصة لربط القرارات الخارجية والاقتصادية للإدارة بما تتحمله الأسر الأمريكية يومياً.

واللافت أن هذا الربط لم يكن مجرد خطاب انتخابي حزبي. فقد نشر مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، في الخامس من غشت 2026، نتائج استطلاع للرأي أُنجز خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 21 يوليوز، وشمل عينة وطنية تمثيلية من 2156 بالغاً أمريكياً.

وأظهرت النتائج أن 68 في المائة من الأمريكيين يرون أن تكاليف الحرب مع إيران تجاوزت فوائدها، مقابل 31 في المائة اعتبروا أن الحرب تستحق تكلفتها. وتتسع الفجوة داخل الانقسام الحزبي؛ إذ بلغت نسبة الذين يرون أن الحرب لم تكن تستحق تكلفتها 91 في المائة لدى الديمقراطيين و76 في المائة لدى المستقلين، بينما اعتبر 63 في المائة من الجمهوريين أنها تستحق ما تكبدته الولايات المتحدة.

أما الرقم المتعلق بتكاليف المعيشة، وهو 86 في المائة، فيعود إلى استطلاع منفصل أجراه المجلس في ماي 2026، وأظهر أن هذه النسبة ترى أن الحرب ألحقت ضرراً بتكاليف المعيشة في الولايات المتحدة. ويستدعي التمييز بين الاستطلاعين الانتباه، لأن نسبة 68 في المائة تقيس تقييم كلفة الحرب وفوائدها، بينما تقيس نسبة 86 في المائة أثرها على مستوى المعيشة.

وتوضح نتائج المجلس أن الرأي العام لم يكن منقسماً فقط بشأن جدوى التدخل العسكري، بل بشأن الطريقة التي تدير بها واشنطن الحرب ومفاوضات إنهائها. فقد رأى 63 في المائة أن الإدارة لم تبذل ما يكفي للوصول إلى تسوية تفاوضية، والنسبة نفسها اعتبرت أنها لم تستشر الحلفاء والشركاء الإقليميين بالقدر الكافي.

هذه الأرقام تساعد على فهم الصعوبة التي واجهها المرشحون الجمهوريون في الدفاع عن السياسات الرئاسية. فالحرب، عندما تقترن بارتفاع أسعار الطاقة والسلع، لا تبقى محصورة في النقاش الدبلوماسي أو الأمني، وإنما تصبح جزءاً من التقييم اليومي لأداء الحكومة. والناخب الذي يواجه ارتفاع تكاليف الوقود والغذاء والسكن لا يتعامل بالضرورة مع الحرب باعتبارها ملفاً خارجياً منفصلاً عن حياته الاقتصادية.

وقد ظهر هذا الارتباط بوضوح في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي أرجع جانباً من خسائر الجمهوريين إلى الحرب مع إيران، في محاولة لتفسير النتيجة الانتخابية التي أضعفت موقع حزبه داخل الكونغرس.

لكن اختزال الهزيمة الجمهورية في الحرب وحدها لا تدعمه المعطيات المتاحة. فسياسات الرسوم الجمركية، ومعدلات التضخم، والقدرة الشرائية، ومستوى الرضا عن أداء الرئيس، كلها كانت حاضرة في تفسير اتجاهات الناخبين. كما أن النتائج لا تسمح بإثبات أن جميع الذين صوتوا للديمقراطيين فعلوا ذلك احتجاجاً على الحرب، أو أن السياسة الخارجية كانت العامل الحاسم في كل دائرة انتخابية.

غزة والناخبون العرب الأمريكيون.. استعادة الديمقراطيين لجزء من الثقة المفقودة

في ميشيغان، لا يمكن فصل الفوز التاريخي لعبد السيد عن التركيبة السياسية والاجتماعية للولاية، وخصوصاً في مناطق ديترويت وديربورن، حيث يشكل الأمريكيون من أصول عربية جزءاً من المشهد الانتخابي، وتحتل مواقف واشنطن من الشرق الأوسط مكانة مؤثرة في النقاش السياسي المحلي.

فخلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، شهد الحزب الديمقراطي تراجعاً في دعم قطاعات من الناخبين العرب الأمريكيين، بسبب موقف إدارة جو بايدن من الحرب الإسرائيلية على غزة. وقد استفاد دونالد ترامب آنذاك من حالة الغضب تجاه الديمقراطيين، وقدم وعوداً بإنهاء الحروب وتحقيق السلام في الشرق الأوسط.

غير أن استمرار الحرب في غزة، ثم دخول الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مع إيران، وضع هذه الوعود أمام اختبار مختلف. ولم يعد النقاش مقتصراً على الموقف من الإدارة الديمقراطية السابقة، بل امتد إلى تقييم سياسات ترامب نفسه، خصوصاً أن قطاعاً من الناخبين الذين منحوه أصواتهم سنة 2024 لم يروا التحول الذي كانوا ينتظرونه في ملفات الشرق الأوسط.

وأظهر استطلاع أجراه معهد العرب الأمريكيين (AAI)، بتكليف من مؤسسة جون زغبي للاستراتيجيات، خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 23 أكتوبر 2026، وشمل 500 ناخب عربي أمريكي مرجح المشاركة في الانتخابات، أن 59 في المائة يعتزمون التصويت للمرشحين الديمقراطيين في دوائرهم الانتخابية، مقابل 26 في المائة للمرشحين الجمهوريين.

وتبلغ هامشية الخطأ في هذا الاستطلاع 4.5 نقاط مئوية، وهو ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند قراءة النتائج. كما أظهر أن 31 في المائة من المشاركين يعرفون أنفسهم باعتبارهم مستقلين، بينما بلغت نسبة المنتمين إلى الحزب الديمقراطي 41 في المائة، مقابل 27 في المائة للجمهوريين.

ولم يكن الاقتصاد غائباً عن هذه النتائج؛ إذ قال 82 في المائة من المستطلعين إن ارتفاع الأسعار تسبب لهم في صعوبات اقتصادية، فيما اعتبر 56 في المائة أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ.

أما بخصوص غزة، فقد قال 90 في المائة إن القضية ستكون مهمة في تحديد اختيارهم خلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2028. وهذه النتيجة لا تعني أن الاستطلاع قاسِمٌ مباشر لتصويتهم في انتخابات 2026، بل تكشف استمرار حضور القضية في حساباتهم السياسية المستقبلية، حتى بعد تغير اتجاهات الدعم الحزبي.

كما أظهرت الدراسة أن 65 في المائة من المشاركين تعرضوا، بحسب تصريحاتهم، للتمييز بسبب أصولهم العرقية أو بلدانهم الأصلية، مقابل 53 في المائة سنة 2023، فيما قال 53 في المائة إن تصاعد الخطاب المعادي للعرب والمسلمين جعلهم أكثر استعداداً للمشاركة في الحياة السياسية.

هذه المعطيات تقدم صورة أكثر تعقيداً من مجرد انتقال انتخابي جماعي من حزب إلى آخر؛ فهناك عودة ملحوظة نحو المرشحين الديمقراطيين، لكن نسبة المستقلين المرتفعة تكشف أن العلاقة بين هذه الشريحة والحزب لم تستعد بالضرورة طابع الولاء التقليدي.

وتتقاطع هذه النتائج مع استطلاع صحيفة «واشنطن بوست» بالتعاون مع مدرسة شار للسياسات والحكومة بجامعة جورج ميسون، الذي أُنجز بين 20 غشت و7 شتنبر 2026، وشمل عينة وطنية من الأمريكيين ذوي الأصول العربية.

فقد أظهر أن 58 في المائة من الناخبين العرب المسجلين يؤيدون المرشحين الديمقراطيين للكونغرس، مقابل 34 في المائة للجمهوريين. كما كشف أن 80 في المائة يعارضون طريقة تعامل ترامب مع ملف إسرائيل وغزة، و75 في المائة يعارضون سياسته تجاه إيران، بينما بلغت نسبة عدم الرضا عن أدائه الاقتصادي نحو 70 في المائة.

وأشار الاستطلاع نفسه إلى أن قرابة ثمانية من كل عشرة ناخبين عرب أمريكيين يؤيدون تقليص المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وأن ستة من كل عشرة يفضلون وقفها بالكامل.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من أنها صادرة عن دراسة مستقلة عن استطلاع معهد العرب الأمريكيين، وبمنهجية مختلفة وعينة مختلفة، لكنها تلتقي معه في رصد اتجاه عام يتمثل في تراجع الرضا عن سياسة ترامب في الشرق الأوسط، وتنامي التأييد للمرشحين الديمقراطيين لدى شريحة واسعة من الناخبين العرب الأمريكيين.

من نتائج الانتخابات إلى اختبار المؤسسات.. ماذا يتغير في واشنطن؟

إن استعادة الديمقراطيين للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ لا تعني انتقال السلطة التنفيذية إلى الحزب المعارض، فالرئاسة ستظل في يد دونالد ترامب، كما أن صلاحيات الرئيس الدستورية لن تتغير بمجرد تبدل الأغلبية التشريعية. لكن طبيعة العلاقة بين المؤسستين ستدخل مرحلة مختلفة خلال السنتين المتبقيتين من ولايته.

في مجلس النواب، ستتمكن الأغلبية الديمقراطية من التحكم في جدول الأعمال التشريعي، ورئاسة اللجان، وتوسيع نطاق جلسات الاستماع والتحقيقات المتعلقة بأداء الإدارة وقراراتها. كما ستصبح قضايا الإنفاق الفيدرالي والميزانية والاعتمادات المالية مجالاً للتفاوض السياسي بين البيت الأبيض وقيادة المجلس.

أما مجلس الشيوخ، فإن انتقاله إلى المعسكر الديمقراطي يمنح المعارضة سلطة مهمة في مسار المصادقة على التعيينات الرئاسية، بما فيها التعيينات القضائية والمناصب العليا في الإدارة، إلى جانب دوره في التشريع والرقابة.

ومع ذلك، لا تمنح الأغلبية الديمقراطية الرئيسة للمعارضة قدرة تلقائية على فرض جميع خياراتها. فترامب يحتفظ بحق النقض الرئاسي، وتجاوز هذا النقض يحتاج إلى أغلبية الثلثين في المجلسين، وهي أغلبية لا تملكها المعارضة وفق النتائج الحالية. كما أن بعض الملفات الكبرى ستظل مرتبطة بالتوافقات السياسية وبالانقسامات داخل الحزبين.

وقد أظهرت ردود الفعل الأولى حجم التغيير داخل الحزب الجمهوري نفسه. فبعد الخسارة، أعلن رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون أنه لن يسعى إلى الاستمرار في قيادة الكتلة الجمهورية، في إشارة إلى أن تداعيات الانتخابات لم تتوقف عند خسارة الأغلبية، بل امتدت إلى إعادة ترتيب القيادة داخل الحزب.

أما بالنسبة إلى الديمقراطيين، فإن الفوز لا يمثل تفويضاً مفتوحاً لمجرد معارضة ترامب، بقدر ما يضعهم أمام مسؤولية إثبات قدرتهم على تحويل المكاسب الانتخابية إلى برنامج تشريعي ملموس، خصوصاً أن القضايا التي حضرت بقوة في صناديق الاقتراع تتعلق بالأسعار والرعاية الصحية والدخل والإنفاق العام.

وتبقى نتيجة عبد السيد في ميشيغان إحدى أكثر الصور تعبيراً عن التحولات التي رافقت هذه الانتخابات. فمرشح من أصول مصرية، يحمل هوية إسلامية معلنة، ويخوض حملة تنتقد الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، استطاع الوصول إلى مجلس الشيوخ رغم الإنفاق الانتخابي الكبير والهجمات التي استهدفت خلفيته ومواقفه.

غير أن دلالة فوزه لا ينبغي أن تتحول إلى استنتاج بأن الناخب الأمريكي حسم موقفاً موحداً من إسرائيل أو من الحرب في غزة، أو أن التصويت للديمقراطيين أصبح مرادفاً لتبني موقف واحد من قضايا الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تظل بلداً متعدد الاتجاهات، والنتائج الانتخابية نفسها تظهر استمرار الانقسام الحزبي والاجتماعي.

ما تكشفه صناديق اقتراع الثالث من نوفمبر هو أن سياسات الإدارة الأمريكية، بما فيها الحرب والتجارة والاقتصاد، لم تعد بمنأى عن المحاسبة الانتخابية، وأن الحزب الجمهوري سيدخل ما تبقى من ولاية ترامب وهو مضطر إلى التعامل مع كونغرس انتقلت فيه مراكز القرار التشريعي والرقابي إلى خصومه السياسيين. أما الديمقراطيون، فقد استعادوا المؤسسات، وبات عليهم الآن إثبات أن الفوز الانتخابي قادر على إنتاج بديل سياسي يتجاوز الاحتجاج على الإدارة القائمة.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img