غلاف مجلة «العالم الجديد» البريطانية الذي يصور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مسجى في تابوت، تحت عنوان «بعد بوتين»، يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الاستفزاز السياسي منه إلى التحليل الجيوسياسي. لكنه يفتح سؤالاً أكبر من صورة الغلاف نفسها: هل دخل نظام بوتين بالفعل مرحلة الإنهاك التي يمكن أن تسبق نهاية حقبة سياسية استمرت ربع قرن، أم أن روسيا لا تزال تملك من أدوات القوة ما يكفي لإطالة الحرب والحفاظ على النظام؟
الإجابة الأكثر واقعية، وفق المعطيات المتاحة حتى منتصف غشت ( أغسطس/ آب) 2026 الجاري، هي أن روسيا تواجه ضغوطاً حقيقية ومتزايدة، لكنها لم تصل إلى مرحلة تهدد بقاء بوتين في السلطة. والفارق بين الأمرين جوهري؛ فالإنهاك العسكري والاقتصادي لا يتحول تلقائياً إلى انهيار سياسي في نظام شديد المركزية مثل النظام الروسي.
«بعد بوتين».. غلاف يحمل رسالة سياسية أكثر منه نبوءة
تتبنى «العالم الجديد» منذ تحولها من «ذا نيو يوروبيان» موقفاً مؤيداً لأوكرانيا ومعارضاً لسياسات الكرملين. وتظهر أرشيفات المجلة أن خطابها تجاه روسيا يقوم على اعتبار بوتين مصدر تهديد طويل الأمد لأوروبا، مع التركيز على ضرورة استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا.
ومن ثم، فإن قراءة الغلاف باعتباره توقعاً موضوعياً لموعد نهاية بوتين ستكون مبالغة. الأصح أنه تعبير بصري عن تصور سياسي: أن الحرب الطويلة يمكن أن تستنزف نموذج «البوتينية»، وأن روسيا قد تدخل بعد بوتين مرحلة مختلفة.
لكن السؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة هو: هل بدأت بالفعل مقدمات هذا التحول؟
الحرب لم تعد تجري على الجبهة فقط
أحد أهم التحولات في الحرب خلال 2026 أن أوكرانيا نجحت في نقل جزء متزايد من المعركة إلى العمق الروسي.
ففي يونيو (حزيران) الماضي، وصلت الهجمات الأوكرانية إلى مناطق قريبة من موسكو، واستهدفت منشآت نفطية وبنية تحتية حيوية. ووصف تقرير لـ«لوموند» الهجوم على منشآت في العاصمة بأنه كشف إلى أي مدى أصبحت الحرب حاضرة في الحياة اليومية للروس، بعدما كانت الجبهة بعيدة عن معظم السكان.
وفي غشت (أغسطس/ آب) الجاري، اتسعت هذه الحرب بصورة أكبر.
ففي 11 غشت، تعرضت مصفاة أورسك لهجوم بطائرة مسيرة أدى إلى توقف عمليات التكرير، وفق مصادر في قطاع النفط نقلتها رويترز. والمصفاة تقع على بعد نحو 1900 كيلومتر من أوكرانيا وتبلغ طاقتها حوالي 115 ألف برميل يومياً.
وبعد ذلك بثلاثة أيام فقط، استهدفت طائرات مسيرة أوكرانية مجمع غازبروم نفتخيم سالافات في باشكورتوستان، وهو مجمع ضخم للنفط والبتروكيماويات يبعد نحو 1300 كيلومتر عن أوكرانيا، وفق وكالة أسوشيتد برس.
هذه المسافة هي التي تمنح استراتيجية كييف الجديدة أهميتها.
لم تعد الرسالة الأوكرانية موجهة إلى الوحدات الروسية على خط الجبهة فقط، وإنما إلى المنظومة التي تموّل الحرب وتغذيها وتؤمن استمرارها.
مصافي النفط أصبحت هدفاً استراتيجياً
يمثل النفط بالنسبة إلى روسيا أكثر من مجرد سلعة تصديرية.
فالاقتصاد الروسي، رغم تنوعه النسبي، يعتمد بصورة كبيرة على عائدات الطاقة، كما أن قطاع التكرير يمثل حلقة حيوية في توفير الوقود للجيش والاقتصاد المدني.
وقد بدأت آثار الهجمات تظهر في السوق الداخلية الروسية. ففي يوليوز (يوليو/ تموز) الماضي، قالت رويترز إن الضربات الأوكرانية على المصافي ومستودعات النفط تسببت في أزمة وقود داخلية، دفعت موسكو إلى فرض قيود على صادرات الديزل، بينما ظهرت مخاوف في مناطق زراعية من نقص الوقود.
كما خفض البنك المركزي الروسي سعر الفائدة إلى 14% في يوليوز، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى ضغوط تضخمية مرتبطة بالهجمات على منشآت النفط والبنية الاقتصادية. ووفق رويترز، كانت توقعات نمو الناتج المحلي الروسي لعام 2026 قد اقتربت من الصفر.
لكن هذه الصورة تحتاج إلى نصفها الآخر.
الاقتصاد الروسي يتباطأ.. لكنه لم ينهَر
أعلنت روسيا عودة اقتصادها إلى النمو خلال الربع الثاني من 2026 بعد انكماش في الربع الأول، وفق بيانات رسمية نقلتها «موسكو تايمز». وفي الوقت نفسه، تشير التقارير الاقتصادية إلى أن الضغوط المالية والتضخم وضعف القطاعات غير المرتبطة بالدفاع باتت أكثر وضوحاً.
وتشير قراءة أخرى نقلتها CNBC إلى أن الاقتصاد الروسي لا يزال ينمو رغم سنوات الحرب، لكن الضغوط المالية أصبحت أصعب في الإخفاء، مع تزايد الاختلال بين الاقتصاد العسكري والقطاعات المدنية.
وهذا يقود إلى نتيجة مهمة:
الاقتصاد الروسي يعاني، لكنه لم يدخل مرحلة الانهيار.
بل يمكن القول إن موسكو نجحت حتى الآن في تحويل جزء كبير من موارد الدولة نحو الاقتصاد العسكري، بما يسمح لها بمواصلة الحرب رغم ارتفاع تكلفتها.
وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن «نهاية بوتين» سابقاً لأوانه.
ماذا يحدث على الجبهة؟
المشكلة العسكرية الروسية ليست في غياب القدرة على القتال، وإنما في صعوبة تحويل التفوق العددي والمادي إلى اختراق استراتيجي حاسم.
فالقوات الروسية ما زالت قادرة على شن هجمات واسعة واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، لكن التقدم البري أصبح أكثر كلفة وبطئاً، في مواجهة دفاعات أوكرانية تعتمد بصورة متزايدة على الطائرات المسيرة والاستطلاع والاستخبارات والضربات بعيدة المدى.
وفي المقابل، لم تتحول الهجمات الأوكرانية العميقة إلى انتصار بري شامل.
ويشير تقييم معهد دراسة الحرب إلى أن أوكرانيا كثفت عملياتها بعيدة المدى ضد الأهداف الروسية، وأن أجهزة الأمن الأوكرانية نفذت خلال عملية استمرت 40 يوماً ما لا يقل عن 100 ضربة ناجحة داخل روسيا.
لكن المجلس الأطلسي يحذر من الاستنتاج السريع بأن الطائرات المسيرة وحدها قادرة على إجبار بوتين على التفاوض؛ فهذه الهجمات تضغط على الاقتصاد والدفاعات الجوية الروسية، لكنها لا تعني تلقائياً انهيار قدرة روسيا على مواصلة الحرب.
الضربة الأوكرانية الأكبر: تحويل الحرب إلى مشكلة داخل روسيا
ربما يكون البعد النفسي والسياسي هو الأهم في استراتيجية المسيّرات الأوكرانية.
فروسيا اعتادت طوال سنوات الحرب أن يشعر جزء كبير من سكانها بأن المعركة تقع في مكان بعيد.
لكن وصول المسيرات إلى موسكو، وباشكورتوستان، ومنشآت النفط في مناطق نائية، وحتى استهداف منشآت لوجستية وتجارية، يغير المعادلة.
وفي 16 غشت (أغسطس/ آب) الجاري، أعلنت موسكو تعرضها لهجوم أوكراني واسع شاركت فيه مئات الطائرات المسيرة؛ وقالت وزارة الدفاع الروسية إنها أسقطت مئات المسيرات، بينما تحدثت السلطات عن قتلى وأضرار في منطقة موسكو ومناطق أخرى. وفي اليوم نفسه واصلت روسيا هجماتها الصاروخية والمسيرة على أوكرانيا.
والرسالة الأوكرانية هنا ليست عسكرية فقط:
إذا كانت روسيا قادرة على ضرب المدن الأوكرانية، فإن أوكرانيا قادرة أيضاً على جعل الحرب تصل إلى المدن والمنشآت الروسية.
وهذا يضع القيادة الروسية أمام تحدٍ إضافي: حماية العمق الروسي دون استنزاف موارد الدفاع الجوي اللازمة للجبهة.
لكن لماذا لا يعني ذلك سقوط بوتين؟
هنا يجب الحذر من إسقاط تجربة الاتحاد السوفياتي بعد ستالين على روسيا الحالية.
فالأنظمة لا تسقط لمجرد ارتفاع تكلفة الحرب.
هناك مجموعة من العوامل تحمي بوتين حتى الآن:
أولاً: السيطرة على مؤسسات الدولة
الكرملين لا يواجه معارضة سياسية قادرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى حركة منظمة تهدد السلطة.
ثانياً: السيطرة على المجال الإعلامي
رغم وصول صور الهجمات الأوكرانية إلى الشبكات الاجتماعية الروسية، ما زالت الدولة تملك أدوات هائلة لصياغة الرواية السياسية للحرب.
وهذه النقطة أكدتها تحليلات غربية؛ فـ«دويتشه فيله» أشارت إلى أن بوتين يواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية، لكنه لا يزال يحتفظ بقبضته السياسية من خلال الدعاية والقمع والسيطرة على الرواية الداخلية.
ثالثاً: استمرار قدرة الدولة على تمويل الحرب
فالاقتصاد لم يتوقف، وإيرادات الطاقة لم تختف، والقطاع العسكري لا يزال يمثل أولوية مالية وسياسية للكرملين.
رابعاً: غياب بديل واضح
حتى إذا تراجعت شعبية بوتين، فإن السؤال التالي سيكون: من يستطيع أن يحل مكانه؟
وهذا سؤال شديد الأهمية في روسيا؛ لأن ضعف الرئيس لا يعني بالضرورة صعود المعارضة، بل قد يؤدي إلى صراع داخل النخبة الحاكمة نفسها.
بوتين لا يبدو كستالين في هذه اللحظة
تشبيه بوتين بستالين مفيد من الناحية الرمزية، لكنه مضلل إذا تحول إلى مقارنة تاريخية كاملة.
ستالين خرج من الحرب العالمية الثانية وهو يملك دولة منتصرة توسعت جغرافياً وسياسياً، بينما بوتين يخوض حرباً استنزافية لم تحقق حتى الآن جميع الأهداف التي أعلنتها موسكو.
لكن روسيا الحالية أيضاً ليست الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة.
فالاقتصاد أكثر اندماجاً مع الأسواق العالمية، والنخبة الاقتصادية مرتبطة بالثروة والطاقة والتجارة، والجيش يمتلك خبرة قتالية هائلة تراكمت خلال سنوات الحرب.
والأهم أن بوتين لم يفقد السيطرة على النخبة السياسية والأمنية.
لذلك فإن غلاف «بعد بوتين» يمكن أن يكون صحيحاً في المدى التاريخي الطويل، لكنه لا يقدم دليلاً على قرب الحدث.
أخطر ما يواجه بوتين ليس الهزيمة.. بل التراكم
المعادلة التي تستحق المتابعة خلال الأشهر المقبلة ليست: «هل ستنتصر روسيا أم أوكرانيا؟»
بل: هل تستطيع موسكو تحمل التراكم؟
ضربة نفطية هنا، أزمة وقود هناك، ارتفاع في الإنفاق الدفاعي، نقص في العمالة، تضخم، تباطؤ مدني، خسائر بشرية، صعوبة في التجنيد، استنزاف للدفاعات الجوية، وعقوبات غربية مستمرة.
كل عامل منفرد يمكن للنظام احتواؤه.
لكن اجتماع هذه العوامل في وقت واحد يمكن أن يغير الحسابات داخل النخبة الروسية.
وتشير مؤسسة الأبحاث الفرنسية FRS إلى أن استمرار الحرب بالنسبة إلى الكرملين مرتبط أيضاً بمنطق بقاء النظام نفسه، وأن التصعيد لا يُنظر إليه دائماً باعتباره فشلاً في السياسة، بل يمكن أن يصبح جزءاً من استراتيجية الحفاظ على النظام.
وهذا يجعل المسألة أكثر تعقيداً: كلما زادت الضغوط، قد لا يتجه النظام بالضرورة إلى التراجع؛ بل قد يختار مزيداً من التصعيد.
وماذا عن زيلينسكي؟
المفارقة أن الضغوط لا تقع على بوتين وحده.
فالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يواجه أيضاً مشكلة الموارد البشرية والاقتصادية والدفاع الجوي، بينما تتعرض المدن والبنية التحتية الأوكرانية لهجمات روسية واسعة.
لكن نجاح كييف في تطوير صناعة مسيرات بعيدة المدى يمنحها ورقة جديدة.
وفي 16 غشت (أغسطس/ آب) الجاري، شنت روسيا هجمات واسعة على أوكرانيا، أصابت منشآت صناعية وبنى حيوية، بينما نفذت كييف في المقابل واحدة من أكبر هجماتها الجوية على العمق الروسي.
وهذا يعكس تحول الحرب إلى صراع استنزاف متبادل للعمق الاستراتيجي، وليس مجرد حرب خنادق على خط التماس.
هل يمكن أن تكون روسيا «بعد بوتين» مختلفة فعلاً؟
إذا انتهت حقبة بوتين في المستقبل، فإن السؤال لن يكون فقط: من سيأتي بعده؟
بل: أي روسيا ستظهر؟
هناك ثلاثة مسارات محتملة:
1. انتقال منظم داخل النخبة
قد تتوصل المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية إلى شخصية توافقية تحافظ على جوهر النظام، مع تخفيف بعض مظاهر البوتينية.
في هذه الحالة قد تتغير الواجهة، بينما يبقى النظام المركزي.
2. انفتاح سياسي محدود
قد يدرك جزء من النخبة أن استمرار الحرب والعزلة الدولية أصبح مكلفاً، فيدفع باتجاه تسوية مع الغرب وإعادة بناء العلاقات الاقتصادية.
لكن هذا السيناريو يتطلب توافقاً داخل النخبة، وهو غير متوفر بوضوح حتى الآن.
3. صراع داخلي على الخلافة
وهذا أخطر السيناريوهات.
ففي حال حدوث أزمة مفاجئة ــ عسكرية أو اقتصادية أو صحية أو سياسية ــ فإن غياب آلية واضحة لخلافة بوتين يمكن أن يفتح الباب أمام صراع بين أجهزة الأمن والجيش والنخب الاقتصادية والسياسية.
وهنا فقط يمكن أن تتحول عبارة «بعد بوتين» من عنوان صحفي إلى سؤال وجودي بالنسبة لروسيا.
تقدير موقف: هل اقتربت نهاية بوتين؟
المؤشرات الحالية لا تسمح بالقول إن بوتين يقترب من السقوط، لكنها تسمح بالقول إن نظامه يواجه أصعب تراكم للضغوط منذ بداية الحرب الشاملة.
الهجمات الأوكرانية على النفط والمنشآت الحيوية أصبحت أكثر عمقاً وانتظاماً، وأصبحت تكاليف الحرب أكثر وضوحاً على الاقتصاد الروسي. وفي 12 غشت (أغسطس/ آب) الجاري، اضطرت مصفاة أورسك إلى وقف عملياتها بعد ضربة مسيرة، بينما تواصلت الضربات على منشآت الطاقة خلال الأيام التالية.
لكن في المقابل، لا توجد حتى الآن علامات الانهيار السياسي: الدولة تعمل، الجيش يقاتل، الاقتصاد لم يدخل مرحلة الانهيار، والكرملين ما زال قادراً على السيطرة على المجال السياسي والإعلامي.
بل إن بعض التحليلات ترى أن الضغط الخارجي يمكن أن يعزز تماسك النظام بدلاً من تفكيكه، عبر استخدام الحرب لتعبئة النزعة القومية وتبرير المزيد من السيطرة الداخلية.
لذلك، فإن صورة بوتين في التابوت قد تكون استعارة مبكرة لنهاية مرحلة تاريخية، لكنها ليست وصفاً للحظة الراهنة.
الواقع أكثر تعقيداً من الصورة
غلاف «العالم الجديد» يريد أن يقول إن روسيا بعد بوتين قادمة، وربما تكون مختلفة عن روسيا التي عرفها العالم خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.
لكن الواقع أكثر تعقيداً من الصورة.
بوتين يواجه الإنهاك، لكنه لم يُهزم. روسيا تتألم، لكنها لم تنهَر. أوكرانيا تضرب العمق الروسي، لكنها لم تحسم الحرب. والاقتصاد يتباطأ، لكنه لا يزال يمول آلة الحرب.
والعامل الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة لن يكون عدد المصافي التي تضربها المسيرات وحده، ولا عدد الكيلومترات التي تتقدمها القوات الروسية، وإنما قدرة النظام الروسي على منع هذه الضغوط المتفرقة من التحول إلى أزمة داخلية موحدة داخل النخبة والمجتمع والدولة.
ومن هنا تبدو عبارة «بعد بوتين» أقرب إلى سؤال مفتوح منها إلى نبوءة:
إذا انتهت الحرب ولم ينته بوتين، فهل يكون بوتين قد انتصر؟ وإذا بقي بوتين وانتهت الحرب منهكاً، فهل تكون روسيا قد بدأت فعلاً مرحلة ما بعد البوتينية؟
هذه هي المعركة الحقيقية التي قد تحسم شكل روسيا في السنوات المقبلة.



