اتهامات بالتحرش المهني تلاحق تيش سيدي.. هل تتحول الشكوى إلى أزمة داخل «ماس مدريد»؟
شكاوى مستشارين سابقين تضع سلوك النائبة المدافعة عن أطروحات البوليساريو تحت المساءلة، وتفتح ملف الرقابة الداخلية في حزبها.. فيما تظل مواقفها المناوئة للموقف المغربي من الصحراء قضية سياسية مستقلة عن الاتهامات المهنية
في غضون يومين، انتقلت الشكاوى المقدمة ضد تيش سيدي من إطار حزبي إلى آلية داخلية أخرى تابعة لحركة «سومار». ففي 20 أكتوبر 2026، تقدم مستشارون سابقون للنائبة بشكوى أمام لجنة مدونة الأخلاقيات والنظام الأساسي لحزب «ماس مدريد»، قبل أن تُحال، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، شكوى أخرى إلى آلية تلقي الشكاوى التابعة لـ«سومار» في اليوم التالي.
لا يتعلق الملف بخلاف سياسي داخل البرلمان، بل بادعاءات عن ظروف العمل في الفريق الذي اشتغل مع النائبة، تشمل الإهانة والضغط المهني وتجاوز ساعات العمل المتفق عليها. وتكتسب القضية أهمية إضافية بسبب ما يقوله المشتكون عن إبلاغ مسؤولين في الحزب بتظلماتهم قبل تقديم الشكاوى الأخيرة، وهو ما يوسع نطاق المساءلة المحتملة من سلوك النائبة إلى طريقة تعامل التنظيم مع الشكاوى الداخلية.
لكن تسجيل الشكاوى لا يعني ثبوت الاتهامات، كما لا يكفي وحده لإثبات أن الحزب تجاهل تظلمات سابقة. ما يتوفر حتى الآن هو رواية أطراف سابقين في الفريق، تقابلها مواقف منسوبة إلى مصادر حزبية تشكك في مصداقية الاتهامات. ويبقى الفصل بين الروايتين رهيناً بما ستكشفه إجراءات الفحص والأدلة المتاحة.
فريق صغير وقنوات عمل متعددة
بحسب ما نشرته صحيفة «لا راثون» ووسائل إعلام إسبانية أخرى، يقول ثلاثة عاملين سابقين إنهم تعرضوا لمعاملة وصفوها بالتعسفية والعدائية، ويتحدثون عن تعليمات متناقضة وانتقاص متكرر من العاملين وإهانات قيل إنها وُجهت إلى بعض أعضاء الفريق في غيابهم.
وتشير الشكوى، وفق التقارير، إلى أن الفريق الذي ضم نحو ستة أشخاص كان يستخدم ما بين 20 و30 مجموعة على تطبيق «تلغرام» لتنسيق العمل وتبادل المعلومات. كما يقول المشتكون إن الرسائل المهنية كانت تصل خارج ساعات الدوام بصورة متكررة، مع توقع الرد عليها، وإن ساعات العمل تجاوزت 37 ساعة ونصف أسبوعياً من دون تعويض إضافي.
هذه التفاصيل قابلة للتحقق من خلال المراسلات وسجلات العمل والعقود الوظيفية. أما وصفها قانونياً بالتحرش المهني، فيتطلب تحديد الأفعال التي وقعت ومدى تكرارها وطبيعتها، ثم مقارنتها بالقواعد القانونية والتنظيمية ذات الصلة. فالإرهاق الناتج عن ضغط العمل، مثلاً، لا يثبت بمفرده وجود تحرش، كما أن تعدد قنوات التواصل لا يشكل مخالفة تلقائياً؛ إنما تتحدد دلالتهما من خلال طريقة استخدامهما والظروف التي أحاطت بهما.
ويقول المشتكون إن الظروف المهنية أثرت في حياتهم الشخصية، وإن بعضهم احتاج إلى إجازة مرضية أو إلى مساعدة متخصصة في الصحة النفسية. وأشارت تغطية صحافية إلى وثائق طبية تدعم جانباً من روايتهم، لكن إثبات وجود حالة صحية لا يحسم وحده أسبابها أو يحدد المسؤولية عنها.
وتفيد التقارير أيضاً بأن خمسة أشخاص مختلفين بدأوا العمل مستشارين تقنيين لدى سيدي وأنهوه خلال سنة 2025. وإذا أمكن التحقق من هذه المعطيات عبر سجلات التوظيف والمغادرة، فقد تساعد في فهم استقرار الفريق وظروف العمل فيه. لكنها لا تثبت، منفردة، أن المغادرة كانت نتيجة سوء المعاملة؛ فذلك يحتاج إلى معرفة أسباب كل حالة والاستماع إلى المعنيين.
ما الذي كانت تعرفه قيادة الحزب؟
يتجاوز الجانب الأكثر حساسية في الشكوى العلاقة بين النائبة ومستشاريها السابقين. فالمشتكون يقولون إنهم نقلوا تظلماتهم إلى مسؤولين داخل «ماس مدريد» خلال سنة 2025، وطلبوا التدخل لمعالجة ظروف العمل التي اعتبروها مضرة.
إذا ثبت وصول تلك التظلمات إلى الجهات المختصة، فإن المسألة ستشمل مدى استجابة الحزب لها: هل سجلها؟ هل استمع إلى الأطراف؟ وهل اتخذ خطوات للتحقق من الوقائع أو حماية العاملين؟ أما إذا تعذر إثبات وصولها أو اتضح أنها لم تُعرض على الجهات المخولة، فسيختلف تقييم المسؤولية التنظيمية.
وتنقل صحيفة «لا راثون» عن مصادر حزبية تشكيكها في مصداقية الشكاوى بسبب تقديمها بصورة مجهّلة، مع طرح احتمال ارتباطها بتصفية حسابات في فترة انتخابية. لكن توقيت الشكوى لا يثبت أنها كيدية، تماماً كما أن تقديمها عبر القنوات الحزبية لا يثبت صحة مضمونها.
وتشير التغطية المنشورة إلى أن القواعد الداخلية لـ«ماس مدريد» تتضمن مقتضيات بشأن الإهانات والسلوك العدائي، وقد تسمح بفرض عقوبات حزبية إذا ثبتت مخالفتها. غير أن تحديد العقوبة، إن وجدت، يتوقف على النصوص المنطبقة ونتائج المسطرة واحترام حق الدفاع.
والاختبار الحقيقي للآليات الداخلية ليس في وجود قواعد مكتوبة فحسب، بل في تطبيقها عندما تتعلق الشكوى بنائبة منتخبة لها موقع سياسي داخل التنظيم. ولا تتوفر، حتى 25 أكتوبر 2026، معطيات كافية للجزم بأن التحقيق انتهى إلى نتيجة أو أن مسؤولية النائبة ثبتت.
تيش سيدي ومواقفها من الصحراء المغربية
لا تنحصر أهمية متابعة تيش سيدي في الشكاوى المهنية. فالنائبة المنتمية إلى ائتلاف «سومار»، والمرتبطة سياسياً بحزب «ماس مدريد»، من الأصوات المدافعة عن أطروحات جبهة البوليساريو الانفصالية والمعارضة لدعم مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية.
وُلدت سيدي في مخيمات تندوف بالجزائر، وهي مهندسة من أصول صحراوية. وقد انتقدت توجه الحكومة الإسبانية نحو دعم المبادرة المغربية، وهو موقف يضعها ضمن الأصوات السياسية الإسبانية المناوئة للتحول الذي عرفته العلاقات بين الرباط ومدريد بشأن قضية الصحراء.
ومن زاوية الصحافة الوطنية المغربية، يستدعي هذا الموقف متابعة دقيقة لتصريحاتها ومبادراتها البرلمانية، ومساءلة الحجج التي تستند إليها في معارضة المقترح المغربي. فالقضية تتصل بالوحدة الترابية للمملكة وبمسار دبلوماسي يعمل المغرب على ترسيخه دولياً، ولا ينبغي اختزالها في سجال حزبي إسباني عابر.
ومن الملفات التي ارتبط اسم سيدي بها مقترح قانون الجنسية الإسبانية للأشخاص المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 شتنبر 1977، ولأبنائهم المباشرين وفق الشروط الواردة في النص.
وفي 10 شتنبر 2026، وافق مجلس النواب الإسباني على المقترح بأغلبية 168 صوتاً مقابل 31، مع امتناع 145 نائباً عن التصويت، وفق المعطيات الرسمية المنشورة بشأن التصويت. وأُحيل النص إلى مجلس الشيوخ لاستكمال المسطرة التشريعية.
وتكشف المبادرة عن استمرار حضور الإرث الاستعماري الإسباني في النقاش السياسي والتشريعي المتعلق بالصحراء، وعن محاولة معالجة بعض آثاره عبر قواعد تخص الجنسية. أما تقييم انعكاساتها القانونية والسياسية على الموقف الإسباني من النزاع، فيتطلب فحص النص الكامل ومراحله التشريعية ومضمونه النهائي، بدلاً من استنتاج نتائج لم يحسمها القانون بعد.
وتظل مواقف سيدي من الصحراء المغربية موضوعاً مشروعاً للنقد السياسي والإعلامي، شأنها شأن أي مواقف تتصل بقضية الوحدة الترابية. لكن هذه المواقف لا تثبت صحة الاتهامات المهنية الموجهة إليها، كما أن الشكوى لا تنفي مسؤوليتها السياسية عن المواقف التي تعلنها وتدافع عنها.
بين المساءلة المهنية والمواجهة السياسية
يتقدم الملف على مسارين مختلفين. الأول يتعلق بوقائع يمكن التحقق منها: الرسائل، وساعات العمل، وشهادات العاملين السابقين، وطريقة تعامل الحزب مع التظلمات. والثاني يتعلق بمواقف تيش سيدي من الصحراء المغربية، وهي مواقف تُناقش بالحجج السياسية والقانونية والرد على المبادرات والتصريحات الموثقة.
وقد يتقاطع المساران في النقاش العام حول النائبة، لكن الخلط بينهما يضعف القدرة على تقييم كل قضية وفق أدلتها. فإذا ثبتت المخالفات المهنية، وجب تحديد المسؤولية عنها وفق القواعد المعمول بها؛ وإذا لم تثبت، فلا يجوز تحويل مجرد الشكوى إلى إدانة. وفي المقابل، لا يمنع غياب حكم في الملف المهني من مواصلة نقد مواقفها السياسية المعلنة بشأن الوحدة الترابية للمملكة.
حتى الآن، لا تثبت المعلومات المنشورة سوى وجود شكاوى وادعاءات متنازع بشأنها. ويبقى ما ستكشفه المسطرة الداخلية، ومدى شفافية التعامل مع التظلمات، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت القضية ستنتهي إلى خلاف مهني محدود أو ستتحول إلى أزمة تنظيمية أوسع داخل «ماس مدريد».