ذات صلة

أحدث المقالات

وهبي لمدريد: «الأسرة والدولة تقرران»… فمن فوّضكم في مصير قاصري سبتة؟

قال وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، في حديثه...

سبتة وفؤاد عالي الهمة.. حين تتحول الفرضية إلى اتهام، ويصبح النفوذ بديلاً عن الدليل

يحتاج التحقيق الذي نشرته صحيفة «The Objective» الإسبانية حول أحداث سبتة الأخيرة إلى قراءة تتجاوز عنوانه المثير وما أحدثه من ضجة سياسية وإعلامية، لأن القضية هنا لا تتعلق فقط بتفسير موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها المدينة المحتلة، وإنما بالطريقة التي جرى بها الانتقال من وقائع حدودية معقدة إلى رواية سياسية تضع فؤاد عالي الهمة، مستشار جلالة الملك محمد السادس، في موقع صاحب القرار أو العقل المدبر لما جرى. وهذا انتقال بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب مكانة الرجل داخل الدولة المغربية، وإنما لأن الاتهام، حين يتعلق بشخص يوجد في قلب دوائر القرار، يتجاوز صاحبه ليطال صورة الدولة وطريقة اشتغال مؤسساتها. ولذلك فإن الدفاع عن فؤاد عالي الهمة هنا لا يحتاج إلى خطاب إنشائي أو إلى نفي سياسي مقابل، بل إلى إعادة تفكيك الرواية نفسها، والعودة إلى السؤال الذي ينبغي أن يحكم كل تحقيق استقصائي: أين تنتهي الوقائع وأين يبدأ الاستنتاج؟

المادة المنشورة تضع أمام القارئ مجموعة من المعطيات المتعلقة بحجم التدفقات نحو سبتة، وبالظروف السياسية والأمنية التي رافقتها، ثم تبني بينها روابط تقود في النهاية إلى فرضية وجود قرار مغربي مركزي. لكن حجم الحدث لا يحدد تلقائياً مصدره، كما أن وجود تنظيم أو تعبئة لا يحدد بالضرورة صاحب القرار السياسي وراءهما. هذه نقطة جوهرية لأن هناك مسافات متتالية بين إثبات أن موجة العبور كانت منظمة، وإثبات وجود تساهل أمني متعمد، ثم إثبات صدور قرار سياسي، ثم نسبته إلى الدولة المغربية، وأخيراً نسبته شخصياً إلى فؤاد عالي الهمة. وكل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى دليل خاص بها، ولا يمكن أن تقوم الحلقة الأخيرة على قوة الانطباع الذي تركته الحلقات السابقة.

الأرقام التي رافقت الأزمة تؤكد بلا شك أن سبتة واجهت ضغطاً استثنائياً، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي وضعته الصحيفة في مركز روايتها: من اتخذ القرار؟ فالوقائع المنشورة في النص الأصلي تشير إلى وصول أعداد كبيرة من المهاجرين، وإلى محاولات متكررة للسباحة نحو المدينة، وإلى امتلاء مراكز الاستقبال، وهي معطيات تكشف حجم الأزمة ولا تكشف وحدها الجهة التي صنعتها. وحتى التحقيق الإسباني الذي استند إلى هذه المعطيات لا يستطيع، بمجرد إثبات أن الحركة كانت واسعة ومنظمة، أن يقفز مباشرة إلى اسم فؤاد عالي الهمة.

وهنا تظهر أولى الثغرات التي ينبغي التوقف عندها: الأحداث لم تبدأ في لحظة واحدة ولم تظهر من فراغ. كانت هناك قبل ذروة يوليوز محاولات متكررة للعبور سباحة، وارتفاع في أعداد الوافدين، وتغيرات في البيئة القانونية الإسبانية. وفي 8 يوليوز 2026، أصدر المجلس الأعلى الإسباني قراراً أكد أن الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة ومليلية سباحة لا يمكن إخضاعهم تلقائياً لآلية «الإعادة الساخنة» نفسها المطبقة على من يجتازون عناصر الحماية الحدودية؛ بل يتعين إخضاعهم للإجراء العادي للإعادة. هذا القرار صدر قبل موجة نهاية يوليوز، وهو عامل موضوعي لا يمكن تجاهله عند تحليل حسابات المهاجرين وشبكات التهريب.

ولا يعني ذلك أن الحكم القضائي يفسر وحده ما حدث، وهذه نقطة يجب التشديد عليها حتى لا نقع في الخطأ نفسه الذي نحاول تفكيكه. لكنه يثبت أن البيئة القانونية التي كانت تحكم محاولة العبور تغيرت قبل انفجار الأزمة، وأن هذا التغير كان قابلاً لأن يؤثر في حسابات المخاطر والفرص لدى المهاجرين. وعندما يكون أمام الباحث عامل قانوني جديد، وتعبئة رقمية، وشبكات للهجرة، وضغط اجتماعي واقتصادي، ومسار متراكم لمحاولات العبور، فإن القفز مباشرة إلى فرضية القرار السياسي الصادر عن شخصية مغربية بعينها لا يوسع مجال التحقيق، بل يضيقه.

الأكثر دلالة أن التطورات اللاحقة نفسها عززت أهمية العامل القانوني. فبعد الأزمة، بدأت السلطات الإسبانية التفكير في إقامة حواجز بحرية مادية في محيط سبتة، تحديداً بعد أن رسم حكم المحكمة العليا حدوداً قانونية جديدة لعمليات الاعتراض في البحر. معنى ذلك أن الدولة الإسبانية نفسها تعاملت مع الحكم باعتباره عاملاً له أثر مباشر على طريقة إدارة الحدود البحرية، لا مجرد تفصيل قانوني عابر. وهذا يجعل الحكم جزءاً من السياق الذي ينبغي أن تُقرأ فيه أحداث يوليوز، لا هامشاً يمكن تجاوزه لصالح رواية سياسية جاهزة.

ثم هناك عامل آخر لا يمكن للصحافة الجادة أن تتعامل معه باعتباره تفصيلاً ثانوياً: البيئة الرقمية التي سبقت موجة العبور. فالتقارير التي تناولت الأزمة أشارت إلى تداول مقاطع وصور ومعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإلى تأثيرها في دفع شباب إلى اتخاذ قرار التوجه نحو سبتة. وقد وثقت تقارير لاحقة حالات لشباب قالوا إنهم شاهدوا على إنستغرام صوراً لمهاجرين يعبرون إلى المدينة، ثم اتخذوا القرار بالالتحاق بالمحاولة. هذه الوقائع لا تثبت أن الظاهرة كانت عفوية بالكامل، لكنها تثبت في المقابل وجود قناة مستقلة قادرة على إنتاج تعبئة جماعية من دون الحاجة إلى افتراض وجود أمر سياسي مركزي.

ومن الخطأ كذلك النظر إلى «التنظيم» و«القرار السياسي» باعتبارهما شيئاً واحداً. قد تكون هناك مجموعات مغلقة تنسق مواعيد التحرك وطرق الوصول، وقد توجد صفحات تنشر معلومات مضللة أو مغرية، وقد تستغل شبكات الاتجار بالبشر هذه الرغبة الجماعية، وقد يستجيب مئات الأشخاص في وقت متقارب للرسالة نفسها. كل ذلك يمكن أن ينتج مشهداً يبدو شديد التنظيم من الخارج، لكنه لا يثبت في حد ذاته وجود غرفة عمليات سياسية في مركز الدولة. المسافة بين الأمرين هي بالضبط المسافة التي ينبغي أن يملأها الدليل.

والأهم أن الوقائع الميدانية تفرض سؤالاً محرجاً على الرواية التي تجعل من فؤاد عالي الهمة صاحب قرار دفع موجة بشرية نحو سبتة. فالمعطيات الواردة في المادة الأصلية نفسها تشير إلى تدخل السلطات المغربية لاعتراض محاولات العبور وإنقاذ أشخاص كانوا يحاولون الوصول إلى المدينة، وإلى نشر وحدات بحرية للمساعدة في التعامل مع الوضع. إذا كان هناك قرار مركزي هدفه فتح الطريق أمام موجة جماعية، فكيف تفسر هذه الوقائع داخل الرواية نفسها؟ لا يمكن اعتبارها دليلاً قاطعاً على نقيض الفرضية، لكنها بالتأكيد تمنع الانتقال السهل من فرضية سياسية إلى اتهام شخصي من دون تفسير متماسك لكل الوقائع المتعارضة معها.

ثم يأتي عامل آخر أكثر اتساعاً: الارتفاع السابق في محاولات العبور. فالمعطيات التي أوردها النص تشير إلى أن الدخول غير النظامي إلى سبتة ومليلية كان قد سجل ارتفاعاً كبيراً قبل نهاية يوليوز، ما يعني أن الضغط على الحدود لم يبدأ مع موجة الأيام الأخيرة. هذه المعلومة لا تثبت غياب أي تدخل سياسي، لكنها تسحب من تحت الرواية التفسيرية البسيطة فكرة أن الأزمة ولدت فجأة بقرار واحد. الأحداث كانت تتحرك قبل أن تصل إلى ذروتها، وكان هناك مسار هجرة متصاعد يحتاج إلى تفسير متعدد العوامل.

وهنا يصبح استدعاء أحداث 2021 أكثر حاجة إلى الحذر. صحيح أن أزمة سبتة في مايو 2021 كانت لحظة شديدة الحساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، وصحيح أن اسم فؤاد عالي الهمة ظهر في روايات إسبانية مرتبطة بتلك المرحلة، لكن السابقة السياسية لا تتحول تلقائياً إلى دليل على واقعة جديدة بعد خمس سنوات. يمكن لحدث سابق أن يساعد على فهم السياق، وأن يكشف طريقة تفكير أو نمطاً في إدارة أزمة، لكنه لا يثبت أن السيناريو نفسه تكرر في 2026. وإذا أرادت الصحيفة أن تقول إن الرجل لعب الدور ذاته، فعليها أن تقدم ما يربطه بأحداث 2026 تحديداً، لا أن تجعل التاريخ يقوم مقام الدليل.

والأمر نفسه ينطبق على محاولة ربط أزمة سبتة بالتنافس السياسي الداخلي المغربي. فالإشارة إلى علاقة فؤاد عالي الهمة بعزيز أخنوش، ثم افتراض أن الأزمة استُخدمت لإضعاف رئيس الحكومة أو التأثير في المشهد الانتخابي، ليست مجرد إضافة تفسيرية إلى التحقيق؛ إنها قلب رواية سياسية كاملة. ولذلك فهي تحتاج إلى مستوى أعلى من الإثبات. وجود تنافس سياسي أمر طبيعي في أي نظام، ووجود انتخابات مقبلة لا يجعل كل أزمة خارجية أداة انتخابية، كما أن إثبات وجود قرار سياسي، حتى لو افترضناه، لا يثبت تلقائياً الغاية التي نسبت إليه.

وهنا ينبغي طرح الأسئلة التي لا تستطيع الرواية تجاوزها: ما الهدف المحدد الذي كان يراد تحقيقه؟ ما القرار الذي كان يفترض تغييره؟ كيف كانت أزمة سبتة ستؤدي إلى ذلك الهدف؟ وما الصلة المباشرة بين هذا الهدف وبين فؤاد عالي الهمة؟ هذه ليست أسئلة دفاعية، وإنما هي أسئلة التحقيق نفسه. فإذا كان التحقيق يضع الرجل في موقع صاحب القرار، فمن حق القارئ أن يعرف مسار القرار: من اقترحه، ومن اتخذه، ومن نقله، ومن نفذه، وما الذي يثبت أن الرجل كان طرفاً فيه.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما نضع الأزمة في سياق العلاقات المغربية الإسبانية نفسها. فقبل موجة يوليوز كانت هناك قنوات تنسيق معلنة بين البلدين في ملف الهجرة وعملية «مرحبا»، ثم استمر التعاون الثنائي في ملفات الهجرة النظامية ومراقبة الحدود. هذه المعطيات لا تثبت أن العلاقات كانت خالية من الخلافات، ولا تنفي وجود صراع حول ملفات أخرى، لكنها تجعل أي رواية تختزل أحداث سبتة في قرار مغربي عدائي واحد بحاجة إلى تفسير هذا المسار المؤسساتي المعلن أيضاً.

وهنا تحديداً ينبغي أن نفرق بين الدولة والشخص. الدولة المغربية، بما لها من مؤسسات وأجهزة ومراكز قرار، ليست شخصاً واحداً، والمستشار الملكي، مهما كان موقعه وقربه من جلالة الملك، لا يصبح تلقائياً مصدراً لكل قرار تتخذه الدولة ولا مسؤولاً شخصياً عن كل أزمة تقع في محيطها. هذه ليست محاولة لتقليص مكانة فؤاد عالي الهمة، بل على العكس، إنها حماية للمعنى الحقيقي للمسؤولية السياسية والمؤسساتية: كلما كان الشخص قريباً من مركز القرار، كان لزاماً على من يتهمه أن يكون أكثر دقة في الفصل بين ما يعرفه وما يستنتجه.

وقد تكون الصحيفة محقة في اعتماد مصادر سرية، فالصحافة الاستقصائية لا تعمل دائماً بوثائق موقعة تحمل أسماء أصحابها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمراكز القرار والأجهزة الحساسة. لكن سرية المصدر لا تعني إعفاء التحقيق من عبء الإثبات. المصدر المجهول يمكن أن يكون مهماً، شرط أن تكون لديه معرفة مباشرة، وأن تتقاطع معلوماته مع مصادر مستقلة، وأن تكون التفاصيل التي يقدمها قابلة للتحقق، وأن تقود القرائن المختلفة إلى النتيجة نفسها. كلما كان الاتهام أكبر، وجب أن يكون البناء الإثباتي أكثر صلابة. وهذه القاعدة تنطبق على أي شخص، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الاتهام بمستشار لجلالة الملك وبقرار يفترض أنه صدر من أعلى مستويات الدولة.

المشكلة الأساسية في الرواية إذن ليست أن الصحيفة تحدثت عن فؤاد عالي الهمة، ولا أن الرجل صاحب نفوذ، ولا أن اسمه يمكن أن يظهر في سياق تحليل العلاقات المغربية الإسبانية. المشكلة تبدأ عندما يتحول النفوذ إلى قرينة على الفعل، ثم يتحول الفعل المفترض إلى قرار، ثم يتحول القرار المفترض إلى غاية سياسية، ثم يجري تقديم السلسلة كلها للقارئ كما لو أنها واقعة واحدة مثبتة. هنا يصبح النفوذ بديلاً عن الدليل، ويصبح القرب من مركز القرار دليلاً على ممارسة القرار، وهو منطق لا يمكن قبوله إذا كانت الصحافة تريد أن تحافظ على الفارق بين التحقيق والاستنتاج.

بل إن صورة فؤاد عالي الهمة نفسها قد تكون جزءاً من المشكلة. فالرجل معروف داخل المشهد السياسي المغربي بقربه من مركز القرار وبحضوره في عدد من الملفات الاستراتيجية، ولذلك يصبح من السهل نفسياً تفسير الأحداث الغامضة من خلاله. لكن هذه السهولة تحديداً هي التي تفرض على الصحفي مزيداً من الحذر، لأن الشخصية القوية يمكن أن تصبح «مفتاحاً تفسيرياً» جاهزاً لكل حدث، وحين يحدث ذلك يتحول النفوذ من حقيقة سياسية إلى قرينة شاملة على المسؤولية. وهذا خطر مهني قبل أن يكون خلافاً سياسياً.

والدفاع عن فؤاد عالي الهمة، من هذه الزاوية، لا ينبغي أن يكون دفاعاً عن الرجل ضد الصحافة، وإنما دفاعاً عن حق الرجل في أن يُقاس الاتهام الموجه إليه بمعيار الدليل نفسه الذي يفترض أن يحكم أي تحقيق استقصائي. لا أحد فوق المساءلة، لكن لا أحد أيضاً ينبغي أن يصبح متهماً لأن موقعه يسمح للكاتب بأن يبني حوله رواية تبدو متماسكة. المساءلة الحقيقية تبدأ عندما توجد واقعة محددة، ثم دليل محدد، ثم مسؤولية محددة.

وهذا هو الفارق بين التحقيق الذي يفتح سؤالاً والتحقيق الذي يغلقه قبل اكتمال الأدلة. الأول يقول للقارئ: هذه الوقائع، وهذه القرائن، وهذه الفرضيات، وهذه النقاط التي ما زالت تحتاج إلى إثبات. أما الثاني فيبدأ من نتيجة، ثم يعيد ترتيب الوقائع بحيث تقود إليها. وفي قضية سبتة، تبدو الحاجة إلى الحذر أكبر لأن الحدث نفسه متعدد الطبقات: قرار قضائي إسباني سابق على الذروة، تعبئة رقمية، شبكات هجرة، ضغوط اجتماعية، تحركات فردية تحولت إلى موجة جماعية، وتدبير أمني مغربي وإسباني متداخل. هذه العناصر لا تنفي احتمال وجود حساب سياسي، لكنها تجعل تحميل رجل واحد مسؤولية المشهد برمته بحاجة إلى دليل استثنائي.

ثم إن ما جرى بعد الأزمة يقدم هو الآخر مادة تستحق القراءة. فإسبانيا نفسها دخلت في مراجعة أمنية وقانونية لطريقة حماية سبتة، وأطلقت نقاشاً حول الحواجز البحرية وآليات الإعادة، فيما بدأت المحكمة الوطنية الإسبانية تطلب معلومات حول ما إذا كانت أجهزة الأمن قد توصلت إلى مؤشرات مسبقة على موجة الدخول الجماعي، وما إذا كان هناك تنظيم وراءها. وهذا مهم لأنه يعني أن سؤال «من كان يعلم؟» و«هل كانت هناك معلومات مسبقة؟» ما زال مطروحاً داخل المؤسسات الإسبانية نفسها، ولم يتحول إلى حقيقة محسومة.

بل إن استمرار الجدل الإسباني حول مصير من دخلوا سبتة، وإعلان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن جميع من دخلوا بصورة غير نظامية سيعادون إلى المغرب، يكشف أن الأزمة نفسها لم تنته عند لحظة العبور، وإنما انتقلت إلى معركة قانونية وسياسية وإنسانية حول مآلات الوافدين. ومن ثم فإن تفسيرها يحتاج إلى النظر في سلسلة كاملة من القرارات والتفاعلات على جانبي الحدود، لا إلى البحث عن شخصية واحدة تختصر كل شيء.

والأكثر إنصافاً أن نقول إن السؤال حول وجود تنظيم أو تواطؤ أو قرار سياسي يظل مشروعاً للتحقيق، لكن مشروعية السؤال لا تعني صحة الجواب المقترح. قد تكون هناك معلومات لم تُكشف بعد، وقد تظهر مستقبلاً معطيات جديدة تغير الصورة، لكن الصحافة لا تستطيع أن تمنح الاحتمال قوة الحقيقة قبل ظهور تلك المعطيات. وهذه ليست مجاملة لفؤاد عالي الهمة، وإنما احترام للحد الأدنى من قواعد الإثبات.

في النهاية، القضية لا تحتاج إلى تحويل فؤاد عالي الهمة إلى بطل فوق النقد، كما لا تحتاج إلى تحويله إلى متهم جاهز لتفسير كل ما هو غامض في العلاقة المغربية الإسبانية. الرجل مستشار لجلالة الملك، وموقعه داخل الدولة يجعل كل ما ينسب إليه بالغ الحساسية، ولذلك فإن الدفاع عنه يكون أقوى عندما يكون دفاعاً عن قاعدة لا عن شخص: المسؤولية الشخصية لا تُستخرج من النفوذ، والقرار لا يُستنتج من القرب، والاتهام لا يتحول إلى حقيقة بمجرد أن تتكرر روايته.

إذا كانت لدى «The Objective» أدلة مباشرة أو سلسلة مصادر مستقلة تربط فؤاد عالي الهمة تحديداً بقرار يتعلق بأحداث سبتة في يوليوز 2026، فإن هذه الأدلة هي التي ينبغي أن تكون محور النقاش، ويمكن عندها مساءلة الرجل على أساسها. أما إذا كان البناء يقوم على موقعه، وعلى روايات سابقة، وعلى فرضية صراع سياسي، وعلى تفسير للحدث يجمع عناصر متفرقة ثم ينتهي إلى اسمه، فإن ما أمامنا يظل رواية سياسية قابلة للنقاش، لا حكماً نهائياً على الرجل.

وهنا يصبح الدفاع عن فؤاد عالي الهمة دفاعاً عن الصحافة نفسها قبل أن يكون دفاعاً عنه: لا يجوز أن يتحول الرجل القريب من مركز القرار إلى بديل عن الدليل، ولا أن تتحول السابقة إلى إثبات للتكرار، ولا أن تتحول القرينة إلى إدانة. سبتة تحتاج إلى تحقيق يكشف ما حدث، ومن حركه، وكيف جرى، ولماذا وقع؛ لكنها لا تحتاج إلى متهم يُختار أولاً ثم تُجمع الوقائع حوله. وبين السؤال والاتهام مسافة لا يحق للصحافة أن تختصرها إلا بالدليل.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img